نحن والديمقراطية وشارون/ الجزء الأول : حذار فتحت الرماد اللهيب / د.خالد الطراولي

تدخل البلاد التونسية منذ أيام في مسار جديد وخطير لم يكن في حسبان الخاص والعام، لم ينتبه إليه النظام، ولم تترقبه المعارضة، ولم تنتظره الجماهير. كانت الانتخابات الرئاسية الأخيرة قد عبّرت عن حقيقة جوهرية غابت فصولها ومظاهرها الملموسة عن السطح، أساسها القطيعة غير المرئية بين نظام وشعب، حيث كانت الجماهير في واد والسلطة والحكم في واد آخر. كانت هذه القطيعة تمثلها النكات المتعددة التي حفلت بها النوادي والمجالس عن حكم وحاكم وحاشية، كانت هذه القطيعة تنسج خيوطها بدقة، تذمرات متصاعدة عن محسوبية ورشوة وفساد كبير، كانت هذه القطيعة تغذيها أحاديث كثيرة وقصص غريبة عن تقاسم ثروة البلاد بين أسر مقربة وأفراد وجماعات. لعل الجماهير لم تقاطع هذه الانتخابات حسب الرواية الرسمية وجرّت رجليها نحو مراكز الاقتراع، لكن القطيعة كانت في الشعور وعلى الوجوه وداخل اللقاءات وفي المجالس الخاصة، وكانت تختمر وتطبخ على نار هادئة..

لم أقتنع يوما ببعض الأحاديث التي أطلقتها بعض أصوات المعارضة حول هذا الشعب وصمته المتواصل والمريب، وشكوكها وحتى تشنجها ويأسها من تململه يوما ! كنت ولا أزال مقتنعا بأن تحت الرماد اللهيب، وأن هذا الشعب الأبي ما خلد يوما إلى الركون والانسحاب ولكن كما ذكرت دائما، هي التجربة والتاريخ والمكنوز والعبر، الذي يتراكم ثم ينجلي. لن نكرر الحديث عما شهدته تونس من سنوات الجمر التي أخذت الأخضر واليابس ولم تقف عند باب البيوت ولمست أخوال الضحية وأعمام الضحية وأحفاد الضحية وأجداد الضحية وضربت القريب والبعيد وأصبح الكل ضحايا !

وانهزمت المشاعر.
لم يكن الشعب التونسي غائبا عن رؤية المأساة ولا عن سماع قصصها الغريبة، ولكن الرعب كان عاما والخوف دخل المشاعر واستوطن العقول، وخيّرت الجماهير في غياب توازن القوى، الانسحاب والبقاء على الأعراف، لكن الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية لم يهدأ لهما بال واختزن هذا الشعب الأهوال والمآسي، واستعظم أن يصل التونسي في غضبه وتعسفه درجة يعتدي فيها على أخيه التونسي بمثل تلك الوحشية، وخسر النظام أول معاركه وبدأت رحلة الطلاق والقطيعة مع شعبه تنسج خيوطها ببطء، في المشاعر أولا ثم في العقول، لتعود ثانية إلى المشاعر حيث تسكن الرأفة والحنان، ويظهر التألم لمصير أفراد وأهل وجماعة.

لقد وقع أول كسر في هذه العلاقة الشعورية بين حاكم ورعية في السجون والمعتقلات وأمام المحاكم، ومن خسر معركة العواطف والمشاعر فقد خسر نصف المعركة، وبقية المعركة تحددها العقول والقوى. لم يفقه النظام أنه في تطرفه ومغالاته في الاستئصال قد أحدث شرخا بينه وبين شعبه، ولم ينتبه أنه لا يواجه جيشا جرارا ولا ثورة شعبية ولا انقلابا عسكريا ولكنه يواجه جماعة سياسية بما تعنيه من تشعب المواجهة وعدم حصرها في البعد الأمني والتنكيل والتعسف.

عندما تنهار الثقة.
وتواصل مسلسل القطيعة دون أن يلمس النظام تمكنها وسريانها، بعدما تفشى الحديث و تطايرت القصص الغريبة التي قاربت الخيال، عن الرشاوى والمحسوبية وتقاسم ثروة البلاد. وأصبح الحديث عن حاشية وأسر وأفراد وكأننا في وليمة التف حولها الجائعون والمرضى ! أصبحت هذه الصورة المشوهة بما تحمله من عنف وظلم، عنوانا بارزا لمجموعة وشخص ثم انتقلت بكل أسف ليصطبغ بها وطن بأجمعه فأصبحت تونس التي كانت بلد القيم والأخلاق والأولياء والصالحين، يشار إليها عند الخاصة والعامة بهذا الزيغ الأخلاقي والسقوط القيمي. كم لقاء أسريا جمعني ببعض الأهل والأشقاء العرب ولم تنطلق من بعض الأفواه النوادر والنكات والهمز والغمز حول ما يقال عن تونس وما يشاع عنها من صفقات بين أهل الصفوة والمقربين من أهلها.

