الأزمة الاقتصادية في تونس عبر أزمة الحليب؟

أزمة الحليب تعود إلى الأسواق التونسيّة 
زيادة مرتقبة في السعر تثير احتجاج المستهلك



إسماعيل دبارة من تونس


: لم نحتج إلى تفكير عميق لندرك أنّ المشادة العنيفة التي اندلعت بين المواطنة زهرة بن حديد 39 سنة وأحد تجار المواد الغذائية في تونس العاصمة، كانت بسبب الحليب والبيع المشروط.
تقول السيدة زهرة ": رفض البائع مدّي بعلبة حليب معلبة و طلب مني شراء منتجات أخرى بدعوى أنّ كمية الحليب عنده قليلة للغاية ، هذا غير معقول بالمرّة ، هل من أجل لتر من الحليب أتعرّض للابتزاز والبيع المشروط".
غضب المواطنة زهرة وقصتها مع الحليب والبيع المشروط يخفي أزمة حقيقية شهدها تسويق وتوزيع مادة الحليب في تونس في الأيام الأخيرة.وعادت أزمة الحليب لتشغل الناس مجدّدًا بعد أن شهد السوق بعض الخلل في توزيع الحليب المعلّب وما يرتبط به عادة من ظاهرة البيع المشروط.
وتأتي هذه الأزمة المتجدّدة، بعد أخرى حادّة عاشها التونسيون أثناء فصل الربيع الماضي، الأمر الذي جعلهم يطرحون تساؤلات عدّة عن حقيقة وضع هذا القطاع، خاصّة بعدما أكّدت مصادر مطّلعة في أواخر شهر آب الماضي عن فوائض إنتاج كبيرة، ثمّ تراجع هذا الإنتاج سريعا و بشكل مفاجئ.
ودفعت هذا الاضطراب برئيس الغرفة النقابية الوطنية لصناعة الحليب إلى التنبيه إلى إمكانية إفلاس بعض الشركات المنتجة لهذه المادة وكان ردّ الفعل الأولي زيادة بخمسين مليما في سعر الإنتاج، كمقدّمة معتادة أيضًا لترفيع ثمن الحليب المعلّب.
يقول المهندس الفلاحي محمد السالمي والمتابع لأزمة قطاع الحليب في تونس لإيلاف: "أعتقد أنّ أزمة الحليب في تونس هي أبعد من مجرّد حالة موقّتة، بل هي أزمة توجهات وأزمة هياكل وأزمة تنفيذ أيضًا، فارتفاع استهلاك الحليب (9 في المئة  بين عامي 2006 و2007)، لا يمكن أن يبرّر وحده نقص الحليب، وخاصّة المصنّع منه في السوق التونسية".
و يتابع: ما يحدث اليوم هي مؤشرات لأزمة بدأت تطلّ برأسها بعد أقل من خمسة أشهر من حالة مماثلة عرفها المواطن أثناء بداية الربيع الماضي. فالأمر لا يمكن أن يكون عارضًا وإنما أزمة دورية تنبئ عن خلل هيكلي في التوجهات. وحسب رأيي سينعكس هذا الموضوع بشدّة على ما يقال عن التشجيع الحكومي على تربية الماشية دون اتخاذ إجراءات لتشجيع زراعة الأعلاف".
كلفة إنتاج الحليب في تونس تعتبر مرتفعة مقارنة بالسوق العالمية، و يرى متابعون للقطاع أنّ الارتماء في حضن التوريد يبقى" الحل المسموم الذي سيدمّر كل البنية الإنتاجية لهذا القطاع والذي بلغ ذروة الاكتفاء الذاتي بعد جهد عقود عديدة".
من جهته حذر حبيب الجديدي رئيس الغرفة النقابية الوطنية لصناعة الحليب في تصريحات صحفية منذ أيام من أنّ القطاع يشكو "مخاطر حقيقية، فالكثير من الشركات مهدّدة بالإفلاس لعدم قدرتها على السيطرة على توازناتها المالية في ظل تضاعف أسعار المواد الخام"، واعتبر أنّ إصلاح المنظومة الإنتاجية "بات أمرًا ملحًّا، خاصّة بعد أن اضطر الفلاح إلى تقديم الخبز علفا للماشية، مؤكّدًا أنّ لتر الحليب يُباع بخسارة لا تقل عن 100 مليما على الرغم من الزيادات المتكرّرة وذلك بسبب إرتفاع تكلفة الإنتاج".
