ظاهرة الشيشة وخطورة عدوى السل



عدوى السلّ تتسرّب عبر الشيشة



الكشف عن بعض « معمّري الشيشة » مصابين بالسلّ وحالات مرضية أخرى


تحقيق آمال الهلالي
 مهنة المخاطر
قد يحلو لبعضهم الاشتغال بها لأنهم يدخنون مجانا وقد يبدؤون العمل بها فيدخلون مرحلة الادمان.. بعضهم يقول وكان غضا بدأ عمله من أشهر في كل ليلة « أعود إلى بيتي أترنح وكأني سكران وما أنا بسكران ولكن كثرة تدخين الشيشة تمنحني هذه اللذة التي أعرف مضارها لكن ما العمل ».
 المهنة تعمير الشيشة بالمقاهي وهي ظاهرة ملفتة للنظر لكثرة الشيشة بالمقاهي والمهمة تنظيف الشيشة وتعميرها وإشعالها « بالجبد » المستمر الذي « يجبد » معه ما شاء الله من الغاز الكربوني المتأتي من الفحم إلى حين تأثير النار على المعسل.. ثم تراه يدور بكانون خاص يحمل الولعة لمن يريد نارا.. ومن يطفىء النار التي بداخله؟.
 .. هكذا على امتداد ساعات الليل والنهار من الفجر إلى فجر الغد تعمل هذه الفئة التي تتهددها المخاطر وتهدد الناس بعديد المخاطر.

 150 شيشة في اليوم الواحد
 فتحي يبلغ من العمر 34 سنة ويعمل « صانعا » في أحد المقاهي بالعاصمة منذ 10 سنوات وقد اختــار هــذه المهنــة بمحض إرادته وحين سألناه عن عدد « الشيش » التي يقوم بتعميرها في اليوم الواحد أكد لنا بأن عددها بلغ في عديد المرات ما يناهــز الـ150 شيشــة وإن بـــدت عليه علامات التعب والارهاق إلا أنه يرفض أن يغير هذه المهنة مع العلم أنه لا يدخن أو « يشيش » خارج إطار العمل..
وعن علاقته بالزبائن يقول محدثي « احترام متبادل يسود علاقتي برواد المقهى وهناك من الناس من يطلبون أن « أعمر » لهم بنفسي الشيشية بعناية أكبر.. أما حسام ورغم صغر سنه - إذ لم يتجاوز الـ21 سنة وله أقدمية في العمل في هذا المجال تعود إلى 5 سنوات - فإنه يرى أن هذه المهنة متعبة للغاية ولا شيء يضمن له سلامة صحته زد على ذلك الضمانات الاجتماعية الاساسية... لكن « الخبزة مرة » كما جاء على لسانه ويشير محدثي أنه يقوم بتحضير ما بين 30 إلى 35 شيشة في اليوم الواحد ورغم وعيه بخطورة الشيشة على الصحة إلا أنه مجبر على امتهان هذه المهنة لاسباب مادية بحتة.

 أمراض صدرية
 حالة عدنان تختلف عن حسام وفيصل وفتحي فقد أثرت الشيشة كثيرا على صحته ولزم المستشفي لأشهر لعلاج مرض صدري أصيب به خاصة أنه يعمل قهواجي منذ 8 سنوات وبعد أن تعافى قام بفتح مقهى على حسابه الخاص ورجع إلى عادته القديمة و« ما باليد حيلة » كما يقول حيث أنه يضطر في كثير من الأحيان لمساعدة صناعه عندما يبلغ الاقبال على الشيشة ذروته ورغم وعيه بالخطر المحدق به من كل جانب إلا أنه ترك أمره للقدر..
أما لزهر الذي وصلت خبرته في هذا المجال الـ22 سنة فقد اعترف لنا أن هذا العمل « سقوط صافي » وقد أجرى عمليتين جراحيتين على رجليه نتيجة وقوفه لساعات لخدمة الزبائن أما فيما يخص حالة جهازه التنفسي فيقول محدثي « أحس أحيانا بسعال وضيق تنفس لكنه ليس بالامر الخطير والأعمار بيد الله في نهاية الامر » ويشير محدثي أن هناك كثيرا من اصدقائه غيروا هذه المهنة بعدما أصيبوا بأمراض رئوية كالفدة والتهاب الرئة وضيق التنفس.

أنا وزوجتي والشخير
 حالة محمد بن حمزة مضحكة ومبكية في الآن نفسه فهو يعمل بأحد المقاهي منذ 19 سنة ومتزوج وأب لثلاثة أطفال لذلك فهو مجبر على امتهان هذا العمل لكسب المال وتأمين حياة أفضل لصغاره والطريف في الامر أنه صار يشخر في الليل بشكل مستمر الامر الذي أزعج زوجته التي طلبت منه أن يقوم بزيارة طبيب وقد أخبرنا محمد أنه بلغ به الامر إلى حد تعمير 140 شيشة يوميا خاصة في شهر رمضان وحين يعود إلى المنزل يحس بدوار وفدة كبيرة ورغم محاولته تغيير المهنة حيث عمل كحارس ليلي في ثلاث مناسبات غير أنه عاد مجددا لمهنته القديمة ويقول محدثي بنبرة حزينة « نحن صناع المقاهي لا نملك ضمانا اجتماعيا أو ضمانا على حياتنا رغم تعرضنا بشكل مباشر للأخطار والامراض بسبب دخان السجائر والشيشة والاعراف يرفضون توفير أي ضمان الامر الذي يجعلنا مهدددين في أي لحظة للطرد وللمــرض، فهل من مساعدة »...؟؟

