الانترنت والمقص في تونس / الجزء الأول


القصة الكاملة (1/3)
نظرة عامة

للوهلة الأولى تبدو تونس دولة عربية عصرية، تطبق مبادىء الليبرالية والاقتصاد الحر وتعطى المرأة الكثير من الحريات والحقوق التى لا تتمتع بها نظيرتها فى أى دولة عربية، ولكن تحت هذا السطح البراق تختفى حقيقة نظام حديدى تعود جذوره لأيام "الحبيب بورقيبة" الرئيس التونسى الأول بعد فترة الاحتلال الفرنسى، وهذا النظام ازدهر على يد إدارة الرئيس الحالى "زين العابدين بن على" الذى وصل للسلطة بانقلاب سلمى على بورقيبة عام 1987 وأوشك أن يكمل عشرين عاما فى السلطة التى يسيطر عليها بكل قوة مع حزبه "التجمع الدستورى الديمقراطى" الحاكم.
الاتصال بشبكة الانترنت
وفى مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تسعى تونس بكل الوسائل لنشر هذه التكنولوجيا على أوسع نطاق بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية، وتتخذ هذه الوسائل أشكالا متعددة بداية من إصدار قانون جديد للاتصالات يهدف لتنظيم قطاع الاتصالات وتكريس الانفتاح على القطاع الخاص، ومرورا بإنشاء الهيئة الوطنية للاتصالات، وتحرير السوق التونسية للاتصالات للمنافسة الحرة (1).
أيضا قدمت الحكومة التونسية بعض المبادرات الهامة لنشر الثقافة الرقمية كان من أبرزها انطلاق المشروع الرئاسى للحاسب العائلى فى ابريل 2001 وهو المشروع الذى أتاح لعديد من الأسر ذات الدخل المحدود امتلاك جهاز كمبيوتر بتسهيلات ميسرة، وهذا البرنامج أسفر عن بيع أكثر من 42 ألف جهاز كمبيوتر حتى عام 2004 (2)، بالإضافة إلى ذلك تفخر الحكومة حاليا أن نسبة الارتباط بشبكة الانترنت فى الجامعات، ومختبرات البحث العلمى، والمدارس الثانوية، والمدارس الابتدائية (فى نهاية 2006) قد بلغت 100% (3)، وهو ما يعنى إمكانية اتصال كل الموجودين من طلبة ومعلمين داخل هذه الهيئات بشبكة الانترنت.
وقامت تونس أيضا بتأسيس "مدينة تكنولوجيا المواصلات" فى ضاحية غزالة بجوار العاصمة التونسية وهى المدينة التى تضم مؤسسات تقنية المعلومات والاتصالات ومنها المجمع التكنولوجى للمواصلات، ومركز تنمية الاتصالات، والوكالة التونسية للانترنت، وقد اعتبرت الحكومة أن هذه المدينة "نموذج" من بين 64 مركزا للابداع التقنى فى العالم، كما تسعى الحكومة إلى افتتاح مقهى للانترنت فى كل قرية خلال السنوات الخمس المقبلة، بالإضافة إلى تقديم منح للشبان الراغبين فى إنشاء مشاريع فى مجال تكنولوجيا الاتصال (4).
وفى مجال الاتصالات ترصد إحصائيات وزارة تكنولوجيات الاتصال أن عدد المشتركين فى خدمة الهاتف الثابت التى تحتكرها "التونسية للاتصالات" بلغ مليون و 262 خط فى يوليو 2006، وأن عدد المشتركين فى شبكة الهاتف الجوال (الذى تقدم خدماته شركتين هما "التونسية للاتصالات، و "تونيسيانا") بلغ 6 مليون و 477 خط، أما عدد أجهزة الكمبيوتر فى تونس فقد بلغت 568 ألف جهاز وفقا لإحصائيات عام 2005 (5).
