امرأتنا ومحنة الحجــاب : قصة حق قد ارتحل/ د.خالد الطراولي


جاءت على استحياء تجري...نادت بصوت جهوري... مالي وما لقومي؟.. ماذا أفعل بحريتي؟... كيف أعيش غربتي بين أهلي وعشيرتي؟، كيف أعيش إنسانيتي قبل أنوثتي؟.. كيف أمثل ذاتي بذاتي لذاتي؟... ماذا أفعل بأمر ربي؟
 
* قيل لي : حريتك يا سيدتي في إطالة أظافرك، في تسويد بشرتك، في تخفيف ثوبك،... حريتك ياسيدتي، في الثورة على قيمك، في منازلة أمسك ويومك، في مواجهة تاريخك.. ! 
 
* قلت : أين فكري، أين رأيي، أين إرادتي؟
 
* قالت : أنت في عقلك نقصانْ...وفي دينك هذيانْ...، ألست ترين أن النساء في كل واد هائمات، وعلى كل ساع مقبلات؟
 
* قلت : رويدا رويدا يا صاحبتي، أليس مبدؤك الخيار ، وحريتك انتصار، ودعوتك حوار؟...
ألم تدفعيني لحمل مصيري لوحدي، أن أشق طريقي بالعقل قبل النقلِ؟
 
ألم تنفثي في ذاتي، أن جدتي..، قد ماتت ولم تعرف غير سقيفة الدارِ، أو يد السقاء أو صيحة البقال والجزارِ... ماتت ولم تعرف غير البؤس والاحتضارِ، عاشت وماتت ولم تر حاسوبا ولا نقّالا ولا خليلا في الحسبانِ، مسكينة جدتي لم تعرف يوما حياة بالألوانِ !.
 
* قالت : صدقت يا فتاتي، فأيامنا كانت ليالي، وجدّاتنا جواري، حياتنا مرارة، وأحوالنا حيارى، شمسنا قد غربت وشموس الناس مشرقة، أوراقهم قد نصعت وأوراقنا مبعثرة..،
 
 لن نعود إلى عالم الإحساس إلا بعد أن نعلن الإفلاس، ولن نقف على الصواري إلا بعد إعلان الطواري..، ولن نكون من الأطراف، ولن نقف على الأعراف، ولن نبن الهوية، إلا بعيدا عن المرجعية، وسوف نملأ الدنيا بالزغاريد، يوم الثورة على التقاليد، ولن نلمس القمم إذا لم نزعزع القيم، ولن نكون من أهل الزمان إذا لم نتبع بني "علمان"، ولن نلج الباب إلا بتمزيق الحجاب !
 
* قلت : ليست كل التقاليد هباء، وليست المرجعية خواء، ولكن علت تقاليد السؤدد أيام المجد والعلى، وسقطت أيام الذل والبلى، فكانت الظلمات والكتب الصفراء، والدين منها براء. وطالنا ما طال الأوطان، من بخس وهوان.
 
* قلت : حجابي يا سيدتي كان كلمة حق وتنفّس، غابت في ركام الجور والطعن والتوجّس..، كان خيارا وحرية، تجاهلته أصوات النضال والوطنية، وجعلوه طائفية وحزبية... 
 
حجابي يا ابنة قومي، هوية، حجابي مرجعية، حسبه آخرون، ضرب لكرامة المرأة ودونية..، وكانت البليّة ! 
 
حجابي يا أخت الوطن، صرخة ضمير حي أفتى بأن المرأة كيان، لا يجب زجها في غيابات الظلم والتعسف والهوان، ولا قبرها خارج الزمان والمكان... في دهاليز البيوت المظلمة، والأركان المزعجة، بعيدا عن أحوال الأشخاص والشأن العام والخاص… حتى قيل، وما أتعس المقيل : "رحم الله عهدا كانت المرأة تخرج فيه مرتين، مرة عند التحاقها ببيت زوجها، ومرة عند لقاء ربها" !!!...
 
حجابي كان عصيانا مدنيا صامتا ضد حلقات جائرة وأقوال حائرة، ضد أيام هابطة وعادات ضاغطة، ضد حضارة منتكسة واجتهادات مفلسة، كرستها عقول ملوثة وعقليات جامدة، غاب فيها الفقهاء والعبّاد حينا، والساسة والقضاة أحيانا، وغابت فيها ذواتنا...
 
حجابي يا أمة الله عبادة، ولبسه جلادة، وحبه سعادة... سعى أصحابها لتخليق القول وتعبيد الفعل، حتى يلتقي الظاهر بالباطن، والمستور بالمنشور، وحتى تستوي النوايا والأفعال وتنقشع القشور...
 
