نساء في تونس مدمنات على المخدرات ! كيف ولمـاذا؟؟؟


كوثر البرهومي
نساء مدمنات أمر قد لا يستسيغه العقل لكنه واقع معيش للاسف في بلادنا.. إذاعة « موزاييك » قدمت شهادات حية في الموضوع.. و« الأسبوعي » سعت لكشف مزيد التفاصيل حوله من خلال التقائها بالأستاذة جودة بن عبيد الطبيبة النفسانية والمسؤولة الاولى عن قسم « الانصات والوقاية والعلاج » « الأمل » وهو قسم جامعي تابع لوزارة الصحة العمومية يوجد بالمركب الصحي بجبل الوسط من أهدافه استقبال وتوجيه المسترشدين حول الإدمانوالتعهد والاحاطة بالمدمنين عن طريق عيادات خارجية أو الاقامة بالقسم إذا اقتضى الامر أو توجيههم الى مراكز طبية أخرى، ويسعى القسم كذلك الى المساهمة في الخطة الوطنية للمقاومة والوقاية من الإدمان.
في البداية تقول الدكتورة جودة بن عبيد أنّ المواد المخدرة كانت موجودة منذ قديم الزمان ولكنها كانت مستهلكة لدى فئات وطبقات محدودة، أما اليوم فقد انتشرت وأصبحت آفة تهدّد البشرية وخاصة الشباب وذلك نظرا للتطورات والانفتاحات التي عرفتها المجتمعات، وتوضح أن أسباب تعاطي المخدرات أو الإدمان عليها عديدة وتختلف من مستهلك الى آخر ويمكن ان نلخصها في المشاكل والضغوطات العائلية والاجتماعية والنفسية والعصبية والاكتئاب والتظاهر والتقليد خاصة لدى بعض الشباب والشابات. وترى أنه لمعالجة هذه الظاهرة والقضاء عليها يجب أولا معالجة مسبباتها الحقيقية وتلافيها.
  أم الأطفال أدمنت الأقراص المهدئة... والسبب زوجها
  الأب حمل ابنته وصديقها للعلاج من الإدمان ثم زوّجهما

 مشاكل وراء الادمان
 وفي هذا الاطار أوضحت الطبيبة النفسانية جودة بن عبيد أنه رغم تهاطل المكالمات عليها من طرف نساء مدمنات رغبة في العلاج الا أنهن لا يأتين بعد ذلك ففي خلال سنة 2006 مثلا جاءتها حوالي 6 نساء فقط للعلاج وذلك ربما يعود الى أنّ المجتمع أكثر قسوة على المرأة المخطئة وهو ما يجعلها اكثر حرجا لتقبل العلاج لأن ذلك يعتبر إعترافا منها بأنها كانت مدمنة.وبهذه المناسبة تدعو الدكتورة كل المدمنين والمدمنات الى التحلي بالشجاعة والاقدام على العلاج مطمئنة الجميع بأن ذلك يتم في كنف السرية التامة مضيفة أن طلب التداوي التلقائي يعفي صاحبه آليا من التتبعات القانونية حسب ما ينص عليه قانون مكافحة المخدرات . وفي هذا الاطار حدثتنا الطبيبة عن بعض الحالات من النساء المدمنات اللاتي قدمن للعلاج بالمركز.

عصيان فإدمان
 الحالة الاولى : هي لفتاة أقل من 20 سنة- أتى بها أبوها للعلاج - وهي تحيي الموقف الشجاع لهذا الأب الذي كان متفهما وسعى لانقاذ إبنته وترجو الدكتورة لو أن كل عائلة تونسية لها فرد مدمن أن تتفهم الوضعية وتقبلها بل يجب أن تقتنع بأنه مريض كباقي المرضى ومن حقه أن يعالج.
 وتواصل حديثها عن هذه الفتاة قائلة انها تعاني من بعض المشاكل والضغوطات العائلية- مع العلم أن عائلتها ميسورة نوعا ما- فقد أحبّت شابا عاطلا عن العمل ولكن أهلها منعوها من الزواج به فما كان منها إلا أن أعلنت حالة العصيان وهربت مع صديقها الذي كان بدوره متعاطيا فشاركته التعاطي الى أن وصلت الى درجة الإدمان وساءت حالتها الصحية والمادية ولم تعد قادرة على التزود بالمادة المخدرة التي تستعملها فلجأت الى أهلها طالبة منهم مساعدتها بالمال للحصول على مبتغاها فمدّ والدها يديه لها لمساعدتها ولكن على المعالجة والتداوي لتتخلص من الآفة التي كادت أن تعصف بحياتها وقد تكفل هذا الأب الشجاع بمعالجتها وصديقها ثم تزوجا بعد ذلك بمباركة كل العائلة.
ولكن المؤسف هنا أن الفتاة بعد أن تماثلت للشفاء وظن الجميع أنها كذلك عادت ثانية للتعاطي وذلك يعود طبعا الى التقصير منها ومن أفراد عائلتها الواهمين انها شفيت مع جهلهم أن « الإدمان مرض مزمن » نعم « مرض مزمن » ويتطلب المتابعة والإحاطة الطبية والاجتماعية والنفسية وسنتعرض الى ذلك في كيفية العلاج. وعادت البنت من جديد للعلاج والآن نتابع حالتها باستمرار من خلال عائلتها أولا ومن طرف الاخصائيين ثانيا وقد عهدنا الى مركز الدفاع والادماج الاجتماعي القريب من مقرّ إقامتها للإحاطة بها ومساعدتها على مجابهة مشاكلها وتخطيها بصفة طبيعية سليمة أو السعي الى إنهاء أي نوع من المشاكل من شأنه أن يعكّر صفوها.