وترصد إحصائيات "الوكالة التونسية للانترنات" وهى الهيئة الرسمية المسئولة عن تزويد خدمات الانترنت فى تونس فى أحدث أرقامها المنشورة أن عدد المشتركين فى خدمات الانترنت تجاوز 109 ألف مسترك، وأن عدد المستخدمين بلغ مليون و 148 ألف مستخدم، وأن عدد عناوين البريد الالكترونى المسجلة تزيد قليلا عن 164 ألف عنوان بينما بلغ عدد المواقع التونسية على شبكة الانترنت 4566 موقعا (6)، وذلك مع الأخذ فى الاعتبار أن عدد سكان تونس يبلغ حوالى 10 ملايين مواطن.
الفارق الكبير بين عدد المستخدمين وعدد عناوين البريد الالكترونى الذى يعتبر من الخدمات الأساسية لمستخدم الانترنت يعنى ببساطة أن غالبية المستخدمين فى تونس لا يفضلون الحصول على حساب بريدى من مزود الخدمة المحلية، ويفضلون الحصول على حسابات من مواقع الخدمات المجانية العالمية للابتعاد قدر الإمكان عن الرقابة الحكومية.
فى عام 1991 كانت تونس أول بلد عربى وافريقى يرتبط بشبكة الانترنت العالمية، ولكن دخول الشبكة على المستوى الواسع بدأ منذ عام 1996 مع إنشاء "الوكالة التونسية للانترنات" التى أوكلت إليها مهمة التصرف فى خدمات الانترنت وتكنولوجيا الشبكات وحسن استغلالها وتسويقها (7)، وتقول الحكومة أن شبكة الانترنت حاليا تغطى كامل البلاد، ويمكن الاشتراك فى خدماتها المختلفة عن طريق 12 مزودا للخدمة بينهم 7 شركات لتزويد المؤسسات والهيئات العامة وخمس شركات خاصة لتزويد السوق بالخدمة (8)ولكن جميع الشركات ترتبط بالشبكة العالمية من خلال "الوكالة التونسية للانترنات" بما يعنى أن الوكالة الحكومية قادرة على مراقبة كل تداول للمعلومات يتم عبر الشبكة، الأمر الذى يعتبره المراقبون يؤدى لمردود سلبى ليس فقط على ثقة المستخدمين ولكن أيضا على اقتصاد خدمة المعلومات (9). كما أن اثنين من أكبر شركات تزويد خدمة الانترنت فى تونس يتولاها بعض أقارب الرئيس التونسى (10).
وتقدم الشركات حاليا خدمات الاتصال بالطرق العادية، كما تقدم خدمة الانترنت السريعة عبر خطوط DSL ، وهناك أسعار مخفضة للاشتراكات العائلية ضمن برنامج خاص واسعار مفتوحة للشركات والمواطنين، ويبلغ سعر الاشتراك العائلى فى خدمة DSL العائلية بسرعة 256k 25 دينار تونسى+20 دينار مصاريف التليفون (الدينار= 0.75 دولار)، أما الاشتراك المفتوح فيبلغ سعره 50 دينار شهريا بالإضافة إلى 20 دينار مصاريف التليفون للشهر الواحد (11). بينما يرصد أحد المواطنين أن سعر الاشتراك فى الخدمة العادية يصل إلى دينار ونصف أى ما يعادل 1 يورو وهو سعر مرتفع بالنسبة للمواطن العادى خاصة مع البطء الشديد فى سرعة الشبكة وانقطاع الاتصال المتكرر (12).
 الإطار القانونى
بعد بداية دخول الانترنت لتونس قامت الدولة بإصدار عدد من القوانين التى تغطى الوسيلة الجديدة للاتصال ووضع عدد من الأطر القانونية التى تعمل من خلالها، وتلاحق صدور القوانين والقرارات الوزارية لتحديد أطر عمل مقدمى خدمات الانترنت أو مستضيفى المواقع أو مقاهى الانترنت العامة، ورغم تميز تونس فى محاولة تغطية الفجوات التشريعية الخاصة بهذا القطاع إلا أن العديد من النصوص ضمن الإطار القانونى تمثل فى حد ذاتها قيدا على حرية التعبير وتداول المعلومات.
