الانترنت والمقص في تونس / الجزء الثاني


القصة الكاملة (2/3)
الحجب والرقابة والمصادرة

تعرضت الأمم المتحدة لسيل من انتقادات منظمات حقوق الإنسان بسبب اختيار تونس مقرا لاستضافة القمة العالمية لمجتمع المعلومات وهى القمة التى استضافتها تونس بين 16-18 نوفمبر 2005، وارتكزت الانتقادات على سجل تونس السىء فى التضييق المنظم والمزمن على الحريات العامة وعلى حرية التعبير، ولكن "كوفى أنان" الأمين العام للمنظمة الدولية رد على الانتقادات أثناء مشاركته فى القمة بأن اختيار تونس يضعها تحت دائرة الضوء وهذا الأمر من شأنه مراجعة أوضاع حقوق الإنسان بها وبالتالى "إحراز تقدم" (25).
وكان من المستغرب اختيار الدولة المشهورة بعدائها للانترنت مقرا لانعقاد هذا المؤتمر الدولى، ورغم محاولات الحكومة التونسية تجميل صورتها أمام العالم فى هذا المحفل الدولى حيث قامت الحكومة بحملة إعلامية ضخمة نشرت خلالها العديد من الموضوعات التسجيلية مدفوعة الثمن فى الصحف العربية قالت فيها أن الثقافة الرقمية والتكنولوجيا هى ركيزة الديمقراطية فى تونس، وأنه بعد استعراض الجهود التى قامت بها الحكومة لنشر الثقافة الرقمية نصل إلى أن الواقع يشير إلى الانعكاس الإيجابى لهذه الحرية على المسيرة الديمقراطية التى تزداد تجذرا يوما بعد يوم داخل المجتمع التونسى (26)، ورغم هذه الجهود "الدعائية" إلا أن الطبع غلب التطبع، فحتى تحت "الأضواء" والحضور العالمى المكثف للقمة استمرت سياسات تونس القمعية، حيث تعرض عدد من الصحفيين والمراسلين للاعتداء والضرب، وتم منع "روبير مينار" رئيس شبكة "صحفيون بلا حدود" من دخول البلاد أصلا ولم يسمح له بمغادرة مقعده على الطائرة، أما الندوة التى كانت مقررة لمناقشة حرية التعبير فقد تعرضت لمشاكل عدة الأمر الذى دفع بعض المشاركين لاتهام السلطات التونسية بعرقلتها (27)، وهذه المواقف تعطى أبلغ دليل على تعامل السلطات التونسية مع حرية التعبير وحق تداول المعلومات.
تضم القوانين التونسية العديد من النصوص التى تكفل حرية التعبير والحقوق الأساسية، حيث ينص الدستور فى الفصل (5) على "ضمان الجمهورية التونسية الحريات الأساسية وحقوق الإنسان فى كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها" كما أنها تضمن "حرمة الفرد وحرية المعتقد....ما لم يخل بالأمن العام"، وينص الفصل (8) من الدستور على "حرية الفكر والتعبير والصحافة والنشر والاجتماع وتأسيس الجمعيات مضمونة وتمارس حسبما يضبطه القانون" (28).
وفى كلمته فى افتتاح القمة العالمية لمجتمع المعلومات قال الرئيس "زين العابدين بن على" "نرجو أن تؤسس قمة تونس لمجتمع المعلومات إطارا تتكافأ فيه فرص الاستفادة من مزايا تكنولوجيا الاتصال والمعلومات ويمكن الجميع من النفاذ إلى مصادر المعرفة والمعلومات" (29) وفى برنامجه الانتخابى للرئاسة عام 2004 أكد "بن على" على حق المواطن فى التمتع بخدمة الاتصالات وتأمين سريتها مع وضع الآليات الكفيلة بتمكينه من ممارسة هذا الحق (30).
ولكن هذه النصوص والكلمات جميعا لا تجد مجالا للتطبيق على أرض الواقع التى تشهد حصارا وتضييقا وحجبا للمواقع وبخاصة السياسية والمعارضة منها ويصل الأمر فى الكثير من الأحيان للاعتقال والسجن.
