عقوق الوالدين في تونس وقصص يشيب لها الوِلدان

 


تفاقم الأزمة الأخلاقية في تونس : عقوق الوالدين وقصص يشيب لها الولدان...
 


أبناء عاقون.. وآخرون هجروا أولياءهم منذ عشرات السنين... وآباء يضحّون ويصفحون

مفيدة القيزاني


الأسرة هي الركيزة الأساسية لبناء مجتمع سليم ومتوازن لما لها من تأثير عميق في تربية الناشئة، ولكن وللأسف هناك اسر تعاني من مشاكل التشتت فتجد الاب يضحي والابن عاق، والاب يدفع سنين حياته والابن يتخلى عنه في كبره وهناك حالات فيها الاباء ظلمة ولكن تبقى حالات شاذة، وهناك من ابعدهم القدر عن ابنائهم...وفي هذا التحقيق سنتطرق الى مختلف هذه المسائل مع رأي القانون خاصة حول مسألة العقوق وراي الطب النفسي...


يقتل امه بسبب المال
هذه الحادثة الاليمة حدثت بجهة الدهماني من ولاية الكاف الضحية ام كانت تعيش مع ابنها وعاد في احد الايام بحالة سكر وطالبها بالمال ولما نهته عن مخالطة اصحاب السوء دفعها بقوة فماتت بعدما اصيبت بنزيف حاد، وحكمت ابتدائية الكاف بسجن المتهم 10 اعوام، ولكن هل تعيد سنوات السجن الحياة لهذه الام وهل يمكن ان تمحو من ذاكرة الانسانية اقدام ابن على قتل امه؟ قطعا لا


ابن يقتل امه بيد « مهراس »
ضحية اخرى دفعت حياتها ثمنا لخوفها على مصلحة ابنها تلميذ الباكالوريا الذي رفض اجتياز الامتحان ولما اصرت امه على معاتبته التقط يد « مهراس » واصابها في راسها فلفظت انفاسها


ابن يقتل والده من اجل « الرزق »
هذا الابن تربص بوالده ولما تاكد من خروج شقيقته التي تعيش مع والده دخل عليه في غرفة نومه وتناقش معه حول المنزل و« الرزق » وعدة امور اخرى ثم استل مناديل وشد وثاقه وخنقه الى ان اسلم الروح ابن يقتل امه لانها تعطيه 100 دينار كمصروف يومي. هذا الابن هو ايضا سدد لوالدته 20 طعنة في انحاء متفرقة من جسدها لانها تملك ملعب « بولينغ » وتعطيه يوميا 100 دينار كمصروف جيب ذلك المبلغ لم يعجب الابن فقرر التخلص من امه هؤلاء الأبناء شكل حضورهم في حياة ابائهم مأساة، لان كل انسان يتمنى ان ينجب خليفته ولكنه لا يتمنى ان يموت على يده.


أ بناء خرجوا من حياة آبائهم وآخرون أبعدتهم الظّروف هناك أبناء كان دورهم سلبيا في حياة آبائهم أو أنهم خرجوا من حياة آبائهم وانقطعت صلاتهم بهم وكأنهم لم يولدوا ولم تكن لهم صلة بمن كان سببا في وجودهم في هذه الحياة، وآخرون أبعدتهم الظروف عن حضن آبائهم وأمهاتهم.


« الصباح » بحثت في هذه المسألة ورصدت بعض الحالات.


أب لم ير أبناءه منذ 46 عاما
السيد عمار الماكني عمره 69 سنة عاش تجربة مؤلمة مع أبنائه ومازالت ذكراهم حية في عقله وقلبه فقد تزوج وأنجب الأبناء ولكنه انفصل عن زوجته بالطلاق فحرمته من أبنائه الثلاثة (بنتان وولد) وحسب ما ذكره فقد أوغرت زوجته صدورهم ضده وأفهمتهم أنه أب سيء وأخذتهم منه ولم يرهم أويسمع عنهم منذ 46 عاما. هذا الأب حاول إعادة بناء حياته من جديد وتزوج بامرأة تصغره بسنة واحدة وحدث ذلك الارتباط سنة 1981 ولكنهما لم يرزقا الأبناء وكافحا معا الى أن أرهقتهما الأيام وفي نهاية المطاف التحقا بدار المسنين بمنوبة أين وجدا العون والمساعدة وخصصت لهما الدار بيتا مستقلا يجمعهما معا ».


