إلى أين بتجــه اليسار التونسي؟


 خالد الحداد

هناك تحوّّلات متعددة ونوعية على مستوى تركيبة المشهد السياسي الوطني وبرغم ما عُرف عن «اليسار» بمختلف مكوّناته من فاعلية ونجاعة على مرّ عقود عديدة فإنه هو الآخر يعرف اليوم تبدلات كرّست أكثر ما كرّست واقع التشتت وعدم الاتفاق حتى حول مسائل ومبادئ كانت أساسا لـ «الفعل اليساري» بحثا عن نفس معارض تقدمي وحداثي.
«اليسار التونسي» الذي كان من أكثر اللاعبين تأثيرا في الحياة السياسية الوطنية لعقود طويلة انتهى اليوم الى حالة من الفراغ والقطيعة التي تُبعده شيئا فشيئا عن فهم متطلبات اللحظة السياسية والايديولوجية الراهنة وعن الانخراط الفاعل في الشأن الوطني.
هناك لحظات مضيئة جدا في تاريخ هذا اليسار بدءا بمجموعة «آفاق» التي لها إرث نضالي وفكري عميق وصولا لما أنجزه «الحزب الشيوعي» بقيادة رمزيه التاريخيين محمد النافع ومحمد حرمل مرورا بالنضالات الطلابية داخل أروقة الجامعة وعبر البوابة النقابية.
 
* تجزئة ومنفعية ضيقة
اليوم، انتهى هذا الزخم النضالي الى حركات مجزأة تغلب عليها المنفعية الضيقة وصراع «الزعامات» والابتعاد عن هاجس الاضافة النوعية الذي سكن لسنوات طويلة أجيال متعاقبة من اليساريين.
«اليسار» بمفهومه الشامل وبرغم ما حدث من تغير على الساحة الدولية فإنه بقي حاضرا في مواقع عديدة من العالم سواء في القارة الأوروبية او أمريكا الجنوبية وما يزال يُحسب له ألف حساب والدليل على ذلك السباق الانتخابي الفرنسي الاخير حيث كان «اليسار الفرنسي» لاعبا مهما في معركة الوصول الى قصر الايليزيه.
وفي الحالة التونسية، يبتعد «اليسار» رويدا رويدا عن فاعليته وعن منطلقاته وعن مبادئه والأهداف النضالية التي تبناها لعقود طويلة، هناك من المؤشرات ما يدل على ان «هذا اليسار» يعيش حالة من التآكل الداخلي باعدت بين مختلف مكوّناته، اذ لم يعُد هناك توافق حتى من اجل ضمان حدود دنيا من التفاهم والعمل المشترك والدليل على ذلك ما يجري في الساحة النقابية وتحديدا في كواليس «الاتحاد العام لطلبة تونس» الذي يسير شيئا فشيئا نحو تأييد حالة الانقسام والقطيعة وربما الوقوع في ما يُشبه الانهيار على ما في الماضي من رصيد وإرث نضالي غير مسبوق.
 
* شعارات وبدائل مفقودة
هناك «فصائل يسارية» ما تزال تعاند في فعل معارض يتجه أكثر ما يتجه الى التطرف والشعارات الفضفاضة الخالية من كل بدائل وتصورات تخدم الوجود اليساري في المشهد السياسي الوطني، وهناك فصائل أخرى تسير نحو التخلي مرة واحدة عن «العباءة اليسارية» واستبدالها بثوب جديد فيه انسجام كبير مع الخط الليبرالي (عدو الامس) مثلما هو الحال في «حركة التجديد» التي فشل مؤتمرها التوحيدي في تجميع فاعلين يساريين ذوي مرجعيات شيوعية صميمة وهو المؤتمر الذي حاز فيه «خط يساري ـ ليبرالي» المواقع القيادية داخل الحركة وأقصى بقدر جهده كفاءات «شيوعية» عن الركح.
ومؤخرا عمّقت الوثيقة التي أصدرتها التيار المعروف بـ»الحزب الاشتراكي اليساري» الهوة بين «الرفاق اليساريين» اذ هناك العديد من الاتهامات المتبادلة والعلنية وهناك قراءات تؤكد ان مسار اليسار التونسي ليس على أفضل حال.
 
* لون يساري «مخصوص»
ربما هناك «حالة تونسية» مخصوصة شكلت «اللون اليساري» على صورة جديدة غير مألوفة، صورة ذهبت بهذا التيار الى مزيد الانقطاع عن جماهير الشعب وعن الكادحين وطبقة البروليتاريا والارتماء في أحضان «الصالونات» و»الفعل النخبوي» والعديد من المؤشرات تؤكد ان حالة التراجع اليساري في البلاد أوجدت انتعاشات جديدة للتيارات المتطرفة والسلفية، ناهيك وأن الأطياف السياسية الاخرى المعارضة لم تتمكّن هي الأخرى من تجاوز حالات التراجع والفعل السياسي على غرار مبادرة «اللقاء الديمقراطي» ودعوات الوحدوي الديمقراطي الى الحوار بين مختلف الاحزاب القانونية وبين الأطياف المختلفة للفكر القومي الوحدوي.
 
* تحالفات «مشبوهة»!
«البديل اليساري» اليوم أضحى تائها ومفقودا وسط ركام من الاختلافات والصراعات والنزاعات التي أصبحت تنحو منحى فرديا في العديد من الحالات وتنحو منحى غريبا وعجيبا عن «المسار التاريخي لليسار» مثل تلك «التحالفات الظرفية المشبوهة» والتي يُغلّف بها بعض «اليساريين القدامى» دعواه في الدفاع عن حقوق الانسان والحريات العامة في البلاد والارتماء في أحضان قوى امبريالية عالمية لطالما عادت الشعب وهويته ومست استقلاله وحريته في قراره وفي تشييد تجربته السياسية التعددية الديمقراطية المخصوصة.
انعدام المراجعات العميقة وعمليات النقد الذاتي والتفاعل الايجابي مع تطورات المشهد السياسي والانقطاع عن هموم المواطنين والتشبث بسياسات الرفض المطلق والتشكيك التي يمارسها بعض اليساريين اليوم لم تضرّ «اليسار التونسي» فقط بل أضرّت الممارسة السياسية الوطنية برمتها التي تتجه من يوم الى آخر الى فقدان أحد أطرافها المهمين.
 (المصدر: جريدة "الشروق" التونسية 14 مارس 2008)

2008-03-15