لم يعبأ النظام كعادته لهذا السقوط واعتبره حسدا وغيرة وصيدا في الماء العكر من معارضة تبحث عن ملاذ. ولم يفقه أن جدار صلبا قد وقع نسفه، انهارت الثقة بينه وبين شعبه، هذا الشعب الذي ظن أن عهد الحاشية والمقربين والمبجلين قد ولى وانتهى مع النظام السابق، وأن عهد الكفاءة والاستحقاق قد عوضه. لقد نسي النظام الحالي أو تناسى أن من أسباب سهولة تمكنه من السلطة وتنحية بورقيبة، كان ذلك الابتزاز المتواصل لشرذمة تحلقت حول الرئيس السابق وعاشت في الأرض فسادا، فكرهتها الجماهير وحسدها المقربون وشمت فيها الأعداء والمنافسون. وسعى الجميع إلى إسقاطها أو المساهمة في ذلك صمتا أو تأييدا من وراء الأبواب.

إن الثقة عامل محدد في نجاح حكم واستقرار نظام، وإذا انحل هذا العقد بين الحاكم ورعيته فإن أبواب النهاية قد فتحت على مصراعيها، فالشعب المرتاب هو شعب لا يعمل بكل تفان، جوابه : لماذا أعمل وأنا غير مطمئن على ثروتي؟، لماذا أعمل والربح يذهب لغيري؟ لماذا أعمل وغيري ثري بدون عمل ! والشعب المرتاب هو شعب لا يهمه أمر البلاد طلع بنيانها أو انحدر، فلماذا يبني وغيره يسكن البناء؟، لماذا يُزوّق ويصفّف ويحسن العرض وغيره يقوم بالتدشين؟.

وتوارى الاقتصاد.
ثم دخلت القطيعة منازل اللاعودة لما ضُربت الجماهير في الفلس والدرهم. كانت تعليلات النظام لتدهور الحالة السياسية أن التعويض كان في الجانب الاقتصادي وكان الشعار حين ذاك "استهلك واصمت" "consomme et tais-toi" كان شعارا عنيفا بما يعنيه من حيوانية وانهيار لعالم الإنسان ! لكن الحقيقة كانت كذلك وشهدت البلاد نموا مقبولا وزيادة دخل الفرد وتحسنا في الحالة الاجتماعية، ورغم أن هذا النمو لم يكن هيكليا إذ ارتبط كثيرا بتكرمات السوق الخارجية و غيث السماء والمناخ وهو ما جعله يعيش اللحظة واليوم والسنة، ويحمل منذ البداية عناصر ضعفه وانكماشه التي سوف تتجلى بعد حين، لن نقف طويلا عند هذا الباب وهو ليس من اختصاص هذه الورقة على أن نعود إليه لاحقا في كتابة أخرى.

ما كان لأيام العسل غير المصفى أن تتواصل والرباط الخارجي يضرب على الأبواب، بدأت المأساة تسطر معالمها لما انفض عقد النسيج ودخول الصين الشعبية على الخط، وضُرب القطاع في عنصر تنافسه الأول، تكاليف الإنتاج، ولم يشفع له قربه جغرافيا من أوروبا، وأصبحت البلاد تبحث عن ملاذ لهؤلاء المسرّحين والمطرودين الذين سيعدون بعد شهور بالآلف. لن يبقى الرأسمال الأجنبي حبيس جدراننا حبا لسمرتنا أو عشقا لشمسنا، فكما جاء بحثا عن الربح المضاعف وغادر أرض أوطانه ولم يعبأ لتذمرات وتوسلات وترجّي مواطنيه من أفراد وأسر فهو في حل من أمره، فكما جاء إلى أرضنا، فسوف يرحل إلى أرض ميعاد أخرى، إلى منازل أقل كلفة، وأوطان العذاب والفقر لن تنته، ولن يجد صعوبة في استيطانها.

لم يكن النسيج القطاع الوحيد المهدد "لرخاء" الفرد التونسي فكل الاقتصاد التونسي يرتكز على قطاعات هشة ترتبط كثيرا بحالة الأمن والاستقرار الداخلي، وإن أقل فلتة أو خضة أو هزة تأتي من هنا أو هناك، من شأنها زعزعة هذا الاستقرار، فتتزعزع هذا القطاعات لتزيد الاستقرار زعزعة، وهكذا دواليك، إلى أن ينهار كل البناء. وقطاع السياحة أكبر دليل على ذلك، وهشاشته ترتبط أصلا بالاحتقان الداخلي، وما يمكن أن ينتج عنه من تطرف وإرهاب، في ظل عالم يشوبه الاضطراب والخوف والعنف.

إن حالة من القلق والخوف من المستقبل، بدأت تنشأ عند كثير من أطياف المجتمع التونسي، كان الخيط الاقتصادي خيطا حريريا جمع النظام بالجماهير لفترة ظنتها السلطات أنها دائمة، وكانت درعا لها من كل اضطراب أو مطالبات، وأفاق الجميع وقد أصبح الاقتصاد حملا ثقيلا بعد أن كان ملاذا ومُسكّنا ! ولعل النظام لمس هذه الظاهرة وأحس بخطورتها فسعى إلى محاولة رتقها بكل السبل ولو بالارتماء في أحضان غير بريئة، فكانت دعوة شارون، وكان الخطأ الأخير الذي خندق القطيعة وأخرج الضغينة، ونحّى الخوف ورمى بالجماهير في الشوارع...وكانت انتفاضة الكرامة !

ـ يتبع ـ

2007-06-21