التونسي والسياسة : الطلاق

 

تحقيق
لماذا يعزف الشباب عن المشاركة في العمل السياسي؟

اكثر من 72% من الشباب التونسي لا يشارك في الانتخابات السياسية والاجتماعية في تونس وهو رقم مفزع ينبئ بعزوف الشباب عن المشاركة السياسية باعتبار قلة انخراطه فيالاحزاب السياسية. فلماذا يعزف الشباب عن المشاركة السياسية؟ وكيف ينظر الشباب الى واقع الاحزاب في بلادنا؟ وهل يتمتع فعلا بثقافة سياسية كافية تجعله قادرا على الاقبال على المشاركة السياسية بثقة عالية في النفس؟ كل هذه الاشكاليات طرحتها« الاسبوعي » على عدد من الشباب التونسي وممثلين عن بعض الاحزاب الوطنية ...هذا ورغم أن الأمين العام القار المكلف بالشباب في التجمع الدستوري الديمقراطي وعدنا بإبداء الرأي فإنه لم يصلنا رأيه في الموضوع إلى حدود يوم أمس الأحد وفيما يليالاجابة :عزوف عن المشاركة السياسية

« عمري 24 سنة وليس لي بطاقة ناخب، والقانون التونسي يخول لمن هم في العشرين من العمر حمل بطاقة ناخب، وهو ما اعتبره عزوفا من الشباب عن المشاركة السياسية ». هكذا استهل الطالب عبد السلام
حديثه ليضيف :« ارى ان الشباب التونسي لا يتمتع بثقافة سياسية تؤهله لان يصدع بارائه ومواقفه في الفضاءات السياسية، واذا حضر مجالس السياسة فلا تتعدى مشاركته مجرد التصفيق والتكبير والتهليل وكانه جمهور احد البرامج التلفزية الترفيهية. وانا شخصيا ارفض الانخراط في الاحزاب السياسية لهذه الاسباب وغيرها، وعندما اشعر انني محل اهتمام الاحزاب السياسية، وبتوفر الفضاء الصحيح والمناخ السياسي الملائم لتطلعات الشباب سيقلع عدد كبير منا عن افكاره ويقبل على المشاركة في الاحزاب ».
لا للانخراط... وهذه هي الأسباب
اما صابر وهو طالب باحد المعاهد العليا فعبر عن رفضه الانتماء للاحزاب السياسية اذ يقول :« لا اريد الانخراط في الاحزاب السياسية ولا اريد الحديث عن السياسة لانه لا توجد ضمانات تحمي الشباب عند الحديث في السياسة او الانخراط في حزب سياسي معين، ذلك انه يوصف بالمعارض و يتعرض الى عدة اشكاليات و ضغوطات سواء في الشارع او في الجامعة... صدقني لاول مرة في حياتي اتحدث عن السياسة... لان الامر متعلق بالحريات او بمفهوم خاطئ لدى الشباب ينزّل الحديث عن السياسة منزلة التجاوز القانوني. وارى انه لا يوجد اهتمام بمشاركة الشباب في الحياة السياسية حتى صرنا نصدق ما نراه اليوم في المحافل السياسية وهو ان السياسة حكرا على السياسيين او بالاحرى لا تخص الا « الكبار » وحضور الشباب في الفضاءات السياسية لا يعدو ان يكون تسويقا لصورة للراي العام. لذلك افضل الانضمام الى نواد ثقافية ذات علاقة باختصاصي الدراسي تؤهلني للمجال المهني على الانخراط في مشاكل السياسة ».
احزاب المعارضة... اعدام لاحلام الشباب
واذا رفع صابر شعار ممنوع الكلام في السياسة فان ألفة وهي طالبة لا ترى فائدة من الحديث في السياسة معتبرة ان الحديث فيها لن يغير شيئا اذ تقول :« لا ارى فائدة من المشاركة في الاحزاب السياسية ما دامت غير قادرة على التعبير عن تطلعات الشباب ولم تتوصل بعد رغم تعددها الى ايجاد ضمانات لمنخرطيها اذ انه بمجرد انخراط الشاب في احد الاحزاب فانه يصنف في قائمة المعارضين وقد يحرم من بعض الاشياء بينما يقف مسؤولو هذه الاحزاب في « الشرفات » ليشهدوا على اعدام احلام الشباب، لذلك ارى ان الاحزاب التي توصف بانها « معارضة » لا تقدم الاضافة في حل المشاكل الشبابية والاجتماعية ».
الحياد لاكون شاهدا على العصر
« اكره السياسة... هي ميدان بعيد عن الشباب... ممارستها مضيعة للوقت... » بهذه الشعارات المتداولة لدى الشباب استهل الطالب مجدي حديثه واوضح ان ممارستها خطر محدق اذ يقول : « اعتقد ان اول فرصة تتاح للشباب للتعرف على الواقع السياسي تكون في الجامعة والممارسات السياسية الخاطئة التي نلحظها في الجامعة تجعل الشباب ينفر من المشاركة السياسية اذ انه بمجرد ان يترشح الشاب لانتخابات المجالس العلمية بصفـة مستقلـة تتهاطل عليه الاتهامات فهذا يلحقـه بقائمـة « الخوانجيـة » وذلـك يصفـه « بالمعارض المتطرف » ويتعرض لاستفزازات متعددة ومختلفة حتى يقع في الخطإ الذي يبيح تعرضه للعنف و التعنيف...
عادل الشاوش : عضو الهيئة السياسية لحركة التجديد تراجع الإيديولوجيات أحدث فراغا لدى الشباب
قضية عزوف الشباب عن المشاركة السياسية اصبحت من ابرز القضايا المطروحة على الساحة الوطنية وهي قضية لا تختص بها تونس فحسب بل انها تكاد تكون القضية المطروحة في عدد كبير من الدول.
وفي حقيقة الامر فان الشباب التونسي اصبح متخوفا من السياسة ويعتبر المعارضة مغامرة شخصية كبرى.. اضافة الى ان الاحزاب السياسية لم ترتق بعد الى مستوى تطلعات الشباب الذي لم يجد الاطار المقنع لممارسة السياسة وغابت المعادلة بين المثل والواقع..