خال يتسبب في تشتت أسرة
هذه التجربة عاشتها الحاجة « أم السعد » عمرها 90 سنة، توفي زوجها وترك لها رضيعا، ومنزلا فخما بباردو ولكن شقيقها تلاعب بها وسجل المنزل باسمه، ولما حقق غايته طردها الى الشارع فعانت وتسوغت منزلا مع الجيران، وخرجت للعمل بعدما كانت ميسورة الحال، الى أن علمت ابنها وربته تربية جيدة، فقرر الهجرة الى ايطاليا ليحسن من ظروف عيشهما وفعلا سافر وتزوج وأنجب طفلا وكان يزور أمه أيضا ولكن حسب ظروف عمله.


العقم حرمها من طعم الأمومة
على الرغم من أخطاء الأبناء فإن انجابهم غاية ملحة لدى كل الآباء والأمهات، والعقم لا يحبذه أحد.والحالة التي رصدناها في هذا الاطار حالة امرأة تدعى الحاجة ظريفة عمرها 70 سنة أصيلة مدينة سليانة تزوجت ابن عمها ولكنهما لم يرزقا الابناء وعاشت في كنف زوجها الى ان أخذته يد المنون. فظلت المرأة وحدها طوال 5 سنوات وغياب الأنباء في حياتها شكل مأساة كبيرة لأن المرض أخذ منها مأخذا ولم تجد لها من سند فحتى زوج شقيقتها رفض استقبالها في منزله. وفي نهاية المطاف دمرتها الوحدة واقعدتها الشيخوخة والمرض فاختارت الالتحاق بدار المسنين لتنهي بقية عمرها، وحين التقيناها تحسرت على عدم انجاب الابناء ولكنها حمدت اللّه لأنها وجدت الخير والرحمة لدى العاملين في الدار.


أبناء يشتكون ظلم آبائهم
قد لا نصدق أن في الحياة ابا ظالما او اما متسلطة، لان قلب الام معروف بفيض حنانه نحو الابناء، ولكن تبقى هناك استثناءات ليس في مجتمعنا فحسب وانما في كامل انحاء الدنيا، وسنتحدث عن بعض النماذج والذين امتنعوا عن مدنا بصورهم.


محرز شاب يعمل اطارا بمؤسسة عمومية سرد لنا تجربته مع ظلم امه وابيه فقال : « تزوجت خلال الصائفة الماضية وقد ارتبطت بزوجتي منذ سنتين كفترة خطوبة وكانت والدتي تعاملها معاملة جيدة ولكن وقع المنعرج منذ اول يوم في زواجي، وقد لاحظت ذلك فأنا اقطن في الطابق العلوي وفي اليوم الاول للزواج جاء اصهاري ولكن والدتي لم تصعد لتمنئتي فنزلت بنفسي فوجدتها غاضبة بدون سبب.. ومن يومها تغيرت معاملتها لي ولم يتوقف الامر عند ذلك الحد واصبحت تحرض والدي.


ابي يعتدي بالضرب على زوجتي بعد أيام من الزواج
ويواصل محرز قائلا « واصلت والدتي سوء معاملتها لي ولشقيقي ايضا بعد ما عقد قرانه واصبحت تلح عليه ان يطلق زوجته، وما هو اشد ايلاما في كل ذلك انه وفي احد الايام التي تلت زواجي كانت زوجتي تنظف المنزل فصعد والدي ومباشرة انهار عليها ضربا واسقطها ارضا وسدد لها سلسلة من اللكمات والركلات واسمعها كلاما بدعوى ان بعض القطرات من الماء بللت بهو منزله، ثم فوجئت به يشتكيني في عملي ». أنا فعلا في حيرة من امري خاصة في هذه الفترة التي اصبح فيها والدي يشوه سمعتي وسمعة زوجتي لدى اصدقائه فظروفي لا تسمح لي بالكراء، اضف الى ذلك فالطابق العلوي هو ملك لي ووالداي لا يرغبان في دخول متسوغ غريب أنا فعلا حائر ». وليس محرز هو الوحيد الذي تذمر من معاملة والديه بل هناك عديد الحالات منها من اشتكى من التمييز بينه وبين اشقائه ومنها من قال بأن والدته رمته وراء القضبان لتتشفى في زوجته. ومنها من قال بأن امه تخلت عنه في طفولته.. ولكن تصرفات الاباء والامهات على هذا النحو من المؤكد ان تكون وراءه اسباب وعوامل نفسية وظروف اجتماعية تجعل الام تحقد او تسيء الى جزء منها ألا وهم الابناء.


