كلمة حق نصدع بها في شأن المرأة...في انتظار الجواب! / د.خالد الطراولي


في الحقيقة مقالي هذا يطرح أسئلة واستفهامات ومحاولة قراءة حدث، أكثر من أنه يلامس المقال العادي بمنهجيته ودوافعه...أريد أن أفهم ماذا يقع للمحجبات في تونس...؟ سلسلة من الروايات والأحداث والقصص التي تقارب الأساطير تصلنا منذ مدة ولا يكاد يخلو منها موقع حقوقي أو سياسي تونسي معارض...أحداث تتوالى تباعا حتى أصبحت ظاهرة عجيبة غريبة، وانتفت عنها صورة الحادثة المعزولة والمرتبطة بمزاج شخص وقرار فرد... كل يوم وليلة تطرق مسامعنا وتنبه أبصارنا وترج قناعات البعض وتحرج البعض، أن هناك مشكلة في تونس اسمها الحجاب!
فإذا كان الأمر غير ذلك فالرجاء من أصحاب القرار في تونس أن يكذبوا هذه "المزاعم" جملة وتفصيلا مع توضيح عيني للمتحدَّث عنهن، وإذا كانت هناك مواقف معزولة، خاصة وأن الأنباء تورد أسماء الفاعلين والأزمنة والأمكنة، من مدارس ومدن وقرى وأسواق ومخافر شرطة، فليس على سلطة الإشراف إلا معاينة الحادثة عن قرب وإعلان معالجتها، وتوضيح أن تونس ليس لها مشكلة مع الحجاب وأن ما حدث يبقى محصورا في بعض الموظفين الشاذين، من المغالين أو من مرضى النفوس، وأن الأمر قد وقع معالجته!
إلى هنا تبقى الصورة شبه جميلة والأمل يبقى قائما، غير أن الصمت المتواصل من قبل السلطات، وتراكم الأحداث وتكررها من بقعة إلى أخرى، يجعلنا نكاد نميل إلى طرح هذه الدفعة الثانية من الاستفهامات الأكثر إزعاجا لنا ولغيرنا :
1 / هل هناك خطة مضبوطة ومنهجية معينة يسهر عليها فريق داخل السلطة بعلم الجميع أو دون علمهم، تسعى إلى إزعاج المحجبات وإيجاد حالة من الفزع والخوف لديهن حتى لا يشعرن بالأمان؟ هل هي محاولة لتطويق الظاهرة دون كثير من الجلبة الإعلامية حتى تعلم من تريد التحجب أن بابا من جهنم قد فتحته على نفسها وعلى أسرتها؟ هل هو رجوع إلى الوراء وعودة إلى صورة مقيتة شهدتها سنوات التسعينات مع خططها وتجاوزاتها، ولا نريد إيقاظ شيطانها؟
2 / لماذا هذا التعنت في ترك المنشور 108 قائما رغم لا دستوريته واعتبار أحد المحاكم بعدم قانونيته؟ فقد بقي هذا المنشور طيلة ثلاثة عقود كشبه عصا "قانونية" مرفوعة في وجه الأخوات المتحجبات، حتى إذا تهور أحدهم وسلك مسلكا غير مسئول في تعامله السيئ مع المحجبات، رفع يافطة القانون عاليا، فعمله مدعوم بمنشور وهو "لا يلعب" في التسلل خارج القانون!
3 / إن الصمت المطبق الذي تقابله هذه السلسلة من الأحداث لم يبق إعلاميا مقتصرا على الفضاء الرمزي التونسي، فلا تكاد تطرق المواقع الأجنبية والمنتديات العامة إلا ويجابهك هذا الكم الهائل المتعاطف مع ما تتعرض له المحجبات في تونس، بل أصبح الإطار التونسي جملة وتفصيلا عند البعض معاديا للحجاب وللإسلام! فهل كانت غاية هذه الأحداث ضد الحجاب والعاملين على إذكائها تشويه سمعة البلاد تجاه الإسلام عموما، إني أتسائل مع تواصل هذا الصمت المريب؟؟
4 / لقد كتبت منذ شهور مقالا حول "تونس والإسلام، الحقيقة المرة" ويبدو أنه لم يعجب أطرافا في السلطة، وكم تمنيت أن أكون مخطأ! فلا يُظَن أن دفاعانا، الأمس واليوم وغدا، عن الإسلام في تونس، أو عن المحجبات، هو من قبيل السياسة الضيقة، ولا حتى التدافع السياسي السليم، رغم الإقصاء والتهميش من السلطة ومن غيرها، فالشعيرة الإسلامية ملك أصحابها دون تحزب أو تسيس. وسنكون سعداء حين يكون للإسلام شعيرة وسلوكا، عبادة ومعاملة، كل الاحترام والتقدير في بلد كان من الأوائل في رفع هذه الراية منذ أكثر من 13 عشر قرنا مضت، فعقبة حي لم يمت والزيتونة لم تخر. فمتى يفهم ذلك ويستبين الطريق؟
لست أدري إن كان كلامي سيصل إلى أصحاب القرار في تونس في مستويات عليا، لأنه يتجاوز الإطارات الصغرى أو الوسطى لأهميته الكبيرة، ولكني أنتظر من داخل هذه الضفة نفسها تجاوبا مع حديثي من بعض أطرافها، لأني لازلت أؤمن أنها لا تحمل كل السواد، وأن هناك ولاشك أطرافا طيبة يزعجها ما يزعجنا، وترفض ما نرفض، وتريد ما نريد من احترام وتقدير للحجاب و من مكانة ورفعة للإسلام وأهله...
حديثنا هذا ليس افتراء على أحد أو تصعيدا في مواقف وممارسات، ليس فيه أدنى ذرة من سياسوية أو بحثا عن مقام، ولكنه نداء واستيضاح وتوضيح يندمج في منهجيتنا الثابتة في البحث عن الإصلاح القويم ما استطعنا إلى ذلك سبيلا في ظل مصالحة بين الضفاف على أساس احترام كرامة المواطن أولا.
 هي كلمات لعلها غير مرتبة، ولكنه حديث نابع من الأعماق يرجه هاجس يؤرق ولا يرحم.. حديث يريح ضميري ويخفف عني كمواطن عادي حر بعض وطأة المسؤولية تجاه الوطن وأهله وتجاه التاريخ، وهي كلمة حق لا بد منها تجاه أخوات طيبات طاهرات، مواطنات عاديات، لا يحملن أي عداوة تجاه الوطن، ولا حسابات سياسية في لعبة تتجاوزهن، وليس لهن إلا قطعة قماش طيبة ملقاة على أجسادهن الطاهرة، يرونها تلبية منهن لدعوة ربهن، وتأكيدا لحريتهن.

2008-11-25