التونسي وتدبير الرأس للخروج من الأزمة المعيشية

 
التونسي و« تدبير الرّاس »الشهرية لم تعد تكفي حتى الزوجين العاملين


تحقيق : جمال المالكي
الشهرية لم تعد تكفي حتى الزوجين العاملين والحلّ الوحيد في البحث عن مورد آخر مهما كان
في الستينيات من القرن الماضي كان مرتب المعلم في حدود 32 دينارا... وكان المعلم، بذلك المبلغ البسيط، يستطيع بناء منزل والعيش في مستوى مرموق.. وفي سبعينات القرن الماضي كانت منحة الطالب في الجامعة 30 دينارا وأذكر جيدا أنّ أحد الزملاء كان لا يمد يده إلى جيبه لانه وخلافا لبقية الطلبة،
كان يدخر نصف المنحة تقريبا كل شهر.. ولم تنته سنوات الدراسة الاربع حتى كانت داره جاهزة « في البلاد » ومع الدار اشترى بضع نعجات وعهد إلى والده بتربيتها لأنها بداية لمشروع يدر ربحا محترما في ذلك الوقت.. اما في بداية الثمانينات فقد كان مرتب نائب رئيس مصلحة في الوظيفة العمومية لا يتجاوز 120 دينارا وكان المعلم المبدئ يقبض 106 دنانير... ومع ذلك كان كلاهما قادرا على العيش مستورا وعلى بناء عائلة والانفاق عليها.. فكيف هو الحال اليوم؟ اليوم تغيرت كل المعطيات... ورغم أنّ الأجور التي تحدثت عنها تضاعفت 4 أو حتى ست مرات فإن تكاليف الحياة ظلت بدورها تصعد إلى السماء بحيث لم تعد 500 او600 دينار تكفي مصاريف عائلة لا يتعدى عدد افرادها الاربعة دون اعتبار الكراء أو فواتير الماء والكهرباء .. المعلم يشتكي... الموظف يشتكي.. سائق الحافلة يشتكي... حتى التاجر صار يقول أنّ ربحه قليل ولم يعد يكفيه للانفاق على عائلته.. الكل يشتكي ويقول أنّ « الشهرية شوية » وانه « ما عادش خالط ».. ما الحل إذن !!
موظفون في أوقات العمل.. تجّار خارجها... وللضرورة أحكامها
تركيا والمغرب والسعودية وبنقردان ... حلول اضافية لتوفير الرزق وتعويض عجز « الشهرية »
التغاضي والغاء القيود
في وقت من الأوقات كان فتح حانوت لبيع المواد الغذائية أو مطعم صغير لبيع المأكولات الخفيفة أو « حانوت حماص » يتطلب ترخيصا مسبقا وحزمة من الوثائق الادارية تحفى القدمان من أجل استخراجها، وفي السنوات الأخيرة صار توجه الحكومة نحو تبسيط الاجراءات الادارية واختزالها في كراس شروط حتى أصبحت بعض الرخص استثناء.. قد يتساءل المرء لماذا أصبحت الأمور على هذا الشكل؟ أما الاجابة فهي بسيطة جدا، فالدولة لا يمكنها التخلي عن دعم بعض المواد الأساسية في حياة المواطن من جهة ولا يمكنها كذلك إقرار زيادات في الأجور تمكن كل الموظفين من مجابهة غلاء الأسعار المرتبط بدوره بعوامل اقتصادية أغلبها عالمي ولا يمكن التحكم فيه.. ومرة أخرى نقول ما الحل إذن؟ الحل كذلك بسيط وهو التغاضي عن فتح « المشاريع » الصغيرة والسعي إلى تصحيح الأمر الواقع.. فهذه المشاريع تمكن في النهاية الأسر التونسية من مورد رزق اضافي يمكنها من الحفاظ على مستوى عيش متوسط على الأقل..
الحل في المكتبة
