الشباب التونسي والزواج : عازفون أم عاجزون؟

 
 أضحت مسألة الزواج في تونس تثير قلق المؤسسات الرسمية والخاصة على حد سواء، إذ حذر الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري مؤخراً - مؤسسة حكومية تعنى بشؤون الأسرة - من خطورة ارتفاع معدل سن الزواج و انعكاساته على الخصوبة قي تونس. وقد أشارت في تقرير لها أن عزوبة الإناث في عمر الإخصاب ما بين 25 و 34 سنة باتت تشمل نصف الإناث وقد جاء هذا التقرير ليدعم آخر الإحصائيات الرسمية التي وردت في التعداد العام للسكان من أن عدد العازبات في تونس بلغ أكثر من مليون و 300 ألف امرأة من أصل أربعة ملايين و 900 ألف أنثى في البلاد.

من جهة ثانية أكدت نتائج الاستشارة الشبابية الثالثة، التي تناولت علاقة الشباب بمؤسسة الزواج أن 50 بالمائة منهم لا يفكرون في الزواج وعن مقاييس اختيار القرين أشارت هذه الاستشارة أن 85 بالمائة من الشباب يختارون بأنفسهم شريك حياتهم مقابل 13.8 بالمائة تركوا الاختيار للعائلة، كما أن أغلب الشباب يقدمون السير& #1577; والأخلاق على كل المقاييس.

هذه الأرقام المفزعة جعلت إيلاف تسأل الشباب عن أسباب عزوفه عن مؤسسة الزواج و الدوافع التي تقف حائلا دون ذلك. 

تكاليف باهظة
يقول سامي 36 سنة أستاذ تعليم ثانوي: " لقد استبعدت من بالي فكرة الزواج أصلا رغم ضغوطات والدتي المتواصلة، فمن أين لي بتأمين متطلبات الزواج؟؟ فعائلة العروس تفرض شروطا تعجيزية والعروس ذاتها متطلبة كذلك. لقد خطبت مرتين و فسخت الخطوبة للأسباب ذاتها، ورغم أني أتقاضى مرتبا حكوميا إلا انه لا يكفي. المعيشة صعبة وتوفير الحاجيات الأساسية للعيش هو هم& #1610; الآن، ثم أجاب بحسرة الله يكون في عوننا نحن الشباب؟؟"

" السكن المريح والسيارة الفاخرة والزوج السخي تلك" ثالوث مواصفات فتى أحلام لدى الفتاة التونسية، هكذا تحدث لنا منير 32 سنة الذي يعمل بمقهى صغير في أحد شوارع العاصمة التونسية، مضيفاً: أما إذا كانت الفتاة متعلمة و" بنت جامعة" فتلك الطامة الكبرى، هي لا تتوانى عن إملاء شروطها التعجيزية وكأنها شهرزاد، ناسية أو متناسية أن هناك طابور عريض من الفتيات و حاملات للشهادات أيضاً على قائمة الانتظار بعد أن ركبن قطار العنوسة.

رأي شريف 26 سنة مهندس في الإعلامية لم يختلف عن من سبقوه حيث أضحى الزواج من وجهة نظره صفقة للفتاة والشاب على حد السواء أما الحب والمشاعر الإنسانية و تكوين عائلة سعيدة فذلك" نراه في الأفلام أو في الأحلام " على ح- 583; قوله.

عذراء ولكن...؟؟
 إذا كانت الماديات من أبرز العوامل المؤدية إلى نفورهؤولاء الشبان من دخول القفص الذهبي فإن لأيمن 27 سنة طالب بكلية الطب وجهة نظر مختلفة، فثقته في الفتيات التونسيات تلاشت و انعدمت إذ يقول":إن تطور الفتاة و مواكبتها للحياة العصرية جعلها تتخلى عن مبادئها و شرفها خاصة بعد دخولها الحياة الجامعية فالعذرية م- 593; الأسف مصطلح لم يعد له أي قيمة عند الفتاة الجامعية، فهي لا تتوانى عن التخلي عن عذريتها لأول شاب يصادفها، والأدهى من ذلك عمليات " ترقيع العذرية" التي اجتاحت الجامعيات. يواصل: شخصيا لقد اخترت البقاء أعزب حتى لا أصاب بصدمة بعد الزواج.

