السحر والشعوذة في تونس : مجتمع يبحث عن ملاذ

 

يمارسون الشعوذة باستعمال القرآن
الحبيب وذان
عراف، منجمّ، دجال، ساحر، مشعوذ، وجوه متعددة لعملة واحدة، واكبت مسار التحضّر والتطور الانساني والعلمي فأطلق عليها ممتهنوها مصطلح حكيم روحاني، واستغلوا تقنيات متعددة لفن الخطابة والاتصال والتسويق، وتمكنوا من اقناع الناس أو تشويش افكارهم وفي حالات كثيرة تشويه معتقداتهم. هذه الخزعبلات التي يمارسها اكثر من مائة وخمسة واربعين الف شخص في تونس بشهادة أهل المهنة تحت ستار القرآن للاسف تجد من يصدقهاويؤمن بجدواها ليس فقط من عموم الناس بل يحتشد حولها عدد من المثقفين والمسؤولين والاعلاميين. « الاسبوعي » تفتح في هذا العدد ملف الشعوذة تحت ستار القرآن في تونس تتابعون تفاصيله في التحقيق التالي.
يكتبون بعصير القارص والصمق الأبيض على الورق ثم يدّعون أن الجان خاطبهم
145 ألف مشعوذ في تونس أي بمعدل مشعوذ لأقلّ من 100 ساكن
عراّفون يطالبون بمناظرات كفاءة لمن يريد أن يمتهن الدجل

حكيم !
حكايات غريبة وعجيبة تلك التي يطالعنا بها محترفو الدجل الذين كتبوا على لافتات محلاتهم « حكيم روحاني » هذه الصفة أي « حكيم » التي كانت الى وقت غير بعيد تتخذ معناها الاصلي ولا تقبل أن توضع في موضع لا يليق بها، كيف لا؟ وهي من « الحكمة » التي ذكرها الله سبحانه في كتابه المبين اذ يقول جل جلاله « يوتي الحكمة من يشاء ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر » الا أولوا الالباب.. البقرة الاية 268
حكايات غريبة وعجيبة تلك التي تطالعنا كل صباح على اعمدة الصحف، هذه الصحف التي تورد على اعمدتها صورة « آدمي » وترفقها بمقال اشهاري « يوقف المخ » كيف لا وانت تشاهد صورة « آدمي » من ابناء جنسك يتحدث عن بطولاته في حروب فاز فيها على الجن والشيطان وكيد الساحر... فهذا عذّب الجن وارغمه على مغادرة جسد طفل في الثامنة من عمره، وذلك حارب عصابة من الجان هدفها اختطاف فتاة في الثامنة عشرة من العمر،وحرر جسدها من شرورهم وامضى مع زعيمهم معاهدة سلام تقضي باستقلال هذا الجسد من الجن وتضمن عدم عودتهم اليه. وتلك ازالت السحر واعادت الزوج الى احضان زوجته في قاعة المحكمة قبيل لحظات فقط من اصدار الحكم بالطلاق، وهذا غيّر مسار الاحداث في حياة انسان أو اناس، وآخر بدعة في عالم الشعوذة هي فحص الحرفاء عن بعد باستعمال الارساليات القصيرة SMS والرسائـــل الالكترونيــــــــة E mail، والخزعبلات كثيرة في هذا المجال. وما يثير الاستغراب انها تجد لها جمهورا من كبار المثقفين والمسؤولين وعامة الناس على حد سواء، وهو ما اكده العراف او كما يريد ان يصف نفسه « الحكيم الروحاني » م ـ ع ـ ج الذي قال : « اكبر نسبة من حرفائي هم مسؤولون كبار في مختلف السلط واساتذة جامعيين واطباء واعلاميين ومن مشاهير المثقفين والمبدعين... » واضاف « هذه الفئة من الحرفاء وقصد ابعاد الشبهات عنها تتظاهر في « التراكن » بانها لاتصدق ما يأتيه اصحاب العيادات القرآنية والحكماء الروحانيين مثلي لكنهم اكثر الحرفاء مواظبة على زيارتي، وعندما تعنّ لهم زيارتي يطلبون مني اخلاء العيادة من باقي الحرفاءحتى لا ينكشف أمر اعتمادهم على « الحكمة الروحانية » في تسيير شؤونهم الشخصية وفي حالات كثيرة شؤون ادارية في مهنهم ! »