أم مدمنة
 حالة أخرى لامرأة في الخمسين من عمرها تعاني حالة صداع دائم وأرق وضغوطات نفسية وعصبيّة شديدة بسبب إدمان زوجها على القمار واهداره للمال في ذلك وكان يفتك منها مالها الخاص ليصرفه في لعبة « القمار » وحاولت عديد المرات أن تثنيه عن صنيعه ولكن ذلك لم يجد معه نفعا ولم تقدم هذه الزوجة على طلب الطلاق أو تقديم قضية ضده بما أنه مقامر خوفا على أطفالها فصبرت وصابرت من أجلهم لكن ذلك ولد لديها حالة من الاكتئاب واليأس والاضطرابات النفسية ولتخطي هذه الحالة التجأت الى استعمال الحبوب المهدئة التي تحتوي في حقيقة الأمر مواد مخدرة وتعودت على استعمالها حتى وصلت درجة الإدمان ووجدت نفسها تهرب من مشكل الى مشكل آخر أكثر خطورة.
 والجدير بالملاحظة أن هذه المرأة قدمت الى قسم الامل واستشارات ولكنها لم تعد للعلاج لانها لا تستطيع أن تترك أطفالها وعملها الذي تقتات منه كل العائلة كما أنه لا توجد أي صبغة إلزامية تفرض عليها ذلك لأن من أهم شروط العلاج هو الاقتناع الشخصي فمثلا هناك عديد الحالات الذين كانت عائلاتهم ترغب في معالجتهم ولكنهم رفضوا وكان لهم ما أرادوا.

 زوج مشكاك
 أما الحالة الثالثة فهي لامرأة تفوق الخمسين من عمرها لها زوج مريض بالشك فهو دائم الشك في سلوكها وتصرفاتها ويعنفها باستمرار ويحاصرها بأسئلته وأوهامه التي لا تنتهي مما خلق لديها حالة اكتئاب وأرق وضغط عصبي عميق وأصبحت سريعة الانفعال والتوتر فوجدت في الحبوب والادوية المهدئة حلا لتخطي حالتها وتواتر استعمالها حتى درجة الإدمان وعوض أن تداوي نفسها كادت تغرق إذ ساءت حالتها وكادت أن تعصف بحياتها وبعد سنوات وبعد أن كبر أطفالها عندها فقط جاءت الى قسم « الأمل » للمعالجة وأقامت به شهرا كاملا وتمتعت بالاحاطة الطبية والنفسية والاجتماعية وحاولنا إبعادها ولو لفترة محدودة عن منزلها وعن الاجواء المشحونة بسبب الزوج ووجدت هذه المرأة في اصدقائها الحضن الدافئ إذ ساعدوها كثيرا في عملية العلاج. وتوضح الدكتورة أنه في مثل هذه الحالات فالحل لا في تناول الأدوية والمهدئات بقدر ما هو في حل المشكل الاساسي الذي دفع الى الادمان.

دراستان
كما أضافت الدكتورة بن عبيد أن قسم « الأمل » أعدّ خلال سنة 2006 دراستين :
 - الاولى حول الاطفال الذين حوكموا لأسباب أو جنح أخرى غير استهلاك المخدرات ومع ذلك ثبت أن جل هؤلاء الأحداث يتعاطون المخدرات أو أدمنوا عليها بما في ذلك الفتيات الصغيرات السن (أقل من 17 سنة) وتبين أن أكثرهن لهن مشاكل عائلية ومورس عليهن العنف بأنواعه كالاغتصاب والتعنيف الجسدي والطرد من المنزل فوجدن أنفسهن في الشارع تائهات وخالطن « أصحاب السوء » إنّ صحّ التعبير ووصلت حالتهن الى ما لا تحمد عقباه. أما الدراسة الثانية فقد ركزت على مجموعة من النساء حوكمن بسبب استهلاك أو تجارة المخدرات وقد ثبت من خلال هذه الدراسة أنّ نسبة كبيرة منهن تعرضن بدورهن الى كل أساليب العنف والتعذيب والاهانةوعانين حالات التشتت أو الفشل أو الخصاصة والاحتياج. وقد بينت محدثتنا أن هؤلاء النساء- وهنّ في الغالب دون الثلاثين سنة- يقع استغلالهن جنسيا ثم بعد ذلك تمارس عليهن ضغوطات للتوسط في تجارة المخدرات إذ يوجد بعض الرجال يستغلون حالة ضعفهن لتحقيق مآربهم خاصة بعد أن تتحول هؤلاء الفتيات الى مدمنات وليحصلن على الجرعات المخدرة عليهن أن يستجبن لكل ما يطلب منهن. وتؤكد الدكتورة في هذا المجال انه لمعالجة هذه الآفة أي آفة المخدرات لدى النساء أو غيرهم يجب أولا وقبل كل شيء القيام بحملات تحسيسية للوقاية والحث على معالجة الاسباب الحقيقية الكامنة وراء ذلك.
المصدر الصباح

2007-06-22