نحن والديمقراطية وشارون/ الجزء الثالث : المعارضة والمشي على رمال متحركة / د.خالد الطراولي

خرجت الجماهير إذا، أو بعضها، وصاحت ونادت، ونالها مجددا الضيم والنصب، وأفلحت المعارضة في بداية مشوارها، وطالتها من جديد أياد الغلظة والتعسف، وبدت الصورة أمام العالم عارية مظلمة شائكة، بدون إطار... لا تزويق، لا تلفيق، لا كذب، ولا بهتان ! كانت دعوة شارون استفزازا ومحاولة لجس نبض التفاعل مع الحدث، فالأيام مازالت بعيدة، والأوراق كثيرة، والمناورات أرضها خصبة، والانتظار خير من الحصار ! لكن المعارضة سعت أن تكون في الموعد مع قيم طالما نادت بها، ومواقف كثيرا ما أعلنتها..، أرادت أن تكون في الموعد مع الجماهير، في الموعد مع انتفاضة الكرامة.

التحالف أو لا نكون
لقد أثبتت حالة التدافع الحالي أن الذئب لا يأكل إلا من الغنم القاصية، وأن التقاء المعارضة وتوحد مطالبها وتناسق توجيهاتها، يعتبر الخميرة الصحيحة لكل عمل مستقبلي ناجح. ولقد عمل النظام، وهذه مصلحته، على تمييع هذا الهدف وتشتيت بواعثه، عبر تشجيع معارضة الديكور، أو العمل على استئصال بعضها، أو محاصرة وتهميش البعض الآخر. ولن نعيد كلاما ملته الأنفس قبل أن تحسمه العقول، أن تقطيع المعارضة إلى ديمقراطية وغير ديمقراطية، يمثل فخا وقعت فيه بعض الأطراف، ولا نخاله إلا معيقا ومهمشا ومحجما للعديد من الآمال والأعمال. ليست الديمقراطية عرضا تجاريا يسهر على بضاعته باعة متجولون، ويحوم حولهم مشترون مندفعون، وليست الديمقراطية صكوك غفران من قديسين في معابدهم أو أحزابهم، يناولونها من يعتقدون في جناتهم في الأرض قبل السماء.
ليس سليما أن يقبع طرف أو أطراف خارج فسيفساء المطالبة والحراك، ونحن نعلم جيدا أن لكل جزء مكانه في المجموع، وأن المعارضة بحاجة أكيدة إلى كل سند وإلى كل يد وطنية وفاعلة، فالإقصاء لا يولّد إلا المرارة والتباعد والطعون في الظهر، ويضيع عن المعارضة طاقات وتجارب وشرعيات.
إن أي تعامل حالي بين أطراف المعارضة يجب أن يُبنى على تحديات المستقبل القريب والبعيد والمصلحة العليا للبلاد، فالهم الأول والأساسي هو إحداث هذه النقلة السياسية السلمية المنتظرة، والمساهمة في مواكبتها وفي توجيهها الوجهة السليمة. فكل تعامل على أساس الماضي لا يؤدي إلا إلى فتح الجراح وتعميق الخنادق وتحريف المسار، أو حتى إجهاضه.
لعل بناء خطوط أخلاقية ملزمة للحيلولة دون الإحتراب بين أطراف المعارضة، زعماء وقاعدة، يمثل الطريق الأصوب لتجاوز عديد التحديات المستقبلية. فالتنافس البريء بين برامجها وتصوراتها يمثل حالة حضارية طبيعية، والأساس لمجتمع تعددي سليم وشفاف، والطموحات الشخصية بين زعمائها لا تشكل بوارا لها، بل هو السعي المدني والواعي للاكتشاف الفاضل مع وجود أهل الفضل. لكن الكارثة أن تعوض السياسوية، بما تعنيه من مكر وزور وخديعة وطعن في الظهر وخيانة، السياسة، بما ترمز إليه من السعي لخدمة المجتمع، بأيد نظيفة ومواقف وطنية وسلوك حضاري. وهنا مربط الفرس، فليس خوفي على المعارضة من السلطة، فالأيام دول، ولكن خوفي عليها من ذاتها حين تنضج الثمرة ويحل موسم الجني والقطاف، أو قبله بقليل حين تكثر الهدايا والوعود، ويسيل اللعاب وينسى الخليل خليله، والحليف وعوده، ويتنكر صاحب الأمس لأيام الشباب والعزوبة !