علما ان تراجع الايديولوجيات افرز نوعا من الفراغ لدى الشباب مما اتاح الفرصة للعودة للافكار السلفية وحتى الارهابية وبالنسبة لنا فان هذه القضية ليست شكلية بل اننا نعتبرها القضية الاساسية ووضعنا في صدارة شواغلنا مسألة اعادة الثقة في العمل السياسي من جديد.
ولابد للاحزاب ان تقدم نفسها على انها قوة وسطية قادرة على جمع اكثر ما يمكن من الشباب مع الحرص على فهمه واقلمته مع السياسة ومن مسؤولية الاحزاب ان تطرح البدائل وتغير الواقع المعيش للناس باعتبارها تأسست من اجل الصالح العام وليس لمصالح شخصية واصبح اليوم من الضروري محاولة بناء حزب سياسي واسع يستجيب لمتطلبات الشباب التونسي وما ينقص الاحزاب هو التوجه الشبابي المقنع وهو عينه ما عملنا عليه في حركة التجديد فوضعنا الهدف من المؤتمر هو بناء حزب تقدمي مقنع يأخذ بعين الاعتبار كل طموحات الشباب اليوم.
رضا بن حسين : عضو المجلس الوطني لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين
الطبقة السياسية لم تتجدد بطريقة تسمح بإدماج الشباب
ان قضية عزوف الشباب عن العمل السياسي ظاهرة مستجدة ولم تكن مطروحة قبل سقوط جدار برلين باعتبار ان الشباب كان ينخرط في الايديولوجيات التي تستقطبه وبسقوط جدار برلين سقطت الاطروحات الايديولوجية واصبح الشباب لا يقبل الانخراط في الاحزاب وتغذت هذه الظاهرة بتقلص النشاط السياسي داخل الجامعة منذ التسعينات والخلافات والانقسامات التي جدت داخل الاتحاد العام لطلبة تونس ليتراجع الاداء السياسي في الجامعة ويتقلص الوعي السياسي اضافة الى ان الاحزاب لم تعمل على تغيير برامجها ومناهجها في الوقت الذي تحققنا فيه من ان الاجيال الجديدة تتطلب وسائل جديدة ومستحدثة للعمل السياسي.
ومن حق الشباب ان يرفع شعار ممنوع الحديث في السياسة اذ اننا لم نعود الشباب على مسؤولية الدفاع عن افكاره وهذا المعطى يتطلب توفر مساحة من الحرية للحوار هذا فضلا عن الاشكال الكبير وهو ان الطبقة السياسية لم تتجدد بطريقة طبيعية تخول ادماج الشباب في الحقل السياسي..
ومما لاشك فيه ان الشباب يريد تغيير الخطاب السياسي وهو اشكال كبير تعانيه الاحزاب اذ ان الشباب تغير لم يعد ذاك الذي يقبل الجلوس الى الفضاءات السياسية للانصات والتصفيق بل اصبح يطمح الى طرح مشاغله الآنية والمستقبلية وللاسف فان الاحزاب لا تعطيه الاهمية اللازمة.
الجامعات والاحزاب والمنظمات هي القادرة على ان تكون مدرسة الديمقراطية ولا يتحقق ذلك الا اذا رفعت هذه الهياكل شعار الانفتاح على الطاقات الشبابية والمنظمات لها دور اهم من الاحزاب في تأطير الشباب واعداده للعمل السياسي باعتبار قدرتها على الاستقطاب.. ولابد من التذكير هنا بان شباب المنظمات له قدرة كبيرة على بعث الجمعيات لذلك لابد من احتوائه وتشجيعه وليس طرده.
المنذر ثابت : الأمين العام للحزب الاجتماعي التحرري
عزوف الشباب أزمة عالمية وليست محلية فحسب
ان قضية انخراط الشباب في العمل السياسي ازمة وطنية ولكنها ليست خاصة بتونس بل هي ازمة عالمية باعتبار ان رموز الثقافة السائدة منذ بداية التسعينات رموز هامشية قائمة بالاساس على الاغراء وعلى النجاح السريع في مجالات غير منتجة وعلى الفرجة باعتبار ان المجتمع المعاصر هو مجتمع فرجوي. وهناك عدة معطيات منها ازمة الايديولوجيات وهذه الازمة الغت الحدود الكلاسيكية الفاصلة بين اليمين واليسار بالتوازي مع تطور الظاهرة السياسية نحو مزيد التعقيد والتداخل حيث افلت الفعل السياسي من مجال الحق المتماهي مع مفهوم المواطن ليسقط في دائرة التيكنوقراطية التي تتجاوز المواطن العادي. كل هذه العناصر تكاثفت لتفرز ازمة المشاركة في الحياة السياسية في الديمقراطيات الاكثر علاقة مثل العزوف عن المشاركة في الانتخابات وهو ما يمس شرعية الحكومات.
كذلك هناك فوضى اعلامية افرزتها الوسائل الحديثة التي تمارس جاذبية قصوى على الشرائح الشبابية اضافة الى ان السلطة في معماريتها المعاصرة لم تعد تغري الشباب لان مراكز التأثير في الحياة العامة اصبحت متعددة ليتجاوز القرار حدود المؤسسات الرسمية.
القضية تتعلق بتمكين الشباب من منظمات وهياكل تعلمه معنى المواطنة والمشاركة بداية من الحياة المدرسية.
والشباب لم يفقد الثقة في الاحزاب بل هو لا يعرفها اصلا وعندما يتطور الاعلام وتتطور المنظومة الحزبية في اتجاه الانفتاح على الشباب والاستجابة لتطلعاته ورغباته ستستعيد الاحزاب ثقة الشباب والتنظمات الحزبية المغلقة رغم اهميتها لن تكون قادرة على ملء الفراغ في الساحة الشبابية الان لذلك رفعنا مطلبا وهو تأسيس انحاد شباب ديمغرافي بمساهمة كل العائلات السياسية الوطنية التي تشكل اطياف المشهد السياسي التونسي..
 