السيد نور الدين أستاذ تعليم ثانوي.. زوجته موظفة.. ولهما ثلاثة أبناء.. يسكنون في منزل على ملكهم ولهم سيارة شعبية.. مبدئيا تبدو امورهما عادية لكن الأستاذ حدثنا بعكس ذلك إذ قال : « صحيح أنّ المنزل ملكنا والسيارة الشعبية كذلك.. لكننا لم نشتر لا المنزل ولا السيارة بالحاضر. ومعنى هذا أننا نسدد أقساطهما من مرتبي ومرتب زوجتي وسنبقى على هذه الحالة طيلة عشر سنوات أخرى. وبعملية بسيطة سنجد اننا نعيش بمرتب واحد تقريبا وكل الناس يعرفون أنّ عائلة قوامها خمسة افراد لا يمكن أنّ تعيش بمرتب واحد اللهم إلا إذا كان ذلك المرتب يفوق الألف دينار على الأقل.. ما الحل إذن؟ ! نحن لم نتفلسف كثيرا واخترنا فتح مكتبة صغيرة بغرفة خارجية من منزلنا.. وهذه المكتبة نتولى شؤونها بالتناوب.. أي الموجود في المنزل (أنا أو زوجتي أو ابني الأكبر) يتولى شؤونها.. هذه المكتبة لا تدر علينا مال قارون ولكنها « تعاون » في كل الحالات.. وربما تسألني لماذا المكتبة بالذات فأجيبك بأنها مهنة نظيفة نفهمها وقد لاحظت أنّ العديد من الزملاء في التعليم يفعلون نفس الشيء فقلت لماذا لا أفعل مثلهم؟ »
أستاذ في الصباح و« تاجر » في المساء
السيد « كمال - م » أيضا أستاذ تعليم ثانوي من حسن حظه أنه غالبا ما لا يعمل إلا في الحصص الصباحية، هذا الأستاذ متزوج وله أربعة أبناء، الزوجة « بنت دار » وهو، مثل غيره، يحلم بامتلاك منزل جميل وبالعيش في مستوى « مرتاح » وتوفير أسباب النجاح لأبنائه، كمال فسر وضعيته قائلا : « خلافا للعديد من الزملاء لم أختر شراء سيارة لاستعمالها في التنقل أو السياحة فعندما توفرت لي الفرصة اشتريت شاحنة خفيفة استعملها في كل شيء.. في تنقلاتي إلى المعهد وفي نقل زوجتي وابنائي وأفراد العائلتين ايضا، وفي أوقات الفراغ أسرح بشاحنتي تارة أشتري الدلاع أو البطيخ لاحمله وأبيعه في السوق فأربح قليلا من المال،، وتارة أكري الشاحنة لنقل سلعة اوأثاث للناس.. وطورا أكريها لشخص آخر يتولى بنفسه نقل بعض البضائع بها.. هذه الطريقة مكنتني من شراء قطعة أرض ثم شرعت في بناء المنزل واعتقد أنني بغير هذه الطريقة سأبقى كاريا طوال عمري »
« منوفيه زيتو يقليه »
السيد « ع-ع » يعمل بسوق الجملة.. والمعروف أنّ العاملين في هذه السوق غالبا ما ينتهون من عملهم قبل منتصف النهار.. والسيد « ع » يقول انه « زوالي » وإن ما يتقاضاه من عمله لا يكفي للانفاق على زوجته وأبنائه الخمسة ومنهم بنت متزوجة وفي حاجة إلى مساعدته من حين لآخر هذا الرجل لا تسمح له صحته بتدبير رأسه طوال السنة.. لذلك اختار شهر رمضان من كل سنة ليخلق لنفسه « نصبة » على الرصيف يبيع فيها ما يجمعه من خضر من سوق الجملة.. كل يوم يأتي بأكياس مختلفة من الخضر التي لم يشترها طبعا لكنه « دبر رأسه فيها » ولا تفهموني، أو تفهموه، خطأ لانه أخذها أمام الناس جميعا.. الخضر التي كان يعرضها خلال الشهر ليست من مستوى عال لكن الناس كانوا يقبلون عليها لسببين على الاقل الاول هو سعرها المناسب والثاني انها « تعدي روحها » وهناك سبب ثالث أىضا وهو أنّ كل الناس الذين يشترون من عنده يعطفون عليه ويعرفون انه « صاحب عايلة » وأنه دون تدبير رأس لن يستطيع توفير لقمة عيش تليق بالشهر الكريم لأبنائه.. ومثلما قلت فإن صحة « العم ع » لا تسمح له كثيرا بالوقوف كثيرا لذلك كانت ابنته تساعده احيانا وزوج ابنته أحيانا أخرى..
سائق في أوقات العمل وبائع وقت الراحة
