المرأة التونسية والتدخين حقائق مفزعة


المرأة.. والتدخين : هل هو تعبير عـن الـذات ورفض للمألوف.. أم انسجام مع تحولات المجتمـع؟
ترتفع سنويا نسبة التدخين في صفوف النساء عالميا، وحسب عديد الدراسات فان الاخطار الناجمة عن هاته الظاهرة في تزايد خطير ليس فقط على صحة المرأة بل وكذلك على محيطها وعائلتها.
وقد اخذت هذه الظاهرة صبغة اجتماعية منذ بروزها في المجتمع التونسي خصوصا بعد ان عرفت وضعية المرأة تحولات كبيرة انطلقت بخروجها للعمل وبحصولها على حقوق تجعلها في مرتبة الشريك مع الرجل من خلال الدور الذي تلعبه على كل المستويات.ويرى البعض ان التدخين لدى النساء من التصرفات السلبية التي تؤثر على حياة المرأة وعلى صورتها في المجتمع ويربطها كظاهرة اجتماعية بالقيم السائدة.

شهـادات :  بيـن القناعة الذاتية..والتصرف السليـم.. والخلفية الأخلاقية والمضار الصحيـة
 في لقائنا مع بعض المدخنات اختلفت الاراء وتنوعت وعكست الاجابات طبيعة محيط المدخنات فتقول وردة (29 سنة موظفة) « التدخين بالنسبة لي ليس بالظاهرة الاجتماعية بقدر ما هو قناعة، فقد كانت اول سيجارة تناولتها في سن 19 حين اردت تقليد والدتي، وبعد ذلك اصبح جزءا من شخصيتي » وتقول منى (37 سنة استاذة) « ليس عيبا ان نرى في المجتمع امرأة تدخن سواءا في مقهى او في سيارتها ولكن في الطريق العام سيصبح الامر مغايرا نظرا للاحراج الذي يسببه لي الاخرون من المضايقات ».
اما سعدية (48 سنة عاملة تنظيف) تؤكد « ان التدخين مرض اذا ما اصاب احد فهو يفتك به، ومن الصعب الانقطاع عنه » وتشير الى السيجارة التي تشعل بين اصابعها « منذ ما يزيد عن 20 سنة ادخن ولم يسبب لي ذلك احراجا في العائلة بقدر ما يضر صحتي ».
وافادت جيهان (طالبة 23 سنة) بأن التدخين لدى المرأة يصبح جزءا من سلوكها اليومي تضيفه الى وضع المساحيق لتتجمل، فحسب رأيها « حينما ادخن سيجارتي ارى اضافة لانوثتي وشخصيتي ».
أما حياة السعدي (أستاذة جامعية 45 سنة) تقول بأن التدخين لا يمكن اعتباره ظاهرة غير مألوفة فقد تعودنا على رؤية المرأة تدخن ولم يعد بالامر الغريب او العجيب ولكن ربما البعض الذي تربى في وسط منغلق يلاحظ ان التدخين يرتبط بالاخلاق والقيم لكن المظاهر خداعة... ».

نظرة المجتمع للمرأة المدخنة
تساءلنا حول نظرة المجتمع للمرأة المدخنة بمختلف الشرائح التي تنتمي اليها فاختلفت الاجابات حول التدخين لدى النساء ليس من مبدإ المخاطر الصحية بل كان ينبع من خلفية اخلاقية فيقول نبيل (طالب 25 سنة) بأنه « يرفض المرأة المدخنة حتى في المعاملات البسيطة » اذ يراها في مستوى اخلاقي غير لائق معللا ذلك (حسب زعمه) بأن التدخين خطر على الرجال وحينما تحاول المرأة محاكاة الرجال في كل شيء فهي تخرج عن صفة الاثنى الى صفة اخرى مضيفا « بأن التدخين هو وسيلة للهروب من الواقع ومرتبط بالمصاعب والمتاعب الحياتية وفي نفس الوقت الرغبة في ابراز الذات من خلال التدخين ».
في حين ترى خولة (28 سنة استاذة) بأن مشهد امرأة وهي تدخن يثير شيئا من الفضول وهو اختيار شخصي ولا يمكن اصدار حكم من خلال ظواهر خارجية قد لا تمت للحقيقة بصلة » وتعقب ملاك بقولها « حرية التصرف هي التي تقود الفرد الى اختيارات يكون مسؤول عنها » وحسب نظرها فهي ظاهرة قد تحكم على صاحبتها بمقولة « قلة التربية » او « مش بنت عائلة » و« لكن الامر يعود في الاول والاخير للمرأة في حد ذاتها ».
اما نور سعيد (32 سنة موظفة في شركة اتصالات) فتشير الى ان « التدخين بالنسبة للمرأة هو من المظاهر التي لا يتسامح المجتمع معها وهي شخصيا لا تفضل هذه الظاهرة خصوصا لدى النساء وتضيف بأن نظرة المجتمع ترفضها ».
اما حسين (35 سنة استاذ) فيرى « بأن التدخين ظاهرة وليس معايير قيم يمكن من خلالها محاكمة المرأة، فيمكن لامرأة مدخنة ان تتحلى بأنبل صفات الادب والاخلاق ويمكن لاخرى غير مدخنة ان توصف بصفات سلبية تخترق القيم والنواميس داخل المجتمع ».
 