ويرصد مواطن من الداخل الوضع قائلا أن الحجب موجود ويطول بالأساس المواقع السياسية مثل مواقع الأحزاب المعارضة ورابطة حقوق الإنسان التونسية والصحف الالكترونية التونسية مثل (كلمة، نوات، تونس نيوز) وغيرها، بالإضافة لموقع قناة العربية، ويصل الأمر إلى حجب كل المواقع غير المرغوب فيها من قبل الحكومة، وغير المرغوب فيها يعنى المختلفة عن الرؤية الرسمية للدولة بما فى ذلك مواقع بعض الأحزاب الشرعية.. فما بالك بالأحزاب غير المعترف بها؟ (31).
وكشفت دراسة تم إعلانها ضمن فعاليات مؤتمر القمة العالمى أن نسبة المواقع المحظورة فى تونس بلغت 10% من بين 2000 موقع اختبرها القائمين على عمل الدراسة، وأن غالبية المواقع المحظورة هى مواقع معارضة سياسية أو مواقع حقوق الإنسان أو بعض المواقع الإباحية (32).
وقد أكد تقرير تقرير المجموعة التونسية لمراقبة حرية الرأى والتعبير لما بعد القمة العالمية لمجتمع المعلومات 2005 الصادر فى مايو 2006 استمرار حجب موقعين على الأقل من مواقع أعضاء مراقبة حالة حرية التعبير فى تونس، وهما موقعى الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان www.hrinfo.netوموقع www.amisnet.org ورغم ذلك أصر "أسامة رمضانى" المدير العام لوكالة الاتصالات الخارجية التونسية أن "أغلبية المواقع المحجوبة هى مواقع مجهولة الهوية تهدف إلى تحطيم وتشويه السمعة الشخصية للأفراد وتتضمن تهديدات صادرة عن منظمات إرهابية" وأن الحجب يأتى من "رغبة الحكومة فى حماية الشعب من الحض على الشر" (33).
وفى نفس التقرير شكت "نايلة شرشور حشيشة"، مؤسسة حزب الأحرار المتوسطي (تحت التأسيس) من حجب موقع الحزب بعد نشره بياناً صادراً عن حركة 18 أكتوبر. وقد رفع الحجب عن موقع الحزب فقط عندما نشرت عنه الخارجية الأمريكية. إلا أنهم عادوا وحجبوه مرة أخرى مؤخرا (34).
وإضافة إلى حجب المواقع، شكا العديد من النشطاء الذين قابلوا البعثة من عدم توفر خدمة الانترنت لديهم، وعلى الرغم من امتلاك بعض المنظمات لخط رقمي باشتراك DSL مازالوا لا يتمكنون من تصفح أي من المواقع الإلكترونية بجهازهم. وقد حاول بعض أعضاء بعثة إعداد التقرير الدخول على الانترنت من مقر المجلس الوطنى للحريات بتونس، وفشل في تصفح أي موقع إلكتروني، وقد شكا كل من رؤساء تحرير جريدة الموقف رشيد خشانه و نايلة شرشور حشيشة من نفس الأمر (35).
ويطول الحجب مواقع إخبارية عامة غير متخصصة فى الشأن التونسى مثل موقع "العربية نت" الذى قامت السلطات بحجبه نهائيا فى تونس اعتبارا من 12/11/2005، وتواكب الحظر مع صدور قرار يقضى بمنع ذكر اسم الموقع فى أى جريدة تونسية(36)، وبالمثل قامت السلطات بحجب موقع "دنيا الوطن الإخبارى عام 2004 لأسباب غير معروفة (37)، أما أحدث حالات حجب المواقع الاخبارية فقد طالت موقع "المصريون" وهو موقع إخبارى مصرى الذى حجب نهائيا عن المتصفحين فى تونس بدءا من 15/7/2006 دون أى توضيح لأسباب قرار الحجب، وقد جاءت هذه الخطوة بعد ثلاثة أيام من نشر الموقع تقريرا حول اكتشاف الانتربول ليخت فرنسى مسروق فى ميناء تونسى لدى صهر الرئيس زين العابدين بن على (38).
