تجارة الموتى في تونس : آش يقول الميت قدام غاسلو؟


آمال الهلالي 
إذا كان الزواج مكلف جدا فيما مضى فقد سعى عامة الناس للتخفيض من كلفته الى الحدود الدنيا اليوم وربما اصبح لا يتكلف شيئا على بعضهم الذين لا يريدون اهدار مالهم.. لكن الامر يختلف أمام الموت اذ لابد للميت من كفن وغسل وقبر ونقل وفرق.. وهذه الاجراءات والعادات خلقت بطول الزمن محترفيها الذين ابتدأوا هواة ثم أصبحوا محترفين وها هم اليوم تجار بأتم معنى الكلمة..
تجارة الموتى هذه بلغت حدودا لم تعد تحتمل من الاستغلال سنسعى للكشف عنها في التحقيق التالي :

مباهاة ومساومة حتى في الاكفان..
يقول الحاج غزالي وهو من أقدم تجار لوازم الدفن في سوق سيدي محرز وقد تداول أجداده هذه المهنة « لقد حلل الله ورسوله هذه التجارة ونحن نراعي المسكين و« الزوالي » في اسعار الاكفان التي تتراوح اسعارها بين 35 و 70 دينارا وتختلف أثمانها حسب عدد القطع الموجودة داخل « الحرج » فهناك الكفن الشرعي ويحتوي على القطع الضرورية لدفن الميت كالقماش وبعض العطور اما « الحرج » الثاني وفيه كل اللوازم الضرورية والثانوية فيصل ثمنه احيانا الى 100 و150 دينارا عند بعض التجار ». سألته عن سر هذه الاسعار المشطة نوعا ما فقال محدثي : كاي قطاع هناك دائما دخلاء على المهنة الذين يدخلون بعقلية البيع والشراء ولا يراعون الله حتى في مثل هذه التجارة ذات البعد الانساني مستغلين الحالة النفسية لعائلة الميت فيرفعون الاسعار بهدف الربح السريع واستغلال الفرص. ويضيف الحاج غزالي كما ألقي باللوم على بعض العائلات التونسية التي اعطت الفرصة لهؤلاء المحتكرين للترفيع في الاسعار بغرض التباهي والتفاخر في افراحهم وحتى في مآتمهم » وفي هذا الصدد يروي الحاج غزالي واقعة لامرأة تغسل الموتى و« تسعر » على طريقتها ولا تقبل التخفيض عن 180 دينارا الا اذا كان الميت ينقصه احد اعضائه او ما يعرف « بالطوابق » وفي احد المرات لم ترض بالاجرة التي تتقاضاها مسبقا فتركت الميت دون غسل وراحت في حال سبيلها. ويقول الحاج حسونة وهو ايضا تاجر لوازم الدفن « لم تنقطع الرحمة من قلوبنا يا بنيتي فنحن نراعي المساكين ونتصدق بالاكفان للمحتاجين لكن هناك من التجار من ماتت ضمائرهم وصاروا يبيعون الاكفان كبيعهم للخضر ».
تلاوة القرآن على روح الميت « سوق ودلال » !
اكد لنا طاهر انه اضطر لجلب مقرئين اثر وفاة والده وبلغت كلفة الشخص الواحد الـ35 دينارا وقد قبلوا مراعاته في السعر والتخفيض فيه بعد ان كان بـ 40 دينارا بعد بيع وشراء ومناقشة حادة وتلوا بعض السور على مضض » اما رفيقة 33 سنة فتقول في ذات السياق لقد فقدت النية حتى في قراءة القرآن وباتت المادة والمال يسيطران على العقول والنفوس حتى اضحت مواكب الدفن فريسة يترصدها اصحاب النفوس الضعيفة لجمع المال مستغلين الوضع المأساوي لعائلة الميت لاسيما اذا كانوا من الطبقات الثرية » وتواصل محدثتي قولها « لقد حضرت بنفسي احد مواكب العزاء ودهشت من المرأة المغسلة التي طلبت 150 دينارا تدفع لها مسبقا اما المقرئين فحدث ولا حرج فقد قدموا وطلبوا العشاء. وبعدما تناولوه اعربوا عن عدم رضاهم عن الكسكسي « اللي موش بنين ».

