أبنــاء الطلاق في تونس : المتألمون في صمت

 

أبناء المطلّقين المتألّمون في صمت
يدفعون أثمانا باهظة لأخطاء لم يرتكبوها

أطفال شوارع، اطفال منحرفون، وآخرون تراجع مردودهم الدراسي واصبحوا يميلون الى العنف والتشرد تلك هي صورة ابناء الطلاق أو لنقل صورة عن المخلفات السلبية للطلاق وتأثيراته على حياة الابناء الذين يقضون سنوات طويلة ممزقين بين الأم التي لا تطيق سماع اسم طليقها وبين الاب الذي يلقي باللائمة على طليقته ويتهمها بأنها السبب في خراب البيت وتشريد الابناء. وبين هذا وذاك تتموضع المشكلة الاخطر وهي تدهور علاقة الابناء بآبائهم . فلماذا يدفع ابناء الطلاق ثمن اخطاء لم يرتكبوها؟ وهل تكفيهمالضمانات التي يوفرها المشرع من حضانة ونفقة وتقيهم شرّ المعاناة النفسية؟ أم انهم في حاجة الى ما أهم من كل ذلك؟ « الأسبوعي » ارتأت ان تبحث في هذه المسألة من خلال لقائها ببعض الاطفال من ضحايا الطلاق وعدد من الاباء والامهات طرفي الطلاق تتابعونتفاصيله في التحقيق التالي :

هذا ما جناه علي أبواي..
« إنّ ابغض الحلال عند الله الطلاق.. ولكن الاقدار قضت أن أعيش وأخي ممزقين بين أم هنا في العاصمة وأب مستقر في سوسة. وبين العاصمة وسوسة رحلة عناء من الذكريات المؤلمة وفسحة في الألم الموجع بين مشاعر أم بذلت كل ما في وسعها من اجل اسعادنا والحفاظ علينا وأب يستقبلنا موليا وجهه عنا.. والمأساة انه يهدد برفع قضية ضد طليقته ان تأخرنا في القدوم ». هكذا وبهذا الألم استهل عمر الذي لم يتجاوز بعد عتبة الخمسة عشر ربيعا حديثه ليضيف : « باختصار الطلاق وتداعياته السلبية لم تترك لنا فرصة التفكير في حلول لتلافي تراجع النتائج الدراسية ولا أخفيك سرا أن قلت ان الشارع ومخاطره اصبح الطريق الاقرب والايسر للخلاص من مثل هذه المصائب وفي نظري فإن الخلاص يكمن في مجرد الشعور باللامبالاة ».
ولا تختلف حكاية عمر كثيرا عن حكاية ابتسام التي تحتفل في جانفي القادم بعيد ميلادها الثالث عشر. اذ انها هي الاخرى احدى ضحايا زواج فاشل كلل بالطلاق وخلف حيرة واستفهامات عميقة قد تكون بداية لبعض المشاكل النفسية للطفلة التي اصرت على ان تتحدث الينا بعيدا عن والدتها لتقول : « صحيح انني اجد الراحة والطمأنينة مع جدي وجدتي وخالي ورغم أني أمي لم تقصر يوما في توفير كل ما استحقه حتى انني أكاد لا اشعر بأي فوارق بيني وبين اترابي في الحي والمدرسة لكن النقص الوحيد الذي لا يمكن ان توفره لي والدتي هو الحنان الابوي. أشعر في كل لحظة انني في حاجة ماسة لتقبيل يد أبي واشعر برغبة ملحة لاستنشاق ريحه الطيب وكم احزن عندما ارى الاباء يقبلون اطفالهم كل صباح بعد ايصالهم الى مدارسهم. تتملكني رغبة ملحة في البكاء.. ابكي.. أتساءل في حيرة من امري. أليس من حقي أن اكون مثلهم؟ أليس من حقي أن اظفر بقبلة ابوية على قارعة الطريق وكل صباح أمام باب المدرسة مثل بقية الاطفال؟ لماذا احرم انا دون غيري من العيش مع ابي ولااراه الا مرة واحدة في الاسبوع؟ اي ذنب اقترفت لاحرم من حنان والدي؟ ابكي.. نعم لا أجد من متنفس لي غير البكاء وانا أقف شاهدة عن حنان ابوي فياض وتجول في خاطري اطياف حنان ابوي كنت سعدت به بالامس القريب ».
تصمت ابتسام قليلا ثم تستأنف الحديث : « الاحترام المتبادل بين والدي وعدم وجود اسباب مقنعة للطلاق تجعلني في حيرة من امري فأجدني مرة اخرى أتساءل ما حقيقة اسباب الطلاق؟ لماذا لا تعود المياه لمجاريها ؟ اتراهما يخفيان عني شيئا ما؟ »
يأس حاد واحباط شديد وبصيص أمل ورغبة جامحة في الافلات من براثن الالم هي سمات بارزة ونتائج قد تكون حتمية لاخطاء ارتكبها الازواج ليدفع ثمنها اطفال ابرياء ولسان حال الواحد منهم يقول « هذا ما جناه علي أبوي ولم أجن على أحد ».