وترفض الحكومة التونسية الاعتراف برقابتها على شبكة الانترنت وتصر على القول إنها لا تحجب سوى الواقع الإباحية أو المواقع الإرهابية، ولكن الواقع يكذب هذه الإدعاءات خاصة مع محاولات تونس تجميل صورتها فى المحافل الدولية فقد قامت السلطات برفع الحجب عن عدد من المواقع التونسية المعارضة قبل أيام من انعقاد القمة العالمية للمعلومات، وشمل قرار فك الحجب موقع جريدة "كلمة تونس" www.kalimatunisie.com الذي تديرها الحقوقية "أم زياد" وموقع "تونزين"www.tunezine.com وهو الموقع الذى أسسه الراحل "زهير اليحياوى" أشهر سجين انترنت فى تونس وقد أعلن الموقع إغلاقه فى بيان على الصفحة الرئيسية له، وأيضا موقع "الحزب الديمقراطى التقدمى" www.pdpinfo.org وموقع "ماى تونزى" وهى المواقع التى ظلت محجوبة طوال أربعة أعوام كاملة(39).
ومع ذلك فقد ظل الحظر قائما حتى أثناء انعقاد القمة العالمية للمعلومات على بعض المواقع المعارضة الأخرى مثل "البوابة"www.fdtl.org التابع لحزب التكتل الديمقراطى من أجل العمل والحريات وهو حزب شرعي، وموقع "النهضة نت"www.nahdha.net التابع لحركة النهضة الإسلامية المحظورة، وموقع "البديل" www.albadil.org التابع لحزب العمال الشيوعى المحظور (40).
كما ظل الحظر قائما على الموقع التونسى الشهير المعارض فى المهجر وهو موقع "تونسنيوز" www.tunisnews.netالذى ينشر منذ عام 2000 كل مايتعلق بتونس كما قال المسئولين عنه، والذين لا يرغبون فى الكشف عن هوياتهم، وقد تجاوز هذا الموقع الحجب الرسمى عن طريق تحويله إلى نشرة الكترونية تصل يوميا لآلاف المشتركين داخل تونس (41).
وترصد الناشطة التونسية "سهام بن سدرين" وسائل الرقابة التى تنتهجها الدولة لحصار المعلومات حيث تقول أن هناك أكثر من 400 موظفا فى وزارة الاتصالات يتلخص عملهم فى تعقب مستخدمى الانترنت ومراقبة ما يتصفحونه، وهذه الشرطة الإعلامية مبثوثة فى كل مكان ولديها أوسع الأطر القانونية والتنظيمية فى المنطقة بما يبيح لها حرية تامة فى ممارسة القمع، فالاتصالات الهاتفية محظورة والتشفير ممنوع، وهذه الشرطة تتقيد بالقانون تماما لأن نظام الاتصالات يجيز اعتراض البريد الالكترونى ومصادرة أى رسالة "تهدد النظام العام أو الأمن القومى" دون اللجوء إلى القضاء. أما المواقع "غير المرغوب فيها" فإنها بكل بساطة تغلق ويقطع طريق الدخول عليها (42).

أول لجوء سياسي الكتروني
وشهدت السنوات الأخيرة بروز ظاهرة التدوين فى المجتمع التونسى، ولكن يد الدولة المعلنة والخفية طالت هذه الظاهرة الجديدة أيضا لدرجة جعلت "مجمع المدونات التونسية" http://tn-blogs.com وهو موقع يضم عناوين ومحتويات هذه المدونات يرفض ضم المدونات المعارضة لـ"بن على" مثل مدونة القاضى مختار اليحياوى، ومدونة المعارض المهاجر "سامى بن غربية(43) وهذا الأمر دفع "بن غربية" لطلب أول لجوء سياسى الكترونى فى التاريخ حيث قبلت انضمامه مدونةwww.manalaa.net وهى تجمع للمدونات المصرية (44).
وقد شارك "بن غربية" فى إطلاق أول موقع الكترونى للتظاهر على الانترنت وذلك أثناء انعقاد القمة المعلوماتية فى تونس، وهو موقع "يزى" www.yezzi.org وهى كلمة تونسية دارجة تعنى "يكفى" ويقضى الموقع بمشاركة كل من يرغب فى التظاهر بوضع صورة له وهو يحمل لافتة تدعو "بن على" للتنحى ويمكن للمتظاهر أن يخفى عينيه أو وجهه، أو أن يضع صورة واضحة له كما فعلت بعض رموز المعارضة التونسية، وحقق الموقع رقما قياسيا حيث تم حجبه داخل تونس بعد إطلاقه بـ 18 ساعة فقط، كما أكد القائمين عليه (45).
