المعلقات الإشهارية واحترام الأخلاق


المعلقات الإشهارية بتونس، هل تعمل على زرع الانحراف لدى الشباب؟  
  لا شك أن كل من يقطن بالعاصمة التونسية يلاحظ تكاثر العارضات الاشهارية بالفضاءات العمومية التي يفترض تعلق ‏انتباه المارة بها، وهي تكون عادة بمنعطفات الطرق والانهج وجوانب الطرقات والجادات الكبرى بالعاصمة.‏
وتعرض المحتويات الاشهارية من خلال طرق بدائية كاللصق على الحيطان، أو من خلال وسائل متطورة كالعارضات ‏الكبيرة المساحة، التي تكون مهيأة بإتقان لغرض تركيز اهتمام المارة، بحيث توضع في أماكن مستقلة من الشوارع، ‏وتحتوي على وسائل إضاءة موجهة بعناية، مما يؤشر على تواجد مختصين مهرة وراء مثل تلك الإنجازات.‏

أثار تركيز مثل هاته العارضات الاشهارية في البداية، تساؤلات وامتعاضا لدى البعض من حيث أن الإكثار من ذلك قد ‏يشوه منظر وجمال الفضاءات التي وضعت فيها، أما ما عدى هذه النقطة فلا يعرف أن هناك نقاشا من نوع آخر تناول مثل ‏هذه المساحات الاشهارية، وبالتحديد لم يلاحظ أي نقاش تناول محتويات مثل تلك المساحات الاشهارية، ومثل هذا السكوت ‏يفترض أن الناس متفقون على محتويات تلك المعلقات الاشهارية وما تنقله من رسائل.‏

أي مساحة اشهارية يمكن أن تنقل رسالتين، رسالة مباشرة تخص المنتوج موضوع العملية الاشهارية وهي تكون عادة ‏دعوة للاستهلاك، ولكن هناك رسالة ثانية وهو الجانب المسكوت عنه الذي يقع نقله ضمنيا للمشاهد، وهذا الجانب الخفي ‏يتسرب للمشاهد من خلال عمليات لا إرادية.‏

لنأخذ كمثل، إحدى المعلقات الاشهارية المعروضة هذه المدة والتي تعود لشركة تونسية كبيرة مختصة بالاتصالات، يظهر ‏فيها، شاب أو شابة (حسب المعلقة) يبعث بعبارات لمن يفترض أنها (انه) عشيقته، كما يظهر كمّ كبير من الألفاظ السوقية ‏المستعملة في عملية المراسلة من خلال الطرفين، وهي ألفاظ يقرأها كل الناس صغيرهم وكبيرهم.‏
‏ مثل هذه المعلقة لو تأملنا فيها، سنستنتج التالي:‏
‏- تحمل دعوة صريحة للشباب لإقامة العلاقات العاطفية السرية، وإبراز أن مثل هذه العلاقات في حالة وجودها شيء ‏طبيعي، وهو ما يعني أن المعلقة الاشهارية تعمل على التطبيع مع الانحرافات الشبابية.‏
‏- تعمل هذه المعلقات الاشهارية على تعليم الشباب أساليب المغازلات ومحتوياتها لمن لم يعرف بعد ذلك، وهذه المعلقة إذن ‏تنتج الفساد وتعلمه للجاهلين به، وتعطيهم دروسا مجانية فيه.‏
‏- تعمل مثل هذه المعلقة الاشهارية على الترويج لنمط معين من الشباب، وهم اولئك المنحرفين والفارغين وهم أمثلة سوء ‏عموما، وكأنها تقول للناس، لمثل هذا فليعمل الشباب، ومن لا يعمل كهؤلاء، فهو سيكون شابا غير عادي.‏
‏- تعمل مثل هذه المعلقات كوسيلة هدم لمجهودات الأولياء ممن يريد أن ينشا أبنائه تنشأة جادة و سليمة، حيث ما إن يخرج ‏الطفل أو الشاب للشارع، حتى يعترضه هذا الكم الهائل من" التلوث البصري" المتواجد بالمعلقات الاشهارية، وهو ما يعمل ‏على تعطيل مجهودات الأسرة في تنشئة الأبناء، والذي قد يدفع البعض للقول بعبثية عملية التربية أصلا، والتسليم بالواقع ‏وعدم الالتفات لتربية الأبناء.‏

من هنا من حق المواطن التونسي أن يطرح أسئلة عديدة حول هذه الظاهرة التي تفتك بكل الأسر التونسية:‏
‏- أليس من حق المواطن أن يجد المساحات العمومية خالية مما من شانه أن يدمر مجهوداته في تربية أبنائه؟
‏- أليس هناك جهات حكومية مسئولة، من دورها مراقبة ما ينشر بمثل هذه المساحات الاشهارية؟‏
‏- هل يقع تصميم مثل هذه المساحات الاشهارية بتونس، أم يقع استيرادها من الخارج حيث يقع تصميمها من طرف ‏الشركات الأم لفروعها بتونس؟‏
‏- إذا كانت هذه المساحات الاشهارية تصمم بتونس، ألا يكون من الواجب تلقي القائمين على مثل هذه الأعمال، دروسا ‏توعوية في وجوب مراعاة الجانب الأخلاقي والديني في ما يقومون به، لأنه لا يعقل أن يترك الأمر لما يحلو للمصمم فعله، ‏ولا معنى لحرية إذا كانت ستعمل على تدمير الآخرين، وتشوش مجهوداتهم في تربية أبنائهم.‏
‏- إذا كانت دروس الاتصال التي تعطى للطلبة المختصين في علوم التسويق بجامعاتنا، تراعي فقط جوانب كيفية جلب ‏اهتمام الناس وشد رغباتهم بقطع النظر عن أي خلفية فكرية أو عقدية، أوليس الوقت قد حان لإعادة النظر في هذه المناهج ‏الدراسية ومحتوياتها، بحيث يقع التدريس في جامعاتنا علوما للاتصال نابعة من قيمنا وتخدم مجتمعاتنا، ويغض الطرف عما ‏سوى ذلك؟
 بوابتي

2008-02-19