وتعليقًا على هذا التقييم، يعتبر الفلاحي محمد السالمي أنّ كلفة التعليب هي أحد أبعاد مأزق القطاع. لأنّها تعتبر مرتفعة جدًّا مقارنة بمثيلتها في الدول الأوروبية، إذ تلتهم ما لا يقلّ عن 25 في المئة من تكلفة العلبة الواحدة في حين لا تتجاوز النسبة الـ 10 في المئة في أوروبا وهو ما يراكم مديونية هذه الشركات، والتي تشكو بطبيعتها صعوبات كبرى في التخزين والحفظ قد تُعجّل بإغلاق بعضها. 
وأشار السالمي إلى أنّ ضعف بعض شركات تصنيع الحليب التي كان لها، إلى وقت قريب، ثقلاً اقتصاديًا يُعتدّ به نتيجة عدم قدرتها على تحمل تكاليف الإنتاج المرتفعة، متسائلاً عن "دور البحث العلمي، سواء في المستوى الإنتاجي عبر تطوير سلالات محلية للأعلاف أو الأبقار تكون أقدر على تحمّل ظروفنا المناخية، وأيضًا على مستوى التعليب".
ومع تكاثر ظاهرة الوسطاء بين المربين وشركات التصنيع، والنسبة المهمّة من الحليب الذي يُباع على حالته الطبيعية دون الوصول إلى المصانع، والتي لا تقلّ عن 40 في المئة، قد تزداد صورة أزمة الحليب في تونس وضوحًا في ظلّ صمت الجميع سواء الحكومة أو المنظمات المهنية التي يرى متابعون أنها "لم تعد تملك دورًا آخر غير تسويق الرؤية الحكومية بقطع النظر عن مدى فاعليتها".
يقول الفلاح ومربي ماشية المنجي فرياني:"لطالما تساءلنا عن الدور الذي يقوم به إتحاد الفلاحين المتفرّج على معاناة الفلاح من غلاء سعر الأعلاف التي دفعت المربين إلى التخلّص من قطعانهم خاصّة بوسط البلاد وجهة صفاقس. و يضيف "كيف سيكون حال القطيع في السنوات القليلة القادمة إذا علمنا أنّ ثمن البقرة المستوردة لا يقل عن 3 آلاف دينار".
وفي ظلّ انخفاض أسعار الحبوب في السوق العالمية بنسب لا تقل عن الثلاثين بالمائة وتكاليف النقل بنسبة تزيد عن 40 بالمائة، يتساءل مربو الأبقار في تونس عن سبب عدم مجارات السوق التونسية للأسعار العالمية إلا في حالة زيادة السعر، كما استغربوا "النسبة الزهيدة للتخفيض في سعر العلف، إذ يُباع الطن، بعد كل هذه الانهيارات في السوق العالمية،بـ 530 دينارًا تونسيًا، بعد أن كان 550 دينارًا وهو ما يعني نسبة لا تتجاوز 3.63 في المئة".
ويتساؤل المهندس السالمي عن "معنى الحديث عن تشجيع الفلاح على تربية الماشية. مؤكدًا على أنّ كلفة الأعلاف التي تمثل ما لا يقل عن 60 في المئة من ثمن بيع المنتوج، تُعتبر حجر الأساس في قطاع يغلب عليه صغار الفلاحين، إذ تؤكّد الإحصاءات الرسمية أنّ 80 في المئة من 112 ألف مربي هم من صغار الفلاحين يملكون بين بقرة واحدة وثلاث بقرات فقط".
ويؤكد المتابعون تبعا لذك أنّ الزيادة سواء في ثمن الحليب عند الإنتاج أو عند الاستهلاك، على الرغم من أهميتها للفلاح، لن تشكّل حلاً جذريًا لما يعانيه القطاع من مشاكل هيكلية تحتاج إلى قرارات أكثر عمقًا تتعلّق بالخيارات الكبرى، على غرار التأكيد على العوامل الذاتية وذلك عبر إجراءات واضحة المعالم تشجّع الفلاحين وخاصّة بالشمال على الإنتاج المكثّف للأعلاف وخصوصًا مادة الذرة، وعلى زراعة الشعير الذي يؤكّد الكثير من المختصّين بأنّه الأقدر على تحمّل مناخ تونس شبه الجاف وبإمكانه أن يمثل حلاً جذريًا في قطاع الحبوب.
وينصح الخبراء كذلك بأنّ الأمر يتطلّب توجيه البحث العلمي إلى التركيز على القطاع الفلاحي بشكل أعمق وأجدى سواء تعلّق الأمر بالإنتاج أم بالتصنيع.
(المصدر: موقع تونس نيوز12/12 2008)


2008-12-13