الموقـف الطبي :  السيجارة سبب مباشر لأمراض السرطان
 حول المخاطر الصحية للتدخين اتصلنا بالطبيبة هاجر راسيل الراجحي بمستشفى عبد الرحمان مامي بأريانة التي حددت لنا مضار التدخين والتي يمكن تحديدها لدى المرأة المدخنة بعد حوالي 20 سنة الى جانب انه السبب المباشر لسرطان الرئة وسرطان الرحم كما ذكرت الطبيبة بأن المخاطر التي تهدد المرأة المدخنة متعددة واهمها ما يداهم المرأة في سن مبكرة وهو ترهل الجلد ثم الاصابة بسرطان الجلد كذلك.
ومن التأثيرات السلبية على الصحة الانجابية فان التدخين يهدد عامل الخصوبة لدى المرأة حيث يحدث اضطرابا على مستوى الحمل والولادة وما يتسبب في حالات الولادة المبكرة الى جانب التأثيرات الخطيرة على صحة الجنين وقد يتسبب في حالات اعاقة وتتعدد المخاطر المنجرة عن التدخين لدى المرأة ليس فقط على صحتها بل كذلك على صحة اطفالها هذا الى جانب ان هناك عديد الامراض التي تبين الدراسات اذا ما تواصل ارتفاع نسب النساء المدخنات فان تطورها سيكون بصورة مثيرة جدا نظرا لتسارع تطورها وهو ما يحصل في الولايات المتحدة الامريكية حيث تكثر نسبة النساء المدخنات مما يجعل السرطان فيها يهم النساء اكثر من الرجال.
وما تجدر الاشارة اليه ان العلامات الاولى للاخطار الناجمة عن التدخين هي قصور التنفس ومشاكل عسر الهضم الى جانب الامراض التي تسبب في نوبات قلبية وفي اجابة عن تأثيرات التدخين السلبي تؤكد الاخصائية بأن المرأة المدخنة تؤثر على محيطها خاصة اذا ما تواجد به اطفال او مراهقين، فقد اثبتت التجربة بأن المحيط يكون فيه الوالدان مدخنان بالضرورة سيكون الطفل مدخنا وخصوصا الام نظرا لتواجدها اكثر وقربها منه.
وتنصح الدكتورة النساء المدخنات بضرورة المتابعة الطبية فور ظهور علامات بسيطة لاثار التدخين لان المخلفات الحقيقية لا تظهر الا بعد فترة طويلة وقد لا يمكن انقاذها في وقت متأخر.
 
 السيجارة مرتبطة في الذاكرة الجماعية بالذكورة : تناقض العقلية بين التدخين في الفضاء العام وفي الفضاء الخاص
 التقت « الصباح » باخصائي علم الاجتماع محمود الذوادي ليفسر لنا الكوامن وراء التفسير الاجتماعي العيني على احكام مسبقة حول المرأة المدخنة.
في البداية انطلق محدثنا من نقطة تواجد المرأة في الفضاء العام، والذي تبين ان المجتمع التونسي ورغم التحولات التي عرفها الا انه ظل يرفض تواجد المرأة ندا للرجل في معظم مجالاته..
ويتجلى ذلك ليس فقط في مسألة التدخين من خلال مسك السيجارة بل في رمزية ذلك فالسيجارة في فترة معينة ارتبطت في الذاكرة بمسألة الذكورة، فقد ساد هذا المفهوم الى زمن غير بعيد رغم ان هذا المفهوم لا يمت الى الطب بصلة بل على عكس ذلك فان التدخين يفقد مستوى الخصوبة لدى الرجل اكثر منه لدى المرأة.
ولكن العقلية التونسية ظلت ترزح تحت ما تحدد من قيم ومثل لم تشهد التحولات الاجتماعية او الاقتصادية ولا حتى التشريعية التي عرفتها المجتمعات.
واكثر من ذلك، فان التدخين لدى المرأة يمكن ان يثير مشكل تواجدها في الاماكن العامة، وهنا يمكن تحديد مفهوم الفضاء العام حديثا، فقد ساد نوع من التغير عن نظرة تواجد المرأة في الفضاء العام، ولكن يظل تواجدها فيه محل اخذ ورد ويمكن ملاحظة ذلك في داخل المدن التونسية وفي الارياف التي ظلت الى يومنا هذا ترفض تواجد المرأة في هذه الاماكن.
 