رأي الطب النفسي
تغييـب دور الأم والتنـاقــض فـــي تصرفاتها من أهم أسباب سلوك الأبناء


اتصلت « الصباح » بالاخصائي النفساني الدكتور عبد الستار الفيتوري فحدثنا عن توتر العلاقةبين الابناء والآباء وتحديدا مسألة العقوق التي باتت ظاهرة متفشية في المجتمع ويرى ان : « هناك العديد من العائلات التي تغيب الاب على الرغم من حضوره جسديا الا انه يكون محل احتقار من طرف الزوجة والابناء وذلك يكون في حالات الطلاق او يكون الاب معاق او مدمن على الكحول وفي كل هذه الحالات فهو لا يقل رمزا للسلطة او للقانون داخل البيت، وذلك ما يولد اضطرابا لدى الابناء فيصبح القيام باهانة والده او ضربه امرا طبيعيا.


وبالنسبة للأم تكون تصرفاتها مع ابنائها مضطربة وتجمع التناقضات من التسامح المفرط الى العدائية والرفض ومن العاطفة المبالغ فيها الى البرود التام ومن التشدد القاسي الى التفريط في المبادئ او حتى التعاون بين الخط وهذا التناقض يميز العلاقة بين الام وابنها من الصغر حتى التقدم في السن.


خصائص الابن العاق
1) العنف والعدائية : يترجم هذا السلوك بالعراك وبتكسير تجهيزات المنزل والهروب من العائلة وفي بعض الاحيان يمارس هذا الابن العنف ضد ذاته كمحاولة الانتحار او تشويه جسده او السياقة بتهور، وما تجدر الاشارة اليه ان هذه التصرفات العدائية لا يصاحبها شعور بالذنب او الندم.


2) عدم الاستقرار : يظهر على المستويات العاطفية والمهنية والاجتماعية والنتائج سلبية على جميع هذه المستويات لان الهدف الذي يبتغيه هذا النوع من الاشخاص هو التحقيق الآني للرغبة.


3) عدم قراءة العواقب : تبقى التصرفات العنيفة غير محسوبة النتائج هي الطريقة الاساسية في التعبير والتصرف لانه لا توجد امكانية في التأخير او الغاء تحقيق الرغبات مهما كانت العواقب.


العنف تجاه الخلف
هذا العنف باتي عادة كردة فعل على عدم تلبية رغبات آنية او عند تشابك مصالح نفسية او تحت تأثير الخمر او عند بعض المدمنين على الكحول او المخدرات الذين لا يستطيعون بحكم تكوين شخصيتهم او يؤجلوا تحقيق رغباتهم.والملفت للنظر انه نادرا ما يشتكي الخلف للسلطات وعندما يقع هذا سرعان ما يتراجع الولي ويسقط حقه وبهذا يمنعون اصلاح الابن ليتحمل مسؤوليته ويدفع ثمن خطئه.


