الكــرة خير من الدراسة : عندما تنهار النماذج والقيم

 

ظاهرة :بعد تفاقم بطالة أصحاب الشهائد العليا
هل أصبح امتهان كرة القدم افضل السبل لضمان المستقبل؟

في زمن ليس بالبعيد كان الاولياء يطمحون ويعملون على أن يتعلم ابناؤهم. فيتوخون من اجل تحقيق ذلك طرق الترغيب والترهيب ليحقق اطفالهم مطامح أبائهم ..وفي ذلك الزمن حتى الاطفال كانت أمانيهم أن يصبحوا اطباء ومهندسين وطيارين واساتذة وكانت لهم تعليلاتهم البسيطة التي تقنعهم وتبعث الافتخار في نفوس أبائهم.
 فالطفل يريد أن يصبح طبيبا ليداوي جده المريض او ليحلق في السماء ويسافر الى كل الدنيا أو مدرسا ليربي الاجيال الناشئة فهل مازالت امنيات الاطفال كما كانت من قبل؟
وهل مازال حلم الاولياء لابنائهم كما كان في ذلك الزمن القريب؟
الاسبوعي سألت بعضهم وهكذا كانت الاجابة :
لا افراط ولا تفريط
يقول المنجي (موظف) : في زمننا هذا ليست الدراسة هي الاهتمام الوحيد لدى الاولياء والابناء لتحقيق المستقبل والدخول في معترك الحياة بكل ثبات. بل أصبحت تلازمها اهتمامات اخرى كالرياضة وخاصة كرة القدم التي حققت للكثير من اللاعبين شهرة وثروة في زمن قصير. مما جعل اغلب الناس يفكرون في دخول هذه المغامرة لان طريقها اقصر من طريق الدراسة وربما واوفر.
اما بالنسبة لي فالمسألة تختلف اذ اعلم جيدا مخاطر هذه المغامرة التي يمكن أن تنتهي على اثر اصابة او فشل في توقيع احتراف لذلك اعمل على تربية ابني على واجب للاهتمام بالدراسة وتكون الرياضة هواية متممة لها ومتنفسا يروح به عن نفسه، واذا وفق بين كليهما يكون التركيز على الرياضة لانها القادرة على تحقيق الاماني في زمن قصير. واذا فشلت التجربة او انقطع حبلها تكون الدراسة المتوجة بشهادة قارب نجاة وبرّ امان يرتاح فيه ابني ويؤمن مستقبله.
لا يصح الا الصحيح
من جهته يرى المي (تاكسيست) ان الدراسة والعلم سلاح لا يصدأ الا حين يموت صاحبه. فبفضله يحقق الانسان الاطمئنان على المستقبل لذلك يقول « سعيت وكنت حازما في تربية أولادي الذين بلغوا الجامعة والسير على الدرب وبخطى ثابتة ليبلغوا بر الامان مهما طال الطريق. أما الرياضة فلا سبيل اليها بالنسبة لاطفالي وخاصة في عمر الطفولة والمراهقة وهي الآن مقتصرة على المتابعة والتشجيع لفريقهم المفضل والفريق الوطني. لانني اعتبر تشجيع الفريق القومي واجب علينا ومتابعة الرياضة سواء في الملعب او عبر شاشة التلفزيون مجرد متنفس نهرب اليه من ضغوط الحياة. كما أني اعتبر الاهمال الدراسي الذي فات حظه في صفوف تلاميذ اليوم مرده تساهل الاولياء مع ابنائهم ومسايرتهم في الاهتمام باشياء تلهيهم عن الدراسة.
والكرة استثمار
وعلى عكس حسين يذهب محمد الذوادي (فاتح ) الى أن الدراسة أصبحت غير مضمونة النتائج في زمن كثرت فيه الشهائد والديبلومات وقلت فيه الوظائف وان وجدت اصبح الراتب غير كاف لمتطلبات الحياة وهي كثيرة، لذلك يقول :« اخترت لاولادي بل جعلتهم يختارون رياضة كرة القدم، واتابع تمارينهم بالاصناف الصغرى في ناديهم الذي يتدربون فيه اكثر من اهتمامي بالدراسة التي اعتبرها وسيلة للتثقف وليست سبيلا لمورد رزق يؤمن الحياة، عكس الكرة، التي اعتبرها احدى اهم اقصر الطرق الشرعية لتحقيق ثروة تفتح باب الحياة على مصراعيه وتحقق ايضا الشهرة التي ترفع من منزلة الانسان وتسهل الحياة فالانسان الذي كسب الشهرة في مجتمعه بامكانه أن يقضي حوائجه بيسر. لذلك اعتبر كرة القدم استثمارا إن لم أجن منه الكثير. يستطيع ان يؤمن به ابنائي مستقبلهم ».
ويؤيده زهير الحمدي (عامل بمصنع) قائلا : ندمت لاني اجبرت على اختيار الدراسة التي لم أوفق بها وانقطعت عنها قبل الوصول الى مراحل متقدمة، وحرمت من ممارسة هواتي المفضلة في رياضة كرة القدم التي كنت بارعا فيها. ويزداد ندمي حين يطير من يدي راتبي دون أن احقق ما خططت له خلال كامل الشهر ». وان كان هذا رأي الاولياء فماذا يقول الابناء؟
الاختيار الحاسم
يقول بلال ساسي (لاعب كرة قدم) : كنت مشتتا بين الدراسة ورياضة كرة القدم وخاصة حراسة المرمى التي احببتها من خلال عتوقة ودينو زوف، وفي النهاية حسمت الامر وانقطعت عن الدراسة وتفرغت للرياضة وانا الآن العب مع فريق من الدرجة الثانية، ولكني اعمل جاهدا على السير قدما للعب في صنف الاحتراف وبذلك اكون قد حققت امنيتي في تحقيق مستقبلي. لان الانسان لا يستطيع أن يفلح في امرين في وقت واحد، لذلك لابد من الاختيار من البداية.
ويؤيده فاضل (12 سنة) الذي يقول « لقد فضلت الكرة عن الدراسة وأنا واثق من كوني سأنجح فيها لكني مجبر على متابعة الدرس وانا الآن في أمس الحاجة الى اتمام المشوار القصير في الدراسة لأتفرغ تماما لكرة القدم ».
خلاصة القول
ويؤكد أكثر من طرف سألناه أن الكرة توفر ما لا يمكن ان توفره الشهادة وانه بالكرة يمكن الحصول على مرتب محترم في أدنى الحالات لا يقل عن الف دينار شهريا إضافة للمنح كما أنه بالامكان الحصول على شغل في احدى المؤسسات بمرتب محترم وفي آدنى الحالات يمكن مواصلة التعليم بالمعهد الرياضي والحصول على شهادة تخول لي ان اكون مدرب رياضة بالمدارس.. وهو ما لا يتوفر اليوم لاصحاب الشهائد العليا..فهل معنى هذا اننا امام تغييرات جذرية في حياتنا بسبب صعوبة الحصول على شغل لاصحاب الشهائد العليا وسهولة الربح للاعب الكرة.. وهل ستشهد السنوات القادمة اهتماما بالاقدام اكثر من الامخاخ.. وهل ستصبح بذلك من الدول المصدرة للاعبين كرة القدم بنفس القدر الذي نصدر به زيت الزيتون... لننتظر ونر؟
المصدر الصباح 20 فيفري06
 

2007-06-22