أحيــاء الفقر في تونس.. مآسي صامتة


 حيّ الجيّارة... والناس الحيارى :
لا حاويات للفواضل... ولا قنوات للصرف ولا تنوير !

طريق « مثقوب » يحدّه من الجانبين بناء فوضوي وبقايا مياه راكدة... توصلك إلى مفترق طرقات... معطب هو الآخر... وعلى يمينه ركزت لافتة كتب عليها « الجيارة »...
حي شعبي يبعد مسافة 4 كلم عن العاصمة... بناءاته متراصة متلاصقة تلتحف بردائها الأحمر (الآجر)... وأزقته تغرق في الأوحال... باسطة أرضيتها للفواضل... لبقايا الأمطار ولغبار « يحكم » الحي منذ سنة 1976 ...
* أسماء سحبون
أشجاره القليلة متباعدة متماسكة تحفظ بقايا هواء نقي قد يحتاجه سكان الجيّارة المحاصرين بالروائح الكريهة...
مثل ك 04 ; الأحياء الشعبية...
يتميز حي الجيّارة (بمعتمدية سيدي حسين) بلونه الأحمر... فالآجر يكسو وجه المساكن..
ومثل كل الأحياء الشعبية... يتميز حي الجيّارة ببنائه الفوضوي... وأنهجه « الترابية »... مياه راكدة اختارت أرضية الشوارع مستقرا لها... مياه مستعملة غابت عنها قنوات « الصرف » وخدمات الديوان الوطني للتطهير فظلت مرابطة تغازل المتساكنين بروائحها الكريهة وتراود حشرات وجراثيم لا يمكن حصر سمومها...
* لا حاويات ولا قنوات
الساعة تشير إلى العاشرة من صبيحة أمس حين دخلنا حي الجيّارة لننقل وقع الزيارة الفجئية التي أداها رئيس الجمهورية إلى هذه المنطقة، على المتساكنين..
الهدوء يخيم على المكان... الأطفال يلعبون في « بطحاء » الحي... والنساء على أبواب منازلهن... يروين حكايات لم ندقق في تفاصيلها... بكلمات غاضبة احتجّ عم حسونة ليقول « نقائص عديدة يشكو منها الحي وأولها الإضاءة العمومية... فهل يعقل أن يهتدي 80 ألف ساكن بالقمر وهم يسيروا ليلا؟...
ويضيف رائحة الفواضل تكاد تقتلنا اختناقا... والمياه المستعملة تتسرب إلى جدران منازلنا... ليس هناك لا حاويات لجمع فواضلنا ولا القنوات لتصريف مياهنا... »
ويخبرنا محدثنا أنه يقطن الحي منذ سنة 1976 ويشهد أن الحي ظل على حاله منذ تلك الفترة ويقول عن حقيقة مفاجأة لم نتوقعها... وأظن أن أمورا كثيرة ستتحسن ».
* نقائص بالجملة
حي صفر... حي صالح بن علي... حي بن حسين... حي الصاف ي وحي مراد... أجزاء « مندسة » داخل حي الجيّارة... متشابهة تسجل فائضا في النقائص... تتقدم داخل هذه الأجزاء... فيتمايل حذاؤك... خطوة... فخطوة ثانية... فثالثة مثقلة تطرح أكثر من سؤال : « هل يمكن الحديث عن غياب النادي الثقافي، والمركب الترفيهي والمنتزه والمسبح العمومي في مثل هذا الحي؟... وهل يجوز الكلام عن نوادي الإعلامية وفضاءات الشباب في حيّ يفتقر إلى حاوية فضلات !! وشارع نظيف سليم لا يمزق حذاءك ! »
« الحفر التي تنخر الطريق تمنع السيارات والحافلات والتاكسيات من دخول الحي... فنضطر للمشي مسافة أربع كيلومترات يوميا للوصول إلى طريقنا »... ثم يبتسم محرز بوهدي ليقول ساخرا « نمت عضلاتنا ونحن نمارس رياضة المشي يوميا رغم أنفنا » وتعلق جارته ضاحكة وماذا تفعل الحامل؟ !
وحدثنا السيد منجي إبراهيم خميس عن استعدادات غير عادية ارتكبتها البلدية فقامت بطريقة غير مألوفة باستصلاح الطريق الرئيسي بالحي... فصبّت التراب و « التوفانا » (الحصى) في حفره ورفعت الفضلات... استبشرنا خيرا وتساءلنا من القادم !؟
* غياب مركز للأمن ومستوصف
مثل كل الأحياء الشعبية... يشهد حي الجيارة يوميا حركة سير كثيفة... أطفال في طريقهم إلى مقاعد الدراسة... نساء ورجال في طريقهم إلى العمل...
خطوات يجب أن تسرع ربحا للساعة... لكنها قد تتوقف فجأة لتجنب المياه الراكدة والحفر وغيرها من شوائب حي الجيارة...
حي يفتقد إلى « مستوصف » فيضطر المريض إلى التنقل إلى شارنيكول أو برج شاكير... تقول السيدة مبروكة جلاصي « أعاني من الحساسية وضيق التنفس (الربو) وأحيانا كثيرة أواجه الموت فأصرف الكثير حتى أصل إلى شارل نيكول !!
مصاريف التنقل من أجل العلاج تنهكنا... وتعاني الكثيرات في حي الجيارة من الحساسية التي أرجعنها إلى الغبار الكثيف والرطوبة... حيّ يفتقد إلى « مركز أمن... فمثل كل الأحياء الشعبية يعاني م ن الانحراف وحالات السكر والعربدة... تقول السيدة فاطمة مرواني « الخوف على أبنائنا من المنحرفين أرعبنا، والتشابك بالأسلحة البيضاء والتراشق بالحجارة يجعلنا نتساءل أين مركز الأمن؟ !
حي يفتقد إلى معهد ثانوي... إذ حدثتنا التلميذة دليلة ج عن معاناتها اليومية وهي تتجه إلى معهد الزهروني...
معاناة في الحافلة وفي الطريق... وأثناء السير على ضوء القمر...
معاناة يومية... فكيف يحلم الناس في هذا الحي؟ !
المصدر : صحيفة "الشروق" التونسية 9 فيفري 2007

2007-06-22