حكايات أناس في تونس حرمهم الفقر من الزواج !!!

 

« العـزوبيـة » والمسنون :

مفيدة القيزاني 
 لقد مثّل « الزواج » في الذهنية الشعبية هدفا اساسيا ومطلب كل العائلات حيث نجد الام تؤهل ابنتها منذ نعومة اظافرها من خلال اعداد « الجهاز » هذا من الناحية المادية، واما من الناحية النفسية فنجد مصطلحات عديدة تتردد ولكن معناها واحد مثل « السعد » و« المكتوب » و« بنت الحلال » و« ولد الحلال » و« ليلة العمر ».. وغيرها. ولكن وعلى الرغم من ان الزواح غاية ملحة لدى العائلات الا ان هناك من اختار « العزوبية » ليشق رحلة العمر بمفرده ويتذوق الافراح والاحزا لوحده.
 
عمره 81 سنة وليس نادما على اختياره العزوبية
اسمه محمد فوزي وسنه 81 عاما لم يتزوّج في حياته قط وركب قطار العمر منذ عنفوانه، وخير ان يقوم بهذه الرحبة بمفرده دون ان تشاركه رفيقة درب، ودون ان يدغدغه شعور الرغبة في ان يكون أبا، وها هو يسرد تجربته فيقول : « عمري الان 81 سنة ولي 3 اشقاء ولم افكر في العيش معهم لاني اعشق الاستقلالية قضيت بداية حياتي مع عائلتي ولكن الفقر كانت انيابه حادة ونجحت في الفتك بي، وعشت على أمل ان تتحسن ظروفنا الاجتماعية وأتزوّج، ولكن سرق مني الزمن اجمل سنوات العمر ووجدت نفسي غير قادر على تكوين أسرة وفضّلت تحمل الفقر لوحدي لكي لا أظلم أحد، وفعلا عشت حياتي دون زواج ولم اشعر يوما بانه ينقصني اي شيء، خاصة انه كانت لي هواية اعشقها وهي الرسم، ففيه افرغ كل ما بداخلي لاشعر بعد ذلك بالراحة.. وقد حاولت تحمل مسؤوليتي والانفاق على نفسي دون اللجوء لأحد، الى ان احسست باني غير قادر على مواصلة المشوار فاخترت الاقامة بدار المسنين بمنوبة حيث وجدت كل الحب والرعاية من قبل جميع الاطراف وانا اقيم فيها منذ 3 اعوام ولا يزورني أحد، وبالرغم من كل ذلك فلست نادما على حياة العزوبية ».
خُطبت مرة واحدة ولم تتزوج بعدها
تجربة اخرى مع « العزوبية » عاشتها الحاجة « حبيبة » عمرها 79 سنة، وهي لم تختار ان تظل عزباء حتى هذا العمر، ولكن ظلمها القدر ولم يمنحها زوج يرعاها ويتحمل مسؤوليتها، وتحدثت عن تجربتها قائلة : « أنا لم أختر « العزوبية » لان الدفء العائلي لا يعوضه شيء، وبالنسبة للمرأة الزواج ضروري، وبالنسبة لي خُطبت في شبابي مرة واحدة ولكن الحظ لم يحالفني، ولم أُخطب مرة اخرى الى ان مرت سنوات العمر وتوفي والديّ، واحسست ساعتها بقيمة الرجل في حياة المرأة، لاني تعرضت للازدراء وسوء المعاملة من قبل الاقارب، فلا أحد يشعر بحالك ولا أحد يمنحك الحنان ».
فشل في حب كبير فاختار « العزوبية »
لئن كانت « العزوبية » اضطرارا بالنسبة لمحمد فوزي وحبيبة فانها اختيار لدى الحاج عمر سليمان وعمره 71 سنة لان هذا الرحل اقسم ان لا تشاركه حواء حياته بعدما فشل في الزواج بمن احبها وها هي تفاصيل تجربته كما وردت على لسانه : « عشت في كنف عائلة مستورة الحال واحترفت صنعة « الشواشي » ولما بلغت سن الرشد خفق قلبي لفتاة واحببتها حبا كبيرا ولكن عائلتي رفضت زواجي منها على الرغم من اصراري على الاقتران بها ولكنني فشلت في اقناعهم، فعزفت عن الزواج واقسمت على ان لا اقترن باية امرأة اخرى، وخرجت من المنزل فتعرضت لحادث جعلني اقضي 5 سنوات بمستشفى الامراض النفسية، قضيتها بعيدا عن عائلتي وعن الحياة الخارجية بصفة عامة وبعد الخمس سنوات خرجت لأُصدم بالواقع فقد توفي والديّ وهاجر اخوتي الى خارج ارض الوطن وتشتت شملنا، وبقيت وحدي لا أخ ولا ابن ولا زوجة، ومع ذلك فلست نادما لان ما فاتنا قد فات وانتهى ».

رأي علم الاجتماع : العزوبية اختيارية لدى الطبقة المثقفة وتنخفض في الأرياف
« العزوبية » لدى المسنين من المسائل التي تقف وراءها عوامل اجتماعية ولمعرفتها اتصلت « الصباح » باخصائي علم الاجتماع السيد محمود الذوادي فرأى ان المسنين العازبين يمكن تقسيمهم الى قسمين فمنهم من اختار ان يقضي حياته بمفرده دون ان تشاركه فيها زوجة ولا أبناء ونجد هذه الفئة لدى الطبقة المثقفة والذين لا يتخذون قراراتهم المصيرية الا بعد تفكير وهذا يدخل في فلسفة الشخص وكيف يرى مصير حياته، وترتفع نسبة هؤلاء في الغرب، ولا ننفي وجودها في بلادنا لانها بدأت تنتشر بين اصناف المتعلمين والمتعلمات وهناك الصنف الثاني وهم الذين لم يختاروا « العزوبية » وانما اجبرتهم الظروف الاجتماعية كالفقر وكذلك تحمل المسؤولية كأن نجد الشقيق او الشقيقة الكبرى ضحت بشبابها في سبيل تربية اخوتها اليتامى الى ان يسير طريق العمر سريعا ولا يجد ذلك المٌضحي نفسه الا وقد صار شيخا وحيدا اعزبا ونفس الشيء بالنسبة للمرأة.
و« تنخفض نسبة العزوبية في الارياف وذلك لان المحيط الخارجي يشكل نقطة ضغط كبيرة على الشباب ويدفعهم للزواج بحكم ان الناس في الارياف يحاسبون الاعزب او العزباء اكثر من اي شخص آخر، كما ينظرون له نظرة ازدراء. وفي المقابل ترتفع نسبة العزوبية في المدن لان في المدينة يتمتع الانسان بحرية اكبر وهذا ما نشاهده في بعض السلوكيات الاخرى والتي لا نجدها في الارياف.
وفي المدينة يجد الانسان نفسه غير مقيد لا بضغوطات ولا بعادات ويمكن ان يختار « العزوبية » دون ان يحاسبه احد.
وبالنسبة للمرأة فهي ايضا اصبحت تختار ان تعيش وحدها عزباء دون ان يحاسبها المجتمع على الرغم من انها الكائن المحتاج اكثر للزواج في مجتمعنا او في غيره، وهذه الحرية في الاختيار يمكن القول بانها ساهمت في ارتفاع نسبة « العزوبية »
المصدر الصباح

2007-06-22