ولست اعلم إن كان ممتهنو العرافة يبالغون في وصف حرفائهم بانهم من وجهاء البلاد الا ان عددا كبيرا منهم اكد ما ذهب اليه محدثنا على غرار العراف (م ـ س) و(م ـ ع ـ هـ) الذي اراد ان تكون حججه من الواقع اذ وصف حريفا كان في مكتبه لدى زيارتي بانه احد رجال السياسة لكن للاسف لم اتمكن من التعرف عليه اذ غادر العيادة حال وصولي. وحال علمه انني صحفي استاء العراف كثيرا وزعم انني كنت سببا في افساد صفقة كان بصدد ابرامها مع رجل وصفه بمسؤول كبير، لكنه ورغم الاستياء قبل اجراء حديث معه حول مهنة العرافة، وبسؤاله عن بعض الخصوصيات كالجدوى من استعمال البخور وبعض التوابل وعديد الاشياء الأخرى التي توحي بطقوس من الشعوذة في الوقت الذي قال فيه انه يعتمد القرآن في مداواة الناس، ثارت ثائرته وهاجم الاعلام التونسي قائلا : « انتم اهل الاعلام في تونس تعتبرون انفسكم رسلا لاصلاح وتنوير عقول الناس، لكنكم تعمدون الى تجهيل الناس بل ترسيخ قيم الجهل في المجتمع بمحاولاتكم الفاشلة اقناع الناس واثنائهم عن زيارة عياداتنا... انظروا نظراءكم في المشرق العربي كيف يخصصون مساحات اعلامية هامة في الفضائيات للاحتفاء باصحاب الكرامات مثلنا... !!! أما انتم فتسعوا جاهدين الى قطع ارزاق الناس؟ ! ».
دعوة
التغطية الاعلامية الكاملة لشعوذتهم وبطولاتهم في الايقاع بالجن والحديث اليه وازالة السحر بجلود الزواحف مثل السحلية (ام البويا) وكتابة أو تلاوة آيات من القرآن على البخور وجلود الزواحف وتكريمهم بمنحهم مساحات اعلامية في الصحف والمجلات والاذاعة والتلفزة، كلها مطالب ومؤاخذات وانتقادات ابداها عدد من المشعوذين اذ قال العراف أو كما يسمي نفسه « صاحب الكرامة والمعالج الروحاني بالقرآن » م ـ س « امنيتي أن اكون ضيفا في احدى القنوات التونسية حتى اقدم للجماهير حجة دامغة على قدراتي في اخراج الجان من اجسام الناس وأردّ على جميع الاسئلة التي يثيرها اصحاب النفوس المتزعزع إيمانها واقدم لهم حججا من القرآن ومن الواقع ». ذات المطلب نادى به العراف م ـ ع ـ ج الذي قال « لو تتاح لي فرصة الالتقاء بالمشاهدين على احدى الفضائيات التونسية، ساكشف الكثير من الخزعبلات والحيل التي يأتيها المشعوذون لاقناع حرفائهم بقدراتهم الخارقة » ومن بين الحيل التي يعمد المشعوذون الى استعمالها ذكر لنا محدثنا « كتابة آيات من القرآن الكريم التي تحمل معاني السحر والوعيد والتعذيب كما يكتب العراف اسم الحريف الذي سجلته السكريتيرة عن طريق الهاتف عند تحديد موعد الزيارة أو لدى استقبالها الحرفاء في العيادة، وعندما يحين دوره في الدخول يستعد المشعوذ ويخرج الورقة الخاصة بهذا الحريف وتكون بيضاء لا شيء يشوبها وبعد ان « يبخرلها » و« يسخنها » على الكانون تظهر عليها كتابة فيوهم المشعوذ حريفه انه تمكن من ازالة السحر الذي ينغص حياته. وفي حقيقة الامر فإن تلك الكتابة ماهي الا كتابة بعصيرالقارص أو « الصمق الابيض » أو حبر مائي يباع في المكتبات، تظهر الوانه نتيجة تعرضه لمصادر الحرارة »
دليل
هذه الصورة أو كما وصفها العراف م ـ ع ـ ج بـ « الخزعبلات » جاءت لتؤكد ممارسة الشعوذة تحت ستار القرآن، واكد محدثنا ان المدواة بالقرآن لا تفترض طقوسا من الشعوذة كاستعمال البخور وجلود أو هياكل الزواحف ولا تفترض لباس الجبة والعمامة واحضار البندير واشتراط احضار « سردوك اسود » أو « علوش » وقال : « وجب ان يتفطن الناس الى أن المداواة بالقرآن لا تتعدى مجرد تلاوة آيات بينات من القرآن الحكيم على المريض فيتماثل للشفاء باذن الله شرط التزامه باداء صلاته في اوقاتها وتلاوة القرآن « انّاء الليل واطراف النهار » لان اصحاب الايمان القوي والمتحصنين بالذكر الحكيم لا يصيبهم شيء من فعل السحر والجن اسوة بقوله تعالى « الا بذكر الله تطمئن القلوب » وعملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من امة تلأت القرآن الا وحفتها الملائكة ونزلت عليها السكينة ».