« أغزر للوجوه وفرق اللحم »
السيد علي بن رمضان مؤذن ومقرئ بأحد جوامع العاصمة يرى أن الدخلاء على ميدان تلاوة القرآن الكريم صاروا اشبه بالمرتزقة الذي يحفظون سورتين او ثلاث و يجمعون انفسهم مترصدين مواكب الدفن في المنازل والمقابر عاملين بالمثل القائل « اغزر للوجوه وفرق اللحم » فاذا بدت علامات الوجاهة والثراء على منزل اهل الميت فانهم يرفعون في تسعيرة القراءة لتصل الى 50 دينارا للشخص الواحد ويؤكد محدثي ان احد المقرئين الذائع الصيت والمعروف بتلاوته الجيدة للقرآن وصوته الجهوري يشترط مبلغ 400 دينار صحبة 5 اشخاص ويسلم كل شخص منهم مبلغ 15 دينارا والبقية في « مكتوبو » ويبدي محدثنا علي استنكاره لمثل هذه السلوكات التي لا ترضي الشرع والعباد وقد ساهمت بعض العائلات التونسية في زرع هذه العادات السيئة في مآتمنا بجلبهم حشودا من المقرئين والقيام بالذبائح والمآدب و« الفرق » الاول والثاني والاربعين. وقد حضر محدثي احد المآتم حيث طبخت الملوخية والطاجين ووزعت المشروبات وقدمت النساء لتقديم العزاء بكامل زينتهن وبعضهن اتين للتو من عند الحلاقة.

رأي الدين في تجارة الموت
يقول الشيخ رياض الفرشيشي امام خمس بجامع صاحب الطابع « ان الرسول (ص) أباح تجارة لوازم الدفن والميت لأنها أرزاق تساق للعباد لكن دون استغلال او احتكار وقد تبرأ الدين الاسلامي الحنيف من تلاوة القرآن الكريم بأجر محدد او مساومة وبيع وشراء لانها صدقة على روح الميت » ويؤكد محدثي انه يكفي شراء قماش ابيض من نوع « عمبرقيز » وبعض العطورات ومواد التنظيف ولا يتجاوز سعر كل هذا الـ 20 دينارا اما قراءة القرآن على روح الميت فيكفي أن تتلى سورة ياسين على لسان احد اقرباء او جيران الميت وغير ذلك فهو من باب التفاخر والتباهي والتبذير ويرى الشيخ رياض اننا في تونس صرنا نفتقر لمقرئين حقيقيين واقل « كاشي » يتقاضاه المقرئ 10 أو 15 دينارا ومن الامور الشائعة في أسرنا التونسية انه يتم جلب المقرئين بين المغرب والعشاء حتى يتباهي اهل الميت امام الجيران بالحشد الكبير من الشيوخ زد على ذلك مظاهر توزيع المأكولات والحلويات والبقلاوة و« القاطو » وكأننا في فرح لا عزاء رغم أنه من المستحب جمع كل هذه الاموال وتقديمها كصدقة جارية على روح الميت خير له في آخرته.

سؤال حائر
لقد كشف لنا هذا التحقيق تجاوزات عدة بعضها سببه جشع البعض وحبهم للاستغلال وبعضها الآخر مرجعه تباهي أهل الميّت أو انهزامهم أمام الموت فيقولون : « ذهب الغالي فما بالك بوسخ دار الدنيا ».
في المقابل نجد أن بلدية الحاضرة حاولت تقنين هذه المسألة بأن ضبطت تسعيرات في حدود تعاملها وهو ما كشف بونا شاسعا بين ما هو معروض وما هو معمول به.. والسؤال المطروح لماذا لا تولي سلط الاشراف اهتماما خاصا بهذه « التجارة » وتقننها اكثر وتنظم التعامل معها بما يقلل من الاستغلال الفاحش.