المنجي الخماسي : الأمين العام لحزب الخضر للتقدم
ملء فراغ الشباب قبل كل شيء
لابد من الاقرار بأن واقع عزوف الشباب عن العمل السياسي والجمعياتي امر مفزع وخطير على اعتبار ان الانخراط في الاحزاب والمنظمات ضمانة تحصن الشباب من كل مظاهر التهميش والتطرف والانحراف.
وحسب رأيي فان هذا العزوف يجب ان تقع معالجته المعالجة الجذرية والعميقة عبر فهم اسبابه الحقيقية ووضع اجندا لاصلاح الاخلالات الموجودة وتفادي المخاطر التي يمكن ان تنجم عنها وفي اعتقادي، فان التأطير الشبابي وايجاد الحس المدني للمشاركة الفاعلة والمسؤولة يجب ان ينطلق من المؤسسة التربوية (المدارس والمعاهد والجامعات) لانها تبقى الفضاء القادر على تلقين الصغار والشباب ضرورة الاهتمام بالشأن العام عبر الهياكل القانونية وابرزها الاحزاب السياسية وأرى ان ملء اوقات فراغ الشباب بمختلف الانشطة الفكرية والثقافية والترفيهية الهادفة هام جدا لابعاده عن حالة التهميش وتوجيهه الوجهة النافعة والناجعة التي تساعده على فك رموز المستقبل لان حالة الفراغ وهاجس الخوف من الانخراط في العمل الحزبي والجمعياتي يمكنهما ان يؤديا الى الاغراق في الثقافة الاستهلاكية السطحية والسقوط في الانحرافات والمزالق الخطيرة واغلاق مساحات الفعل السياسي امام مختلف الشرائح العمرية من الشباب. احمل الاحزاب السياسية مسؤولية تاريخية في تفعيل دورها باستقطاب الشباب للعمل الهادف وهو ما نسعى اليه سواء في حزبيا او في « اللقاء الديمقراطي » حيث وضعنا هذه المسؤولية في صدارة اهتماماتنا عبر وضع برنامج عمل وبعث منظمات تهتم بالشباب والطلبة عموما. وعلى الخبراء والمختصين في علم النفس وعلم الاجتماع تخصيص جزء من ابحاثهم العلمية لدراسة المعضلات التي يعانيها شبابنا والمساهمة في فتح الافاق الارحب امامه وتحصينه ضد الانغلاق والتطرف والتحجر وكل اشكال العنف.
 

2007-06-22