السيد خليل تزوج منذ حوالي ثلاث سنوات وهو إلى الآن لم يبلغ الثلاثين من عمره... قبل الزواج كان يعول على نفسه كثيرا ومسلك حياته واضح جدا.. كل اسبوع تقريبا يسافر إلى بنقردان فيقتني سلعا مختلفة ويعود بها بواسطة شاحنة مكتراة يدفع في كرائها « الشيء الفلاني ».. بعد ذلك يظل يتجول بين الأسواق الأسبوعية ليبيع سلعته فيجني من وراء ذلك رضاء الوالدين مثلما أكد هو بنفسه، في الأثناء كان يتحصل على رخص السياقة رخصة وراء رخصة لأنه كان مقتنعا بأن تجارته ليست مضمونة دائما وقد يخسر فيها في مرة واحدة ما ربحه في سنوات... وكان الحظ إلى جانبه عندما تم انتدابه من قبل مؤسسة كبرى في خطة سائق.. ومضت الأيام وانجبت زوجته ابنا فكبرت المسؤولية عليه ووجد نفسه في وضع خاص بين وجوب توفير متطلبات الأسرة ووجوب تسديد الديون التي عليه منذ الزواج.. وكأنّ الحل بالنسبة اليه العودة إلى تدبير الراس فأصبح يضحي بايام راحته واشترى سيارة قديمة لكنها عملية وصار بين الفينة والأخرى يسافر إلى بنقردان فيشتري سلعا « ينصب » بها كعادته الاولى في الأسواق أو يسلمها لبعض افراد عائلته ليعرضوها للبيع ثم يتقاسمون ارباحها..
السفر إلى تركيا احد الحلول
« سميرة » موظفة حكومية تقول أنّ مرتبها لم يعد يكفيها رغم أنّ زوجها موظف مثلها.. سميرة تضيف قائلة « تكاليف الحياة اصبحت باهظة جدا بين متطلبات المنزل ومصاريف دراسة الاولاد وتسديد اقساط الشقة التي اقتنيناها بواسطة قرض فوائده ضعف ثمن الشقة... لهذا السبب دأبت منذ سنوات على السفر إلى تركيا خلال عطلتي السنوية لاشتري بعض الملابس التي أبيعها وأربح من ورائها مبالغ محترمة تساعدنا على الحفاظ على توازن ميزانية الاسرة ولو لاشهر محددة لأنّ ذلك افضل من أنّ نبقى مكتوفي الأيدي طوال السنة.. واعتقد أنّ جل التونسيين يساعدون انفسهم بطريقة أو بأخرى بشرط أنّ تكون حلالا وغير ممنوعة قانونيا »
طرق كثيرة لتدبير الراس
طبعا لا نستطيع حصر المجالات التي « ويدبر » فيها التونسي رأسه فهي كثيرة جدا منها فتح محل صغير لبيع المواد الغذائية أو الخضر في « قاراج » المنزل ومنها تخصيص غرفة لبيع خبز الملاوي وقد اشتهرت بعض هذه المحلات شهرة عجيبة... ومنها السفر إلى تركيا أو المغرب أو إلى السعودية لشراء الملابس أو الذهب والاتجار فيها... ومنها كذلك بيع الخضر والغلال أو الملابس في الأسواق ومنها ايضا استعمال السيارة أو الشاحنة لنقل الركاب خفية خاصة في المناسبات الدينية الكبرى.. ولعل أهم فترة تبرز فيها ظاهرة تدبير الرأس هي شهر رمضان الذي يخلق مهنا وحركية تجارية لا يمكن للأشهر الأخرى أنّ تخلقها على غرار بيع الملسوقة والبيض العربي والحمص والشربة والحليب والحلويات التي تتحول من أجلها مطاعم العاصمة أو أغلبها من « كسكروتات » التن والكفتاجي إلى الزلابية والمخارق والمقروض طيلة الشهر.. ولا ننسى أيضا باعة اللعب والملابس الشعبية خلال رمضان وغيرهم ممن يستغلون الشهر في العمل والكسب الحلال... ويكاد يجمع الناس على أمر هام ووحيد وهو أنّ فرص تدبير الرأس للمساعدة على النفقات المتزايدة متوفرة طوال العام وأن المهم هو استنباط الأفكار، مهما كانت بساطتها، وتطبيقها عملا بمبدا « فليس مع فليّس ».. ويتفق الناس كذلك على أنّ المهم في كل هذا أنّ يكون تدبير الرأس بطرق الحلال بعيدا عن كل المشاكل والشبهات..
 المصدر : صحيفة الصباح


 



 

2007-10-22