الفضاء الخاص : تحديد لحريات المرأة
وفيما يخص تواجد المرأة في الفضاء الخاص وحرية ممارساتها فيه، فمن الغريب وجود بعض التناقض فان تدخن المرأة في الفضاء الخاص قد يكون مقبولا، ولكن ان تدخن في الفضاء العام فهو امر مرفوض فالعقلية المبنية على التفرقة بين الرجل والمرأة، ترى في تواجد المرأة في الاماكن الخاصة تأدية لدورها الطبيعي، بذلك فهي لم تحاول التشبه بدور الرجل او تقليده فيمكن السماح لها او عدم الحكم عليها من خلال تدخين سيجارة رغم التحولات العميقة التي عاشتها من حقوق تحصلت عليها وحريات ناضلت من اجلها.
فتواجد المرأة في الفضاء الخاص يلغي عنها التشبه بالذكورية نظرا لطبيعة المجتمع.
وحول تاريخ ظاهرة التدخين لدى المرأة بين لنا الاخصائي ان السيجارة هي امتداد للنفة في الارياف والقرى واول ظهور للسيجارة كان في المدن الكبرى وخاصة لدى نساء المستعمر، ثم انطلقت كظاهرة لدى النساء « البلدية » ولكن لم تخرج هذه الظاهرة من الفضاء الخاص المنزل، اللقاءات النسائية ولكن في ايامنا هذه اصبح التدخين لدى المرأة غير مقتصر في الاماكن الخاصة (المغلقة) بل في كل الفضاءات.
وظل هذا الرفض لهذا التصرف من المرأة يرتبط بالاخلاق والعادات والقيم التي عرفها المجتمع في فترة ما ولكن التساؤل الذي يبقى مطروحا هل ستتطور نظرة المجتمع لتواجد المرأة في الفضاءات العامة؟

رفض تاء التأنيث
ومن المفارقات الطريفة في المجتمع التونسي رغم التطورات المختلفة التي عرفها وخصوصا على مستوى خروج المرأة للعمل جنبا لجنب مع الرجل الا ان هناك بعض المناطق للبلاد التونسية ترفض تاء التأنيث في كل ما يتواجد لدى ابنائها خارج اطار المنزل.
 
 السيجـارة من أسهـل الطـــرق لاختــــراق السائـــد
 بحثنا في الاسباب النفسية لظاهرة التدخين لدى النساء واتصلنا بالاخصائي النفسي الدكتور حسام لويز الذي كشف لنا عن اسباب التدخين وهي تختلف باختلاف الاشخاص حسب مستواهم الفكري والاجتماعي الى جانب الاختلافات العمرية. بين هذا الاخصائي ان المراهقات اكثر نسبة من المدخنات وذلك من خلال الاختلاط بالوسط المدرسي كل ذلك من اجل الظهور امام زميلاتهن باعتبار ان الدافع هو الرغبة في اثبات الشخصية وكأن السيجارة وسيلة لذلك كما ان الفتاة تختار التدخين في فترة من عمرها لنفي صفة « الضعف » عن الجنس اللطيف وقد اثبتت الدراسات النفسية والاجتماعية ان التدخين في العادة ينطلق في فترة المراهقة التي تتميز بالثورة والرفض للواقع بكل اشكاله وتعزيز تصورات المراهق فهو يبحث عن السبل الكفيلة بهدم الاسوار او العوائق التي تكبل شخصيته حسب رأيه، والسيجارة تعتبر من اسهل الطرق لاختراق السائد وخاصة انه الفيصل بالنسبة للفتاة باعتبارها انثى بسيطة وضعيفة في ان الرجل قوي وناضج، متعدد الاختيارات.. وكأنه رفض لاواع للانتماء الجنسي للفتاة.
واثبتت بعض الدراسات النفسية ان الفتاة المدخنة يكون والدها في الغالب مدخنا. وحول المقولة المتكررة« لا استطيع ان انقطع عن التدخين » يفسرها الدكتور حسام بسببين رئيسيين :
الاول يتصل بالناحية البيولوجية، فمن مكونات السيجارة النيكوتين وهو مادة كيميائية تتعود عليها خلايا المخ وبذلك يصبح في حاجة متزايدة اليها مما يسبب الادمان، وتوفر له راحة بيولوجية للمدخن تساعده على التركيز وتحسين قدرة الذاكرة وتلعب دور المهدئ من خلال مرورها عبر خلايا تتقبل باستمرار للنيكوتين ويصبح الفرد بذلك مدمنا.
اما السبب الثاني فهو بيولوجي وسيكولوجي فالى جانب الحاجة البيولوجية للنيكوتين هناك الحاجة النفسية اي استئناف الفرد للسيجارة وما تفعله مما تخيل لدى المدخن استحالة الانقطاع عنها وهو ما يسمى بالادمان البيولوجي والذي يحتاج الى اعانة طبية نفسية من اجل الاقلاع عن التدخين.
ويضيف الدكتور لويز ان علم النفس حينما يحدد النقاط التي يرتكز عليها التدخين داخل جسم الانسان ليس بالضرورة تبيان لمحاسن التدخين، فالى جانب مادة النيكوتين هناك مواد اخرى في السيجارة تؤثر سلبا على صحة الفرد.
المصدر الصباح

2007-06-22