 رأي الطبّ ...« القهواجيّة » وراء نقل السلّ وانتشاره
 انتقلنا في إطار تحقيقنا إلى مستشفى عبد الرحمان  مامي للامراض الصدرية بأريانة أين التقينا هناك ببعض الاطباء وقد أكد لنا الدكتور اسكندر بن يحمد أنه باشر حالتين « لصناع » مقاه قدما للعلاج من ضيق التنفس والحرارة وتبين بعد اجراء التحاليل أنهما يعانون من مرض « السل » عافانا وعفاكم الله الاول كان يعمل في أحد المقاهي بحي النصر أصيل ولاية الكاف وعمره 33 سنة وقد جاء يشتكي من حرارة وبعض الآلام وظل لمدة أسبوعين في المستشفى وبعد تلقيه العلاج اللازم تعافى وعاد إلى منزله أما الثاني فهو يعمل أيضا « صانع قهواجي » في مقهى بالعاصمة وأبلغنا أنه يقوم بتعمير الشيشة بشكل يومي للزبائن الامر الذي أثار خوفنا لأنه قد يكون نقل العدوى إلى العديد من الاشخاص على اعتبار أن مرض السل هو من الامراض الجرثومية ومن السهل انتقال العدوى عن طريــق التنفــس خاصــة أن المصاب يقوم بجذب الدخان والنفخ ولمس الشيشة بفمه قبل أن يقدمها للزبائن.
 .. وإن استطعنا في مرحلة ثانية السيطرة على المرض بعد أن اكتشفنا أن اصدقاءه الذين يقطنون معه في نفس المنزل أصيبوا إلا أننا نجهل عدد الاشخاص الذين انتقل إليهم المرض ومن موقعي كطبيب أوجه نداء عاجلا لاصحاب المقاهي كي يقوموا بفحص طبي دوري « للقهواجي » وآخر قبل مباشرته للعمل للتأكد من عدم حمله للجرثومة وفي الواقع أن السل في بلادنا منتشر بشكل كبير ففي ولاية أريانة مثلا بلغ عدد المرضى بهذا الداء من سنة 2003 إلى 2005 - 100 حالة.

 لماذا لا يصنف مرض السل ضمن لائحة الامراض المهنية..؟ !
 كما كشف لنا الأستاذ علي بن خذر رئيس قسم الامراض الصدرية بمستشفى عبد الرحمان مامي أن مضار الشيشة وعلى عكس ما يعتقد البعض تفوق بكثير مضار التدخين لأنها تحتوي على غاز « أوكسيد الكربون » الذي يصيب مباشرة الجهاز الدماغي قبل الجهاز التنفسي والرئتين فضلا عن تسببها في التعفنات الجرثومية التي تفتك بالرئتين وتشكل أرضية ملائمة لظهور بعض الامراض كالفدة وضيق التنفس وخاصة « السل » ويرى محدثي أن من الاسباب التي ساهمت في انتشار مرض السل في صفوف هذه الفئة هو عدم تنظيف ماعون الشيشة بشكل جيد والاكتفاء بغسلها بالماء وإضافة قطرات من الجافال مما يضعف نسبة الكلور في الغسيل مع غياب طريقة صحية ومعقمة للغسل، ويقول الاستاذ نملك الأرقام والاحصائيات التي تمثل دليلا طبيا قويا يؤكد تورط « القهواجية » في نقل عدوى « السل » أو مساهمة هذه المهنة بشكل مباشر في ظهور هذا المرض في حين نقر هنا من خلال معاينتنا لحالات عديدة من هذه الفئة أنهم أكثر الاشخاص الناقلين لعدوى المرض، والمشكل يكمن في أن الامراض المتأتية من تدخين الشيشة يتطلب ظهورها أعواما وأعواما تصل إلى 15 سنة للتأكد من أن ادمانها يؤدي إلى أمراض مزمنة. لكن مرض « السل » هو المرض الوحيد الذي تظهر أعراضه على مدى قصير وعلميا وللاسف لا نستطيع أن ننصف هذه الفئة من الطبقة الشغيلة ونصنف هذا المرض كمرض مهني لأنه لا يوجد ربط علمي بين العمل في المقاهي ومرض السل بالتالي لا يمكن تصنيفه ضمن لائحة الامراض المهنية لأن الامراض المهنية ذات شروط تتم عن طريق التحقيق الطبي أي إظهار أن هذه المهنة تؤدي بشكل مباشر إلى ذلك المرض ومن هنا نطرح السؤال لماذا لا يقوم معهد الصحة والسلامة المهنية بدراسة حول هذا الموضوع عساه ينصف هذه الفئة من العمال الموجودين في دائرة الخطر؟
المصدر : جريدة الصباح



 


2007-06-22