وليّ في تونس يتبرك به المسلمون واليهود


 ليلى المازني
أبولبابة الانصاري أو سيدي « بولبابة » سيد مدينة قابس ووليها المبجل نظمت فيه العديد من الاشعار وشبه « بإمام بر وبحر في السخاء » يقع ضريحه على ربوة تشرف على مدينة قابس وقيل إنه يحرسها، وتتغنى الاناشيد الصوفية بكراماته وبركاته على المدينة وأهلها ويتبرك به المسلمون واليهود على حد السواء.
ولكن الغريب أنه لا يوجد أي سند تاريخي في ما كتب مؤرخو القرون الاسلامية الأولى لتؤكد أن جثة الصحابي مدفونة بمدينة قابس وصرحوا بأنه لم يدفن بافريقية صحابي غير أبي زمعة البلوي. إذ بجثته من يتبرك أهل قابس وهل أن ما يحفظونه عن ظهر قلب عن طريق التواتر لا يمت إلى الحقيقة التاريخية بصلة وإذا كان الامر غير ذلك لماذا أغفل للمؤرخون الاوائل مكان موت الصحابي وانكروا وجوده بقابس ثم ما الذي يدعو اليهود للتبرك به وهو الصحابي الجليل المسلم وأين الحقيقة من الخيال في كل هذا.

 من هول أبو لبابة
 اتفق أكثر من تعرض لسيرته بأن اسمه بشير بن عبد المنذر (...) بن عوف بن عمرو بن عوف بن الاوس ينتمي إلى قبيلة الاوس احدى أكبر القبائل العربية في المدينة المنور اسلم قبل الهجرة عند اجتماعه بالرسول عليه السلام مع مجموعة من أهل المدينة حين قدموا مكة وقيل اسلم ليلة العقبة كان من أبرز المناصرين للاسلام وكانت داره مفتوحة للمسلمين المهاجرين من مكة بأمر من النبي عليه السلام سماه الرسول نقيبا وشارك معه في جل الغزوات وحضر معه فتح مكة وحظي باحترام الرسول واكباره وكان يحيطه برعايته مما جلب إليه احترام المهاجرين والانصار وأكد المؤرخون أنه أخذ الكثير من الاحاديث عن الرسول وحدث بها ويبدو أن أبا لبابة الاوسي المدني قد عاش طيلة حياته سجين شعوره بعقدة الذنب نتيجة هفوة ارتكبها في حق دينه فنذر حياته للجهاد ولازمه ولم يدخل في تفاصيل الفتنة الكبرى التي حدثت أيام علي ومعاوية بعد موت عثمان بن عفان الخليفة الراشدي الثالث واتفق المؤرخون أنه مات سنة 40 للهجرة في خلافة علي بن ابي طالب كما اتفقوا على أنه زوج ابنته لبابة التي يكنى بها إلى زيد بن الخطاب شقيق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

 ذنبه وتوبته
 اختلف المؤرخون في تحديد ذنب الصحابي الذي التزم بموجبه سعيا حثيثا للطهارة من هذا الذنب بنذره للجهاد طيلة حياته وبتصدقه بثلث ماله تأكيدا لتوبته، وفي حين يذهب شقا منهم لترجيح أنه ارتكب هذا الذنب بتلخفه عن غزوة « تبوك » أو غزوة العسرة في السنة التاسعة للهجرة ولم يكن له عذر العاجزين، يؤكد الشق الآخر من المؤرخين أنه ارتكب الذنب حين أرسله الرسول إلى يهود بني قريضة الذين نقضوا عهده ليتفاوض معهم بطلبهم بعد أن طال حصار الرسول لمدينتهم وكان لأبي لبابة عقارات ومصالح فلاحية بأرضهم فضلا عن حلف يربطهم بقبيلة الاوس التي يعد أبو لبابة من وجهائها وحين قدم إليهم أسرع إليه اليهود متضرعين فأشفق عليهم وحين سألوه « أترى أن تنزل على حكم محمد » أجاب « نعم إنه الذبح » وأشار إلى عنقه ولكنه تفطن بعد ذلك إلى أنه خان ما وعد به الرسول وقيل أنه حين عاد ربط نفسه إلى عمود بالمسجد وأقسم أنه لن يبرح مكانه وسيمتنع عن الاكل والشرب حتى يتوب الله عليه ولما علم الرسول بالامر قال « أما أنه لو جاءني لاستغفرت له (..) وما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه » وفي الليلة السادسة أخبر الرسول أصحابه بأن الله قد تاب على أبي لبابة فأسرعوا لتبشيره بذلك وفك وثاقه لكنه رفض أن يطلقه أحد غير الرسول وحين خرج الرسول إلى صلاة الصبح أطلقه. ثم أراد الصحابي أن يتصدق بماله كله فقال له الرسول « أمسك عليك مالك ويكفيك من ذلك الثلث ».

 الاختلاف في مكان وفاته
 ولئن بدا واضحا أن هناك اجماعا على سنة وفاة أبي لبابة إلا أننا لا نجد ما يدل على وجوده بقابس إلا عند من أرخوا للقرن 7هـ وما بعده فالمؤرخون الاوائل لم يشيروا لا إلى مكان الوفاة ولا إلى سببها وتنكر مجموعة من المصادر موت أي صحابي بافريقية ما عدا أبي زمعة البلوي المدفون بالقيروان ويرى حسن حسني عبد الوهاب أن سبب هذا الاغفال يعود إلى غموض تاريخ هذه الفترة وأن « المؤرخين اقتصروا على ذكر الغزوات الكبيرة واهملوا ذكر السرايا التي كانت ترسل للاستكشاف والفتح وتصل إلى قابس ونفزاوة وقفصة والجريد وكان يموت منهم رجال يخفى أمرهم على المؤرخين » ومهما يكن من أمر فالاكيد أنه لا يوجد مصدر يرجع إليه في مكان موت هذا الصحابي غير ما يرويه أهل قابس من أن أبا لبابة مات شهيدا بوادي الغيران في احدى الغزوات وتبعد هذه المنطقة حوالي 20 كلم عن مدينة قابس وأنه دفن حيث ضريحه ويقع ضريحه على ربوة في الجنوب الغربي للمدينة ويذكر محمد المرزوقي في كتابه « قابس جنة الدنيا » أن ضريح الصحابي الجليل كان أيضا محل تبرك من قبل يهود قابس في فترة الستينيات على حد ما أخبره به جماعة من أهل قابس وذكر أنهم « يشاركون المسلمين في الزيارات التي يقومون بها إلى ضريح سيدي أبي لبابة إلا أنهم يمنعون من الوصول إلى التابوت الموضوع على القبر » ويدعي اليهود « أن أبا لبابة صديق لهم وللمسلمين معا » وهو ما يحيلنا على حادثة ارسال الرسول أبي لبابة ليهود بني قريضة وشفقته عليهم التي كلفته توبة نذر بموجبها حياته للجهاد ومات بعيدا عن دياره حتى خفي أمر استشهاده على المؤرخين الاوائل.
المصدر : جريدة الصباح 

2007-01-22