النشر عبر الانترنت فى تونس عملية محفوفة بالمخاطر، وتؤدى غالبا إلى عواقب وخيمة كما حدث مع الصحفية والمدرسة "نزيهة رجيبة" المعروفة باسم "أم زياد" التى قامت بنشر رسالة مفتوحة عام 2003 إلى وزير التعليم فى مجلة "كلمة" التى تصدر على الانترنت، قامت فيها بانتقاد نظام التعليم فى البلاد وأعلنت استقالتها الشخصية بعد 34 عاما كمدرسة، وأصدرت السلطات حكما عليها بالسجن مع وقف التنفيذ وتغريمها بعد إدانتها بمخالفة أنظمة تبادل المعلومات (46).
وكان من الطبيعى فى ظل هذه الظروف أن تستضيف تونس مؤتمر وزراء الداخلية العرب فى يناير 2006 وهو المؤتمر الذى شهد ترحيبا باقتراح تقدم به وزير الخارجية المصرى يهدف فى ظاهره إلى غلق مواقع الانترنت التى تدعم الإرهاب أو تثير الكراهية، ولم يقدم مجلس الوزراء تعريفا واضحا لماهية الارهاب سوى التعريف الواسع الذى أقر عام 1998 والذى يفتح الباب واسعا لمزيد من انتهاكات حرية الرأى والتعبير وحق تداول المعلومات، وهى حقوق أساسية اعتادت الحكومات العربية على انتهاكها بشكل دائم (47).
وقدم وزير الداخلية المصرى اقتراحا بتوحيد الجهود العربية للعمل على استصدار قرار من مجلس الأمن بإلزام الدول التى تتبعها المؤسسات والشركات العالمية الكبرى التى تباشر إدارة وتشغيل شبكات المعلومات والاتصالات بإغلاق المواقع التى تبث بيانات ومعلومات تتعلق بتصنيع أو استخدام الأسلحة وكذا المواقع التى تبث بيانات ومعلومات تتعلق بتصنيع المتفجرات أو استخدام الأسلحة، وكذا المواقع التى تروج للأفكار والايديولوجيات المتطرفة(48)، وإذا كان ممكنا تحديد مواقع استخدام السلاح فلن يوافق أحد على إغلاق مواقع "الأفكار" دون تحديد دقيق وقانونى لأن ما يراه وزراء الداخلية العرب "متطرفا" قد لا يراه غيرهم كذلك.
وقد أعلنت 17 منظمة حقوقية رفضها لمحاولة وزراء الداخلية العرب سن تشريعات تمنحهم حق إغلاق مواقع الانترنت تحت زعم مكافحة الإرهاب، لا سيما وأن الحكومتين المصرية والتونسية قد اشتهرتا بعدائهما للانترنت، وقالت المنظمات الحقوقية أن إغلاق أى موقع لا يجب أن يتم دون إجراءات قانونية سليمة(49).
والظاهرة اللافتة للنظر أن مهمة نفى حجب مواقع الانترنت فى تونس قد انتقلت من السلطات إلى بعض الناشطين فى محاولة لمد الجسور مع السلطة، كما صرح المحامى "الحبيب عاشور" رئيس الجمعية التونسية لضحايا الإرهاب الذى نفى أن يكون النفاذ إلى شبكة الانترنت فى تونس "غير حر" وقال أن القانون لم يمنع النفاذ إلى أى مواقع فكرية أو سياسية ولكنه فقط منع النفاذ إلى المواقع التى تحث على العنف أو الكراهية أو المواقع الإباحية، وعندما سئل عن المواقع التى قامت تونس بفك الحجب عنها قبل القمة المعلوماتية وهى لا تندرج تحت أى تصنيف من التى يمنعها القانون قال الرجل أن هذه المواقع "لم تغلق فى يوم من الأيام"(50).
 ـ يتبــــــع ـ

 
(المصدر : تقرير "خصم عنيد : الإنترنت والحكومات العربية" الصادر عن الشبكة العربية لحقوق الإنسان يوم 13 ديسمبر 2006)
 

2007-06-22