حجابي كان قيمة زمن ضاع بين الاستكانة والاستعباد، والترهل ووالاستبداد !...ظننا السواد قد انتهى، والجور قد فنا، نبذنا الشيخ والمريد وحلمنا بالعهد الجديد، وإذا بالصواعق تزداد، والقصة تعاد، ويرتج البيت والأركان، وتمطر السماء حيّات وعقربان، وتنتهي أسطورة حقوق الإنسان !
 
*قالت : مهلا، مهلا يا فتاتي، ولكن في حجابك مباهاة وعدوان، حجابك نزوة شباب وسلوان، وهو لاستعبادك رمز وبرهان، ولخضوعك بطاقة وعنوان، فأين أنت كإنسان؟
 
*قلت : فما هي حقوق الإنسان؟ حقوقي يا سيدتي ليست في أكل وشرب وجفنة وفنجان، فمن كان همه في بطنه فقيمته هوان، ولكن حقوقي ككل إنسان، غرّبت ضفافه أو شرّقت للعيان : حرية وكرامة وميزان !
حجابي يا أختاه، وطن... أغار عليه حاضرنا في ساعة من نهار، دون إذن ولا استفسار، في غفلة عقل وغفوة نقل، بأيد صديقة أحيانا وعدوة أحيانا أخرى…وها أن بلدان الثورات الحقوقية، وأصحاب الدروس الإنسانية، قد أسقطوا القناع، ودخلوا في الصراع، وسلّوا سيف القانون، ورأوا الحجاب عدوانا وجنون..، ولم يبق غير الله ملجأ لحرية مسلوبة، وعقول معطوبة، وأفكار منكوبة، وظلم بوّاح، واعتداء وجور وصياح.
 
هذا خياري يا سيدتي وسأدافع عن حقك في الخيار... هذا مشوار حياتي فأين حق الجوار؟؟؟ هذه أوجاعي، أوجاع وطن جريح، هذه آهاتي، آهات فداء ذبيح.
 
لن نبكي يا ابنة الوطن ولن نخنع، لن نركع ولن نخلع، لن نطأطأ ولن نرقع. رغم الجور والعداء، رغم التعزير والبراء، رغم العنت والنصب والبلاء... لن نضع الحجاب، ولن نغلق الأبواب. لن نقبّل الأقدام، ولن نكون من العوام. سنرفع النواصي عالية، من فوق الأجسام البالية. سنظل وقوفْ، في أول الصفوف، في الطريق المخوف، رغم ألسنة السيوف، رفضا للمنكر وعونا للمعروف !
 
سأنادي من فوق ربوتي، من أعلى صومعتي، في صحن مسجدي من فوق مهدي ومن تحت لحدي... أننا ثابتات، أننا صامدات، أن الظلم ظلمات..، وأن الفجر مهما طالت ليلته، واشتدت عتمته، فهو قريب قريب، فطوبى لمن ثبت وهو في وطنه غريب، وأمر قومه عجيب، وعند ربه حبيب حبيب ! طوبى لمن ثبت وحياته كروب، وماله مسلوب، ودمه مطلوب، وجسده معطوب، وطريقه دروب...
 
قولوا ليوسف في بئره، وليونس في حوته، أن الفجر قد لاح، وانتهى الصياح..، أن البئر قد رُدِم، وأن الحوت قد سئم، وأن الرب قد علم..، وأن الأمر قد نزل، والبلاء قد عزل..،
 
سنرفعكم يا أيها الأزواج من وراء السياج، وسنحملكم ياأيها الرفاق، على القمم والأعناق... كنا الشقائق في الأطراح ونكون الشقائق في الأفراح، كنا لكم سندا ولأطفالكم مددا..، جاعت الذرية وعظمت البلية...
 
ما ساومنا وما غيرنا، ما ركعنا وما وليّنا، ما سكنّا وما اعتدينا..، ثبتنا وراء الأبواب وغاب الجواب وتمسكنا بالحجاب، وانتظرنا الأحباب.
 
هذه يا ابنة بلدي قصتي، وما أخالها قد انتهت، قصة عرس لم يكتمل، قصة رأي لم يُحتَمَل، قصة وطن قد ارتحل !!!
هذه المقامة مهداة إلى كل أخت وبنت وزوجة وأمّ، ممن أردن أن يعشن مواطنتهن كاملة بدون حيف أو نقصان، في البيت والشارع وفي قاعات الامتحان، ممن آمنّ بأن الحرية كل لا يتجزأ، وليست حكرا على السجان، ممن أوذين فصبرن واخترن حب الأوطان...

2007-06-21