لا حــل في " شوفلي حـل " / شاكر الحوكي

 
انتهى رمضان الكريم و انتهى معه "شوفلي حلّ" الذي أبدع في تنويع الشخصيات إلى حدّ إدراج المخنثين، و في تنويع الأماكن إلى حدّ استيعاب حيّ النصر، و في رصد واقع مجتمعنا إلى حدّ استدعاء أو تبني كل القيم القبيحة من الكذب و "التبزنيس" إلى الخداع و الجبن و الخوف و النفاق و حبّ المظاهر و التصنّع و التكلّف و إتباع الشكليات و الانتهازية إلى الابتزاز و العلاقات المشبوهة و المصالح النفعية الضيقة، و لم يفشل في الحقيقة إلا في نقل القيم الحميدة و الأخلاق الرفيعة و كأنّه إقرار ضمني إلى افتقاد المجتمع التونسي إلى هذه الأخلاق، فلم نر الطبيب النفسي متحمّسا إلا إلى المال و النساء، ما يجعله في حاجة إلى طبيب نفساني، و لم نرى زوجته متحمسة إلا للشكليات و المظاهر و السعي إلى الالتحاق بصف ما يخيّل لها انه المجتمع البرجوازي أو الارستقراطي، و أخ غبي لا همّ له إلا في بطنه، و بنتين محدودتي الأفق و التفكير ليس لهما من مطلب في الحياة إلا طلب "الفلوس" و إسرافها في الترف ...

و في ثنايا كل ذلك استهزاء باللغة العربية الذي أُظهِِـرت و كأنّ الزمن قد تجاوزها و استخفاف بالقيم و القوانين التي تظهر و كأنه سيف مسلط على رقاب النّاس، و انتصار للدجل الذي برز كمنقذ و مخلص في أكثر من مناسبة ناهيك عن المشاريع المشبوهة و الوهمية التي لم تكن لتثبت و تستمر إلا عندما ارتمت في أحضان الشعوذة. 
فهل في ذلك إقرار بزيف التجربة الحداثية التي يمرّ بها مجتمعنا او محاولة لتسليط الضوء عن أزمة المجتمع التونسي أو عجزه عن تقبل قيم الحداثة، إذ سرعان ما وجدناه يرتدّ إلى قيمه التقليدية البالية في الوقت الذي" يكافح " من اجل الارتقاء بمستوى شكله و مظهره. 

و من المدهش أن يلقي هذا المسلسل إقبالا كثيفا في مجتمع لا يفوّت أفراده فرصة دون أن يعبروا عن تعليقاتهم و "إبداعاتهم "في مجال "الضمار" و السخرية و الاستهزاء، اذ حيثما ولويت وجهك تجد" النكتة " حاضرة و مطلوبة و أحيانا كثيرة مسقطة و محشوة حشوا، سواء في العمل أو المدرسة أو الجامعة أو السوق أو الطريق... ثم انك لا تجد مكانا يخلو من صاحب جوّ أو شخص "مجعول للجو ّ"، فلماذا هذا التعطش إلى الضحك و النكتة و الاستهزاء .؟

هذا أن دلّ على شيء فإنما يدل على أن هذا الإقبال ينطوي على أمراض اجتماعية و نفسية جديرة بالاهتمام، و يكفي أن نفسّر هذا الإقبال على انه محاولة يتماهي من خلالها المتفرج مع تلك الشخصيات الغريبة أو طريقة لتزكيتها، حتى تتجلى معالم الكارثة .

و إذا كان من المهم طرح مثل هذه القضايا بشكل كومودي فان الأهم هو طرحها بشكل جدي و حقيقي على طاولة النقاش و الحوار و البحث عن الحلول المناسبة لها إذ لا يعقل أن يسير المجتمع دون رصد علمي و منهجي لتحولاته أو أن يتخذ الخداع و التحيّل و الابتزاز و التهرب الضريبي ...مجرد وسائل هزلية و انتهت القضية .

شاكر الحوكي
حقوقي و باحث في علم الاجتماع السياسي
موقع بواتي


2008-10-15