فى عام 1997 صدر الأمر الرئاسى رقم 501 بتاريخ 14 مارس 1997 والذى يتعلق بالخدمات ذات القيمة المضافة للاتصالات، وهى الخدمات التى حددها الأمر الرئاسى بأنها "الخدمات التى تستعمل شبكات الاتصالات والبرامج المعلوماتية لتقديم خدمات معينة لمعالجة ونشر معلومات ذات طبيعة ومصدر معلوماتى إلى المستعملين"، وهذا التحديد يجعل الأمر الرئاسى والقرارات الوزارية التالية تنطبق على شركات تزويد الخدمة، وشركات الاستضافة وكذلك مقاهى الانترنت العامة. وقد نص الأمر الرئاسى فى الفصل الأول على خضوع "إنتاج وتقديم وتوزيع وإيواء المعلومات .... لقانون الصحافة وللقانون المتعلق بالملكية الأدبية والفنية" (13) وهذه الفقرة تعنى بوضوح خضوع محتوى الشبكة لقانون الصحافة رقم 32 لسنة 1975 وجميع النصوص والتعديلات اللاحقة له.
ونص الأمر الرئاسى فى الفصل (12) على : التزام مزود الخدمة بتذكير مشتركى ومستعملى الخدمة "بمجموع الالتزامات والضغوطات الواجبة عليهم طبقا للتشاريع والتراتيب الجارى العمل بها"، وفى الفصل (13) على "احتفاظ وزير المواصلات بحق القيام بمراقبة احترام شروط واستغلال الخدمات بواسطة مساعدين مفوضين فى كل وقت وبأى وسيلة يملكونها" (14).
وفى الفصل (14) نص القرار على ضرورة وجود مدير مسئول فى الهيئات التى تقدم الخدمات، وأن هذا الشخص سيكون "مسئولا عن محتوى الخدمة المقدمة للمستعملين طبقا لأحكام قانون الصحافة"(15).
وبعد ثمانية أيام فقط من صدور هذا القرار الرئاسى صدر قرار من وزير المواصلات فى 22 مارس 1997 الذى يتعلق بضبط تعريفات الخدمات ذات القيمة المضافة للاتصالات.
وفى ملحق كراس الشروط الخاص بهذا القرار جاء فى الفصل الثامن ضرورة التزام مزود الخدمة بإعطاء "المتدخل العمومى" وهو فى هذه الحالة "الوكالة التونسية للانترنات" قائمة اسمية ممضاة ومختومة لكل المشتركين فى بداية كل شهر وفى موعد لا يتجاوز اليوم الثالث من الشهر الموالى لإعداد القائمة (16).
وفيما يتعلق بمحتوى الخدمة نص الفصل التاسع على أن المدير الذى يعينه مزود الخدمات والذى يقدم اسمه للمتدخل العمومى يتحمل المسئولية حول محتوى الصفحات وموزعى الواب الذين يقوم باستضافتهم فى أنظمته وذلك طبقا لأحكام قانون الصحافة. كما يكون المشتركون فى الخدمات والمالكون للصفحات والموزعين الذين تم إيواءهم مسئولين عن المخالفات لمقتضيات التشريع الجارى (17).
كما يلتزم المدير بضمان مراقبة دائمة لمحتوى الموزعين المستغلين من قبل مزود الخدمات حتى "لا يقع تمرير معلومات مخالفة للنظام العام والأخلاق الحميدة". ويجب عليه المحافظة تحت مسئوليته على نسخة من محتوى الصفحات ومن الموزعين الذين قام بإيوائهم وذلك فى شكل وثائق مكتوبة وعلى وسائط مغناطيسية مدة سنة بداية من تاريخ توقف إرسالها (18).
نصوص المسئولية الواقعة على المدير أو الشخص المسئول تجاه المحتوى أو الاستخدام تجعله فى أغلب الأحيان يقوم بنوع من الرقابة على المحتوى أو المعلومات التى يتم تداولها حتى لا يتحمل مسئولية ما يفعله المستخدم أمام الجهات المسئولة.