للمطلقات رأي
لم توضح السيدة ليلى (37 سنة) اسباب انفصالها عن زوجها لكنها تحدثت عن ذلك قائلة « كان يضربني في لحظات الغضب بل يتعمد تعنيفي حتى وان لم اكن أنا من اغضبه. ولاني كنت اريد المحافظة على عش الزوجية كنت اتركه في منزلي الذي اهداه لي والدي وانتقل للعيش مع والدتي. وعندما بدأت ابنتي تكبر شيئا فشيئا قررت الطلاق حتى أتمكن من تربيتها على مبادئ سامية وقيم سمحة ومن اجل المحافظة على توازن شخصية طفلتي لم احدثها يوما عما كان يحصل لي مع والدها ولم اسع يوما لمنعه من زيارتها أو حتى اخذها معه ليوم أو يومين فمهما يكن من امر فهو والدها ولا يرضى لها الا ما أرضاه لها انا كأم ».
وتضيف ليلى قائلة : « اشعر أن ابنتي في حاجة ماسة للمّ شمل العائلة وذلك من خلال ملاحظاتها المتكررة المتعلقة بعلاقة الاب بابنائه.. وكلما حدثتها عن الدراسة أجدها منشرحة للدروس التي يقدمها لها اساتذة ذكور وتبدي بعض الملل من الجلوس الى قاعة درس تديرها امرأة.. حقا لقد اصبحت في حيرة من امري ».
سيدة هي واحدة ممن ظلمهن حظهن العاثر ورماهن قدرهن في زيجات فاشلة خرجن منها بلقب « مطلقات » وبتجارب مدمّرة ظللن يجاهدن منفردات من اجل المحافظة على استقرار اطفالهن. حدثتنا عن مأساتها قائلة : « الشك وحده هو المتهم الاول في فشل زواجي.. وانطلقت معاناتي مع زوجي منذ الاشهر الاولى لزواجنا وكنت أكاد لا اختلف معه في شيء غير أن الشك اعمى قلبه.. تصور وصلت به الدناءة الى حد اتهامي بالزنا مع عمي الذي كان يزورني بين الفينة والاخرى..
وكان كلما اجتمع باصدقائه في احد الملاهي الليلية وحدثه احدهم عن علاقته بصديقته يذهب به ظنه اني خليلة صديقه موضوع الحديث فيعود في ساعة متأخرة من الليل ويضربني ضربا مبرحا.. ورغم اني عشت طفولة اليتم بسبب طلاق والديّ والمتني قساوتها واقدر اثرها على نفوس الاطفال فإني جاهدت وتسلحت بالصبر من اجل تفادي الطلاق الا أنه لم يكن امامي حل آخر فحصل الطلاق واستقرت حياتي مع اطفالي برهة من الزمن تمكنت خلالها من ايصال ابنتي الى بر الامان بعد ان بلغت العشرين من العمر وهي الآن على مقاعد الجامعة. لكن معاناتي عاودتني مجددا مع ابني الثاني الذي بلغ الان الخمسة عشر ربيعا ». تصمت هنا السيدة لتفسح المجال لبكاء عميق ثم تقطع بكاءها قائلة « مصيبتي الآن في طفلي الصغير ربما لاني لم احدثهما عن معاناتي مع والدهما لم أحاول يوما أن اشوه صورته في عيونهما وكنت أحاول ان احسسهما ان علاقتي به طيبة ولم امنع خصوصا الطفل من الاحتكاك بوالده وزيارته والمبيت لديه. لثقتي ان الاباء لا يمكن ان يدفعوا ابناءهم لطريق السوء. وبالفعل اثرت فيه تصرفات والده سلبا حيث كان يجالس النساء ويحتسي الخمر في حضور ابنه وبذلك تغيرت تصرفاته الى الاسوأ واصبحت طلباته كثيرة وتراجعت نتائجه الدراسية وصار يعيش الفراغ لا أمل يتسلح به بل فقد الامل في كل شئ وعندما اتصلت بوالده قصد مساعدتي على ايجاد حل يقي الطفل من الانغماس في الفساد قال وفي اطمئنان انه رجل وكل ما يأتيه من افعال دليل على الرجولة فاتركيه وشأنه فمهما ضاع يظل رجلا ولا يجلب العار ».