السبب ذاته برر لـ نديم هروبه من الارتباط الرسمي قائلا" إذا كنت أستطيع العيش مع صديقتي في شقة واحدة وأعاشرها معاشرة الأزواج وتقوم بكل واجباتها على أكمل وجه فلما أسُقِطُ نفسي في مأزق الزواج و ومسؤولياته التي لا تنتهي. ثم إن فتيات اليوم لا يصلحن للزواج و لسن بالقدر الكافي لتحمل مسؤولية الزوج و الأطفال، ويقول: هم الفتاة الآن هو الدراسة و نيل أكبر عدد ممكن من الشهادات الجامعية لا تكوين أسرة، وإؤا ما قررت الارتباط في يوم ما فسأكلف أمي بهذه المهمة و شرطي الوحيد في الزوجة أن تكون" بنت دار"و لم تدس قدماها الحرم الجامعي"

الأخلاق هي ذاتها السبب الذي جعل من إيناس تتردد في الارتباط لكنها تعكس الهجوم و تتهم الشبان الذين لا يفكرون جديا في الارتباط و بناء علاقة عاطفية تختم بالزواج.

الماجستير أولا
عفاف فتاة جميلة و متخلقة ومن عائلة محافظة، تقدم لها عشرات من الشبا- 606; من ذوي المستوى العالي لكن رغبتها في إتمام شهادة الماجستير جعلتها ترفض كل من يطلب يدها بل و تعتبره عائقا أمام طموحاتها، الآن تقف نادمة و متحسرة بعد أن فاتها قطار الزواج، وصارت على مشارف الأربعين، تؤكد عفاف لإيلاف أنها مستعدة للزواج من أي شاب يطلب يدها حتى و لو كان جاهلا فالمهم لديها الآن هو" إنجاب طفل قبل سن اليأس".

حكاية درة لا تبتعد كثير في تفاصيلها عن حكاية عفاف وهي طبيبة مختصة في أمراض العيون وتستجيب لكل المواصفات التي يتمناها أي رجل، مشكلتها تكمن في أهلها الذين رفضوا الشاب الذي أحبته بحجة أ 6; مستواه اقل بكثير من مستوى ابنتهم. تقول درة" حبيبي معلم تطبيق وضعيته الاجتماعية متوسطة وحين تقدم لخطبتي سمع ما يكرهه من والدتي. لذلك انا الآن وحيدة في مجتمع لا يرحم.

ترى سهام بلعيفة الأستاذة و الباحثة في علم الاجتماع أن كلمة عزوف الشباب التونسي عن الزواج لا تجوز بالمعنى الصحيح، نظرا لكون الشاب أو الفتاة ليس مخيرا دائما في اتخاذ قرار الزواج إذ تقف عدة عوامل حائلا لاتخاذ هكذا نوع من القرارات المصيرية، فهناك معوقات ابتدعها المجتمع من ناحية و فرضتها الحياة العصرية من ناحية ثانية. فارتفاع المستوى التعليمي والثقافي للفتيان و الفتيات في تونس وكلفة الزواج ومسألة الحصول على سكن وسيارة، وتربية الأبناء، إلى غير ذلك من متطلبات الحياة الزوجية العصرية والتي لم تعد تقتصر على العمل و الأكل والإنجاب فقط، بل تحتاج أيضا إلى التأقلم مع متطلبات الحياة وتحدي عصر التكنولوجيا والتعامل معها ومع ارتفاع كل هذه المطالب ارتفع سن الزواج لدى ; الرجل والمرأة حتى أصبح من الطبيعي أن تتزوج الفتاة فوق الثلاثين.

وفي المقابل فاءن انفتاح الشباب التونسي على الغرب أدى بدوره إلى بروز أشكال جديدة للإشباع العاطفي خارج أطر الزواج بالتالي تراجعت قيمة الأسرة لحساب أولويات أخرى كالدراسة والرغبة في التحرر المادي والمعنوي كما أن ارتفاع نسب الطلاق في المجتمع التونسي خلق حذرا و رهبة لدى الشباب من مسألة الزواج.


 


أمال الهلالي


المصدر: موقع "إيلاف" 19 أفريل2008

2008-04-20