وفى شهر سبتمبر عام 1997 صدر قرار وزير المواصلات بضبط شروط استعمال الشفرة فى استغلال الخدمات ذات القيمة المضافة للاتصالات ونص القرار على ضرورة حصول كل مزود يرغب فى استقبال أو إرسال معلومات مشفرة على رخصة مسبقا تؤهله لاستخدام الشفرة، وللحصول على الترخيص يجب تقديم استمارة مخصصة لهذا الغرض بالإضافة إلى مجموعة المفاتيح المتعلقة بالتشفير محل الطلب، وإذا حصل على الموافقة فلا يمكن لمزود أو مستعمل الخدمة استعمال الشفرة إلا فى الأغراض والحدود المذكورة فى الرخصة، مع احتفاظ وزير المواصلات بحق سحب رخصة التشفير فى أى وقت إذا اقتضت ذلك حاجيات "الدفاع الوطنى" أو "الأمن العام" (19).
وهذا القرار تم تعديله من خلال الأمر رقم 2727 لسنة 2001 حيث تم تغيير شروط وإجراءات استعمال وسائل أو خدمات التشفير عبر شبكات الاتصالات وتحديد لجنة للموافقة على منح الترخيص من عدمه تضم مسئولين من وزارات أمنية إضافة إلى وزارة الاتصالات (20).
أما فيما يخص مقاهى الانترنت فقد صدر قرار وزارى مؤرخ فى 19 مارس 1998 وتبعه قرار آخر فى ديسمبر 1998، وقد استفاض القرار فى وصف شروط هذه المقاهى ومنها تخصيص مساحة لكل جهاز كمبيوتر لا تقل عن 2.5 متر مربع، وغيرها من الشروط التفصيلية، وقد اشترط هذا القرار ضرورة وجود صاحب الرخصة أو أحد معاونيه بصفة دائمة داخل المركز، كما اشترط "أن لا يوفر جهاز الحاسوب استعمالات أقراص مغناطيسية لينة"، مع توفير جهاز مخصص لعمليات "التسجيل" و"طباعة الوثائق" بشرط ألا يتم التسجيل أو الطباعة إلا من قبل صاحب الترخيص أو من يمثله (21).
ونص القرار على ضرورة التزام صاحب الترخيص بإعلام المستخدمين من خلال لوحة بارزة للعيان بالتزاماتهم ومسئولياتهم عن المخالفات لمقتضيات التشريع والتراتيب الجارى بها العمل وخاصة المتعلقة منها بمحتوى الخدمات (22).
ويبدو التضييق واضحا فى هذه الشروط التى تجعل صاحب المقهى أو المختص مسئولا مسئولية مباشرة عن أنشطة الزبائن على شبكة الانترنت، ورقيبا عليهم فيما يقومون بتصفحه أو تسجيله أو طباعته من داخل المقهى.
وهو ما يفسر شكاوى العديد من النشطاء التونسيين من التضييق عليهم اثناء استخدامهم للانترنت في تلك المقاهي.
وبالإضافة إلى هذه القوانين أصدرت تونس مجموعة من القوانين الخاصة بالتجارة الالكترونية مثل قانون رقم (83) لسنة 2000 المتعلق بالمبادلات والتجارة الالكترونية، وقانون رقم (57) لسنة 2000 المتعلق بالمصادقة الالكترونية والمعترف بالوثيقة الالكترونية ومجموعة القرارات المكملة لها (23).
وبعيدا عن قوانين الاتصالات المتخصصة، أصدرت تونس القانون رقم (75) لعام 2003 الذى عرف باسم قانون "مكافحة الارهاب" وهو القانون الذى اتهمه الحقوقيون باستهداف النيل من الحقوق الأساسية للمواطن والنشاط السلمى لمنظمات المجتمع المدنى والنقابات والأحزاب بذريعة مقاومة الارهاب، وضم القانون مجموعة من النصوص العنيفة التى يكون معها إبداء رأى أو استعمال شارة أو صورة أو شعار يرمز لشخص أو تنظيم أو الدعوة لمظاهرة أو اجتماع أو كتابة مقال سبا كافيا لتصنيف الفعل على أنه عمل إرهابى ويعاقب مرتكبه بمقتضى القانون الجديد (24).
ـ يتبــــع ـ

(المصدر : تقرير "خصم عنيد : الإنترنت والحكومات العربية" الصادر عن الشبكة العربية لحقوق الإنسان يوم 13 ديسمبر 2006)

2007-06-22