« طاح القدر وفات العيشة »
احلام سيدة اخرى اختارت الطلاق عن طواعية وبالتراضي دون ان تضطر الى بيان الدوافع للقاضي. وعن سبب طلاقها من زوجها الذي قالت انها تزوجته بعد علاقة حب استمرت سنوات وسنوات قالت : « قبل الزواج لم اكن أبه لانعدام مسؤوليته ولا مبالاته. لكن بعد انجابي لتوأمين بدأ يكبران وثقل عليّ حمل مسؤولية المنزل وتربيتهما حاولت اصلاح طليقي دون ملل او كلل طوال عشر سنوات ولكن كما يقال فإن للصبر حدود » خصوصا ان طفلي بلغا الست سنوات وبدأت تأثيرات شخصية والدهما اللامبالية واللامسؤولة تظهر عليهما وامام اصرار والدهما على سوء التصرف وهجر المنزل صيفا لينغمس في اهوائه والعودة اليه شتاء. قررت الطلاق. والسبب ربما الاكثر اقناعا اني لا اقبل العيش مع رجل تبادلت معه العنف عملا بالمثل القائل : « طاح القدر وفات العيشة ». وعن علاقة ابنيها بوالدهما اكدت انها لم تحاول يوما منعهما من رؤيته وحتى لا تنقطع علاقتهما بعائلة والده تقول : « كل اسبوع ازور وإياهما منزل جديهما من الاب حتى احقق لهما التوازن العاطفي.
واعتبر نفسي نجحت في مهمتي باقتدار حيث انهما بلغا الآن سن الرابعة عشرة واحس انهما رجلان صالحان كما أردتهما ان يكونا وهما متميزان في دراستهما ».
 
تأثيـــــرات الطـــلاق على الأبناء..كيف يراها الآباء؟
يرى السيد صالح وهو أحد الذين يكتوون بنار فرقة فلذات أكبادهم بسبب الطلاق أن الأم بمفردها لا يمكن ان تحل محل الأب بالنسبة للطفل الذي يظل في حاجة ماسة لوالده وللحنان الابوي. اذ يقول : « ونظرا لوعيي بهذه المسألة فإني احاول أن أزور ابنتي عدة مرات في الاسبوع واحاول قدر المستطاع التقرب اليها والى والدتها واخوالها الذين لا يمانعون ان اخذها للمبيت عندي ورغم الطلاق فإني أكاد أكون موجودا بصفة دائمة في منزل عائلة طليقتي وكل ذلك من اجل ابنتي حتى أجنبها الاحساس بعقدة النقص ». اما لطفي ذلك الشاب الأنيق الذي لم يتجاوز عمره بعد الثامنة والثلاثين فقد طلق زوجته التي أحبها منذ ما يزيد عن الثماني سنوات لاسباب رفض الخوض فيها ...
يقول : « ابنائي هم قرة عيني ولو كان الامر بيدي ما فارقتهم لكن الاقدار شاءت ذلك.. واستشعر في نظرات ابنتي رغبة جامحة في قضاء بقية عمرها معي لا لسبب الا لانها في حاجة لرعاية الاب. وأتألم كثيرا عندما يسألني طفلي لماذا لا تعود الينا؟ ولانني لا أجد الاجابة المقنعة رغم اني اخبره باشياء عديدة للتهرب من الموضوع فاشعر ان أوصالي تتمزق كلما جاء موعد نهاية الزيارة ».
الصباح

2007-06-22