« حرفاؤنا هم من اصيبوا باليأس.. « شادين في شعرة » وهم في حاجة الى كل من يزرع في نفوسهم بصيص أمل في الشفاء أو التغير الى الافضل.. هذا ما أجمع عليه أهل العرافة الذين تحدثنا إليهم.. وفي نظرنا فإن هذا اليأس وتعطش الناس الى بلوغ سبل الأمل في الشفاء او التحول الى الافضل هو ما يفسر ارتفاع « فازيتة » دكاترة الشعوذة !؟ حيث يصل معلوم التسجيل لديهم الى ما يفوق الثلاثين دينارا أما مباشرة الحالة واجراء « الكشف » كما يسميه أهل هذه المهنة فيتطلب دفع مئات الدنانير وأما عن مصاريف العلاج فلا تسل فمع كل زيارة يتغير المبلغ المطلوب سواء بالزيادة أو النقصان وقد تمتد أو تتمدد مدة العلاج لتبلغ سنة أو سنوات.
رفض
انطباعنا هذا له انصار في صفوف العرافين الذين اطنب كل منهم في انتقاد زملائه وممتهني مهنته، وبلغ الانتقاد لدى البعض حدّ رفض اطلاق مصطلح زميل على اصحاب مهنته بل اطنب بعضهم في تعداد مساوىء الأخرين ووصفهم بالمشعوذين « لادين ولا ملّة » وبأنهم « عبيد الدينار » ومن اصحاب النفوس الشريرة اذ انهم تستروا بالقرآن لابتزاز أموال الناس بالباطل اذ قال العراف م ـ س « يبيعون الأوهام لليائسين المغفلين » وقال م ـ ع ـ ج « يخجلني مجرد تذكر انهم ابناء ميداني فهم زمرة من الناس يستغلون الضعفاء والمرضى لاغراض مادية بل هم ليسوا ابناء ميداني اذ انهم لا يحملون شهائد علمية مثلي تؤهلهم لممارسة « الحكمة الروحانية » أو المداواة بالقرآن.. فهذه المهنة اصبحت مهنة من لا مهنة له اذ انها مشروع مربح يحقق الثراءالسريع لذلك أصبح العرافون والمشعوذون يظهرون كل يوم كالفقاقيع حتى بلغ عددهم الان 145 الفا منهم 4700 برخصهم و150 فقط منهم لديهم الكفاءة التامة ». واكد المتحدث ان مهنة العرافة أو المداواة بالقرآن والحكمة الروحانية تتطلب مؤهلات ثقافية ودراسية عالية لا تقل عن الحصول على شهادة « الباكالوريا » والتضلع في اللغة العربية والقرآن وتفسيره ودراية كافية بضروب الفلسفة، واعتبر محدثنا ان « 99% من ابناء ميدانه يفتقدون لابسط هذه الشروط » مؤكدا في ذات السياق اهمية « ايجاد آليات لتنظيم قطاع العرافة في تونس واولها اعتماد مناظرة اثبات الكفاءة لاسناد رخص بعث مشاريع عيادات قرآنية » !!....
المصدر الصباح

2007-06-22