بين كفن ..وآخر
الكفن الشرعي يقدر ثمنه بـ 35 دينارا ويحتوي على قطعة من القماش الابيض والقطن والعطور والزهر.
أما الكفن الرفيع غيتراوح سعره بين 70 و100 دينار ويحتوي على القباقب والسترة و« الفوط » و« الحلالب » والقماش والقطن والعطور والزهر وعود القرنفل وشوش الورد واللوبان والطفل والابرة والخيط ويوضع في « كنسترو ». مع العلم أن حرج المرأة يختلف عن الرجل بإضافة الحناء و« الفولارة » وطبعا يكون سعر « حرج » المرأة أرفع من الرجل.
محافظ المقابر الاسلامية ببلدية تونس :
أسعار المقرئين والقبور واليد العاملة تخضع للتعريفة القانونية المعمول بها وما خالف ذلك فهو تجاوز شخصي.. !
اتصلنا بمحافظ المقابر الاسلامية ببلدية تونس السيد عبد الوهاب بن يونس لمعرفة تفاصيل اكثر حول اسعار مواكب الدفن بكل مراحلها فأكد لنا ان كل الاسعار المقترحة مصادق عليها قانونيا من سلطات الاشراف وقد حددت كالآتي :
يتقاضى شيخ القراء 10 دنانير وبقية المقرئين 8 دنانير للفرد الواحد وحدد معلوم الغاسل بـ 12 دينارا والصباب بـ 8 دنانير والقائم بعملية إخاطة الكفن بـ 8 دنانير أما خوجة فرق فحددت أجرته بـ 8 دنانير و500 مليم.
وفيما يتعلق بعملية حفر وبناء القبور فقد حددت بمبلغ 45 دينارا للقبر الجديد والذي يتجاوز سن الميت فيه الـ 7 سنوات اما ما تحت هذه السن فيقدر ثمنه بـ 23 دينارا وفيما يتعلق بعملية إعادة فتح وبناء القبور القديمة فقد حددت تعريفته بـ 12 دينارا لميت لم يتجاوز عمره الـ 7 سنوات ومازاد عن ذلك فيقدر ثمنه بـ 23 دينارا ويشير محدثي أن هناك من اهل الميت من يضيف بعض الاكسسوارات على القبر كالرخام الذي يتراوح ثمن بنائه بين 10 و25 دينارا وبناء الكرسي لجلوس عائلة الميت حذو قبره وكلفته 15 دينارا (مع العلم ان هذا الكرسي غير مرخص فيه).
وفيما يتعلق بمسألة نقل الميت فقد حددت التسعيرة بـ 17 دينارا كأجرة سيارات نقل الموتى وهناك من يقوم بكراء حافلة لنقل الميت واهله وقد حددت تعريفتها من طرف شركة نقل تونس وتتراوح الاسعار بين 12.5 و 53 د للذهاب او الرجوع وبين 25 دينارا و106 دنانير للذهاب والرجوع. وتتضمن هذه الاسعار الاداء على القيمة المضافة.
ويؤكد عبد الوهاب بن يونس ان هذه الاسعار معمول بها قانونيا وتسعى إدارة المقابر الاسلامية لتطبيقها واذا كانت هناك تجاوزات من بعض المقاولين او المقرئين فهي تجاوزات شخصية يتحمل أهل الميت جزءا منها.
أجور خيالية لغسل الموتى... !
لم تخف السيدة م. الباي تعجبها واستغرابها من الاسعار المشطة التي يطلبها مغسلو الموتى فقد قامت بنفسها بتسليم احدى المغسلات مبلغ 120 دينارا بعد أن قامت بغسل والدتها ولم تستطع محدثتي أن ترفض هذا السعر لانها كانت مضطرة لغسل والدتها حتى يتمكن الاهل من دفنها ويتدخل زوجها في الحديث ليعلمنا ان رحلة الدفع لم تقف عند هذا الحد حيث طالب حفار قبور بالجلاز مبلغا ماليا قدر بـ 150 دينارا لاعداد القبر . اما السيد عادل فقد تعرض بدوره لهذا النوع من الابتزاز فبعد ان توفي صهره تكفل بجميع مصاريف الدفن وقد دفع للغاسل مبلغ 100 دينار بعد أن اصر هذا الاخير على عدم التنازل على ما دون هذا الاجر بدعوى انه تعب كثيرا في غسل الجثة.
ثم قام محدثي بدفع مبلغ 150 دينارا لحفر القبر في احواز العاصمة واضاف مبلغ 70 دينارا لبنائه ورغم محاولاته المتكررة للتخفيض في الكلفة الا انه وكما يقال بالعامية « آش يقول الميت قدام غاسلو » ويواصل محدثي سرد رحلته مع المصاريف حيث اعطى مبلغ 50 دينارا اجور المقرئين الذين غادروا المكان بعد أن اكلوا وشربوا وقرأوا ما تيسر من السور ولم يعجبهم كثيرا المبلغ الزهيد الذي قبضوه وختم صاحبنا بمبلغ 50 دينارا أخرى أجرة المقرئين في المقبرة عند دفن صهره المتوفي لتتجاوز الكلفة الجملية لمراسم الدفن الـ 400 دينار دون احتساب بقية المصاريف الاخرى
(المصدر : جريدة "الصباح الأسبوعي)

2007-06-22