جرائم قتل لأسباب تافهة من المسؤول؟


نور الدين المباركي - تونس - الوطن" حاول قتله بواسطة موس من أجل علبة سجائر"،" يقتل المهاجر التونسي لأنّه طلب منه سيجارة"، " كاد يذبحها من الوريد إلى الوريد بسبب نظراتها إليه"، " يشجّون رأس الزوج بالسواطير ويسلبونه أمواله"

"قتل ابن عمّه طعنا في أعقاب جلسة خمرية"، " عنّفوا التقني السامي ثم قتلوه بطعنة في القلب من أجل "بورطابل". هذه بعض العناوين التي تصدّرت الصفحات القضائية لعدد من الصحف التونسية بداية هذا الأسبوع جرائم قتل وطعن بالسكاكين لأسباب تبدو تافهة " من أجل سيجارة أو علبة سجائر ومن أجل بورطابل".البعض يتعامل مع هذه القصص الإخبارية كأنها "تسلية" يقتني الجريدة من أجلها ثم يردّدها في محيطه وهناك من يعود بها إلى منزله ليضعها في متناول أبنائه ! مع ما تشكّله من خطورة.لا يمكن التأكيد أنّ مثل هذه الجرائم أصبحت ظاهرة في تونس لكن في الوقت ذاته لا يمكن التغافل عنها وإهمالها إنها حقيقة يجب الوقوف عندها والكشف عن أسبابها والبحث عن سبل الحدّ منها ومحاصرتها.ما الذي يدفع شبابا لارتكاب جريمة قتل من أجل سبب "تافه" مثل سيجارة؟ ما الذي يدفع شابا في مقتبل العمر لارتكاب جريمة قتل ضد والدته لأنها رفضت تمكينه من المصروف؟ ! ..المختصّون في علم الاجتماع وعلم النفس الإجرامي مؤهلون أكثر من غيرهم للإجابة عن هذه الأسئلة التي يمكن أن تكون موضوع دراسات وبحوث مختصّة لكن ذلك لا يمنعنا من إبداء بعض الملاحظات كمراقبين.إنّ أغلب مرتكبي الجرائم هم من الشباب العاطل عن العمل أو شبه العاطل عن العمل فهؤلاء يشعرون بأن كافة الأبواب أصبحت مسدودة أمامهم وعليهم " تدبير الرأس" مهما كانت السبل وإن كانت بارتكاب جريمة قتل ضد الوالد أو الوالدة. البطالة والخصاصة واليأس تمثّل كلّها أسبابا للإقدام على ارتكاب مثل هذه الجرائم.ينحدر أغلب المتورّطين في مثل هذه الجرائم من أحياء شعبية تشكو من الفقر والخصاصة وتفتقد لأهمّ وسائل التأطير وفضاءات المتابعة أو ينحدرون من مناطق داخلية تفتقد لموارد الرزق ( الجرائم التي تحصل في بعض المدن الكبرى مثل العاصمة أو سوسة أو صفاقس مرتكبوها أغلبهم من الشمال الغربي أو الوسط الغربي أو الجنوب الغربي).والمستوى التعليمي لمرتكبي هذه الجرائم عادة ما يكون محدودا ( ابتدائي و في أقصى الحالات المرحلة الأولى من التعليم الثانوي) وهي إشارة واضحة إلى خطورة الانقطاع المبكّر عن الدراسة والنتائج التي يمكن أن تفرزها هذه الظاهرة.توسّع هذه الجرائم وانتشارها خلال السنوات الأخيرة وبعضها تتناقله وكالات الأنباء العالمية والصحف الأجنبية يدفعان للوقوف عندها يؤكدان أنّ العمل في الميدان الاجتماعي والاهتمام بالأحياء الشعبية والفقيرة والمناطق الداخلية التي تشكو الخصاصة ما زالا ينتظرها الكثير وما زالا يتطلبان خطوات ومجهودات كبرى.لقد بيّنت التجربة أنّ العديد ممن ارتكبوا مثل هذه الجرائم عندما وجدوا الإحاطة والمتابعة وتوفير مصادر الرزق سلكوا طريقا جديدا وبيّنت أيضا أنّ من تمّ تجاهله واصل في الطريق ذاته.المسؤولية ملقاة بالدرجة الأولى على الحكومة وعلى هياكلها المعنية والمختصّة لمحاصرة انتشار هذه الجرائم التي تسيء إلى بلادنا.

2009-03-28