الشباب التونسي والعنف اللفظي

 
اسكندر العلواني



يعتبر العنف اللفظي من الظواهر المستفحلة في مجتمعنا. هذا العنف الذي يخدش الحياء ويؤدّي إلى التلوّث السمعي والمتميز بانتشاره بين مختلف الشرائح العمرية فلا فرق بين صغير وكبيرو شاب وشابة. العنف اللفظي حسب علماء الاجتماع هو استعمال عبارات مخلّة بالآداب والأخلاق الحميدة أو السبّ والشتم...الخ ,أصبحت هذه الظاهرة متفشية في المجتمع التونسي وتبرز بشكل واضح في أوساط الشباب بمختلف شرائحه ,وإذا كانت لهذه الظاهرة جذورها التاريخية فإن أهم أسباب ودوافع انتشارها في الفترة الحالية وبشكل يبعث على القلق ويستدعي التدخل، جملة التحولات الكثيفة والسريعة التي عرفها المجتمع التونسي الحديث والمعاصر. فهي ترتبط بأسباب ثقافية واجتماعية وحضارية مستحدثة ما انفكت تطبع الشخصية القاعدية التونسية ,فتجعل العنف اللفظي خاصية من خصائصها. فالفرد يكتسب العنف بالتعلم والملاحظة والتقليد من البيئة المحيطة به سواء في الأسرة أو المدرسة وما يترتب عليها من خلال وسائل الإعلام.وقد كشفت دراسة عن المرصد الوطني للشباب في سنة 2007 عن ظاهرة العنف اللفظي والتي أثبتت أن 88 في المائة من الشباب يمارس العنف اللفظي أو هذا المرض الاجتماعي. كما ذكرت الدراسة المتعلقة بالعنف اللفظي لدى الشباب التونسي أن الملفوظ الجنسي هو الأكثر استعمالا في صفوف الشباب يليه سبّ الدّين والجلالة والألفاظ السوقية وكلام الشارع والتحقير والغش والتلاعب بالكلام ومعاكسة الفتيات والتحرّش الجنسي. ويعدّ استعمال العنف اللفظي في بعض الحالات تجسيدا لمحطة العبور أو الالتحاق بمجموعات الرفاق أو الأتراب بالوسط المدرسي كشرط للانتماء لها وهو يعتبرونه دليلا للرشد والبلوغ وفرض الذات ,إذ أنها أصبحت أحدى علامات الحيوية والرّجولة والدلالة على انتهاء مرحلة المراهقة والدخول لمرحلة أخرى. إن تربية الشاب اليوم علي التسيب والميوعة والتفسخ الأخلاقي سبب رئيسي في التدهور الأخلاقي للشاب التونسي خاصة في غياب الوعي بمخاطره ,وتقلص دور الأسرة المراقبة التي تسعي بكل ما تملك لتوفير لقمة العيش وخروج الأم إلى العمل. حيث كشفت دراسة حول العنف اللفظي في الأوساط الشبابية شملت 600 شاب أن 62.26 في المائة من الشباب تمارس عائلاتهم هذا العنف ليتحمل الآباء سلوكات أبنائهم.ما من شك أن الأسباب التي تؤدي إلى العنف اللفظي تنطلق من الأسرة إلي المدرسة ليشمل المجتمع,لكن تبقى عملية الحدّ من هذه الظاهرة في المجتمع التونسي أو مقاومته هي جهد وطني شامل تساهم في بلورته وتنفيذه أطراف مجتمعية ومؤسسات عديدة رغم أن القانون المتعلق بالمخالفات المرتكبة بشأن الآداب العامة وأخلاقيات الشارع واضح وصريح. فهي تشمل خصوصا قطاعات التربية والثقافة والشباب والرياضة والإعلام والعدل وخاصة الأمن ليكون قدوة في ملفوظهم اليومي ,والشؤون الدّينية والجمعيات والمنظمات إلى الأفراد.أصبح التركيز في البرامج التربوية والإعلامية والثقافية على قيم الحوار الهادئ والمنطقي السليم والإيجابي واللغة النظيفة بعيدا عن التشنج، فالاتزان وجمالية التعبير أمر مفروض منه، فتشريك الأولياء والإحاطة في متابعة ومراقبة أبنائهم وتقاسم المسؤولية التربوية بين المؤسسة والأسرة أمر ضروري وذلك بإعادة الاعتبار لدور المربي (المعلم) داخل وخارج الفضاءات التعليمية وتمكينه من القيام بدور أوسع في تأطير الناشئة وحماية الأخلاق الحميدة. لا أريد أن أقول أن مرض العنف اللفظي قد تغلغل في مجتمعنا لأنه وببساطة نحمل من الأخلاقيات والمقوّمات ما تجعلنا في مراقبة مستمرة لأنفسنا وألسنتنا والابتعاد علي بؤر التوتر وتشنج الأعصاب وإعمال الحكمة.فاحترام وتقدير الكبير واجب ,والإصغاء للصّغير وعدم تهميشه أمر لا مفرّ منه لإثبات وجوده. تلك ثوابت هويتنا العربية الاسلامية.


 


المصدر: صحيفة " الوطن" لسان حال الاتحاد الديمقراطي الوحدوي ( أسبوعية- تونس ) العدد 81 بتاريخ 17 أفريل 2009

2009-04-20