رأي القـــانــــون
عقاب العاق بعامين سجنا مع الخطيّة... ولا تأثير للإسقاط إذا ما أحدث السلف عاهة بخلفه


اتصلت « الصباح » بالاستاذ مراد العياري المحامي لمعرفة رأي القانون في مسألة العنف المسلط من الأبناء على الآباء، فأجابنا على النحو التالي : « باعتبار أن القواعد القانونية في جوهرها قواعد سلوكية عامة ومجردة وملزمة تعمل على تنظيم سلوك الافراد والمجتمعات في جانب مهم منها انطلاقا من طبيعتها الاخلاقية وتأثرها من جهة اخرى بالقواعد الدينية فقد كان التشريع التونسي غير مخالف لهذا النهج فيما يتعلق بتنظيم العلاقات التي تحكم السلف بالخلف أو بعبارة أوضح الآباء بالأبناء ورتب على السلوكات الشاذة التي يمكن أن تصدر عن الأبناء جزاءات متعددة فحرم بذلك كل اعتداء يتسلط على الوالدين بل وعمل المشرع التونسي على أن يرتب الجزاء المناسب على هذه الأفعال المشينة المستهجنة أخلاقيا ودينيا.


وفي هذا السياق انتهجت احكام المجلة الجزائية في تونس نهجا متشددا في التصدي لظاهرة الاعتداء بالعنف في هذه الصورة المخصوصة وجاء بالفصل 218 من المجلة الجزائية في فقرته الثانية انه « اذا كان المعتدي خلفا للمعتدى عليه أو زوجا له يكون العقاب بالسجن مدة عامين وبخطية قدرها ألفا دينار » وقد عمل المشرع على أن يشدد العقاب بالنظر الى صفتي المعتدى عليه والمعتدي ».


إلا أن القانون لم يتناس الحرص على المحافظة على الروابط الأسرية لذلك مكن السلف أي الأب أو الأم من التحكم في الدعوى العمومية وهو توجه رغب من خلاله المشرع في الأخذ بهذا التوجه الانساني عوضا عن التمسك بضرورة الزجر والردع من خلال ما نصت عليه الفقرة الرابعة من الفصل 218 من المجلة الجزائية المنقحة بالقانون عدد 72 لسنة 1993 المؤرخ في 12 جويلية 1993 من أن « اسقاط السلف المعتدى عيه حقه يوقف التتبعات او المحاكمة أو تنفيذ العقاب ».


ومع ذلك فإن اسقاط احد الوالدين عندما ينتج عن اعتداء أحد الأبناء سقوط أو عجز مستمر أو قطع عضو من البدن أو جزء منه او انعدام النفع به أو تشويه بالوجه لا تأثير له على التتبع أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب الذي يرفع في هذه الحالة الى 12 سنة وفق صريح الفصل 219 من المجلة الجزائية.


ولا شك أن حالات ثبوت هذه الاعتداءات لا تثير أي اشكال خاصة في صورة قيام أدلة الادانة بشكل واضح وقاطع الا أن الواقع العملي كشف عن وضعيات وان كانت شاذة للغاية عن تشكيات مجردة وللأسف الشديد كيدية في احيان نادرة رغب فيها احد الوالدين للضغط على احد ابنائه لاجباره على ترك زوجته او عقابا وتنكيلا لهذه الاخيرة التي أثرت على زوجها (الابن) لترك منزل والديه والاستقرار بعيدا عنهما وهي حالة واقعية وفي مثل هذه الحالات يجد الخلف اي الابن نفسه في موقف لا يحسد عليه طالما ان موقف الأبوين في التتبع قوي متميز بالنظر الى ما يحكم شعور الوالدين عموما عن حب وتضحية وانه من المستحيل تصور ادعاء زائف في حق احد الأبناء.


والدعوة ملحة طبعا في أن يتم التعامل مع هذه القضايا بشيء من الخصوصية مثلما هو معمول به اليوم خصوصا اذا تراءى للنيابة العمومية في طور أول ان المستوى العلمي والاجتماعي للابن قد لا يدفعه الى إتيان ما ادعاه احد الوالدين. ولكن تظل هذه الحالات شاذة مثلما سلف بيانه لأن المبدأ انه حتى في صورة وقوع الاعتداء فقد اعتدنا رؤية الأب أو الأم تلتمس الصفح من المحكمة لابنها معتبرة أن الأمر لا يعدو أن يكون زلة قدم بالرغم من انه في حالات كثيرة لم تكن هي الزلة الاولى ولا الأخيرة ».


المصدر : صحيفة الصباح


2007-06-22