الجماهير وخيط معاوية.
إن التوصل إلى تحريك الجماهير يمثل عقبة هامة أمكن تجاوزها، ونقلة مصيرية ولا شك ولكنه ليس الأهم، إن عمق التحدي هو إبقاء هذه الجماهير على هذا الحراك وتمدده، والمحافظة على روحه، وعدم ذبول شعلة الاستفاقة وتجدد الوعي. إن توقف المسيرة ممكن حدوثه، أو خفوتها أو تهميشها، ولكن لن يعني نهاية الأمل وموت المشوار ووقوع الكارثة. إن مصيبة المصائب هو أن تقع المعارضة في الإحباط واليأس والاعتقاد في سلبية الجماهير، والحسم النهائي في عدم أهليتها للنضال، وعدم استحقاقها لمن يدافع عنها، ويضحي بالغالي والنفيس من أجلها، ثم مغادرة الإطار وإبقائها في السراديب !
لا يجب التهوين مما حدث، فشعار "لا خوف بعد اليوم" الذي رفعته المعارضة منذ زمان وهتكت به أسترة الظلام، وآملت أن تراه يغادر البيوت والغرف، ويُمارَس سلما وجهرا في شوارع تونس وأزقتها، ويتمترس خارج جدرانها، قد حدث، ولو باستحياء، وهي خطوة ستتبعها خطوات، ورحلة الألف ميل تبدأ بميل ! إنها بداية التغيير في معادلة الخوف التي كانت تحكم الديار، ولا نخال الضفة الأخرى مازالت تنام بملء جفنيها.
إن العلاقة الجديدة التي تربط المعارضة بجماهيرها هي التفهم والتفاهم، هي قول معاوية بن أبي سفيان : بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت أبدا..إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها..
إن واقعية المعارضة تلزمها أن تبني على القليل حتى يكثر، وعلى الصغير حتى يكبر وعلى الضعيف حتى يقوى وعلى المريض حتى يشفى. ليس الخروج ثورة في الشارع، ولكنه ثورة حدثت في الوعي، وهي محطة ستتبعها محطات..

أزمة نظام وأزمة معارضة؟
لا شك أن هذه الأحداث قد كشفت المستور وفضحت المغمور، لكن تنحية الغطاء وتجلية المعتّم لم يطل النظام فقط، ولكنه كشف عن منازل الضعف ومسالك الهزيمة التي عليها المعارضة التونسية، إن الحقيقة المرة التي جلتها هذه الدعوة ليس كشف سلبية وخطأ النظام الذي ربما كانت مدروسة، ولكنه أيضا وبكل مرارة أزمة المعارضة نفسها. إنه الاكتشاف المتأخر أن الوحدة هي سبيل النجاح، وأن تنافس الزعامات لا يعني تناحرها، وأن الجماهير تثق في ذاتها أكثر مما تعتقده المعارضة فيها.
إن المعارضة مقبلة على تحد كبير، وهو المحدد لأيامها ولمصداقيتها أمام الجماهير، وعلى شرعية تواجدها عند الداخل والخارج، إن أسئلة عديدة تطرح نفسها بقوة وتلزم المعنيين بالإجابة وإلا حملهم تيار اللامبالاة وانهيار الثقة إلى منازل العدم، أسئلة لا بد منها حتى تصبح الأحلام حقيقة والآمال واقعا يمشي على الأرض بخطى رصينة : ماذا بعد الحدث؟ والسؤال يحمل ضمنا توجها غير سليم، وهل انتهى الحدث؟ ثم هل يخفي ما وقع، في حدّ ذاته، تأكيدا على ضعف المعارضة وانتظارها لهذه الدعوة، حتى توحد صفوفها وتتنافس في بياناتها، على الأكثر رفضا والأعلى صوتا والأكثر إثارة؟ هل دعوة شارون أكبر أم دعوة الاستبداد أكبر وأشد؟ هل نبقى حبيسين هذه الدعوة أم نتجاوزها لمنازل أشد ظلاما وأعمق، فنثير أنوارها؟ ماذا لو تراجع النظام وهي إحدى القراءات المعقولة، حيث تجنبه الكثير من المتاعب وتجعله أمام الخارج في حل من أمره، فهو قد قام بالواجب ! لكن الجماهير والمعارضة رفضت وكادت تطيح باستقرار الداخل ومصالح الخارج، ماذا بعد التراجع؟ هل نواصل المسير، وعلى أي برنامج وبأي منهجية؟.
إن أوراقا عديدة أصبحت في يد المعارضة والكرة أصبحت في ملعبها، فالدرس الأساسي الذي يجب استخلاصه مما حدث، هو تجاوز أزمة الذوبان والتهميش والتشتت، وتفعيل هذا المدّ وتغذيته على أسس رصينة ومتخلقة، وخطة عمل مضبوطة، ومنهجية موحدة وواضحة، لا تقصي جماعة ولا تهمش زعيما. ولعل في البرنامج التالي رؤوس أقلام ومقترحات للدرس والإثراء :

1. .تكوين جبهة تجمع كل أصناف المعارضة، لا يصنفها مصطلح الديمقراطية المغشوش ولا الأيديولوجيا ولا المرجعية ولا الجنس.

2. تشكيل مجلس تسيير يجمع كل الزعامات على أن تكون الرئاسة دورية.

3. الدعوة لمؤتمر عام يحدد خطة نصف سنوية للعمل، يجمع كل أعضاء الجبهة والممثلين لقواعدها.

إن الإكثار من المواعيد واللقاءات والمؤتمرات الجماعية، يمثل في حد ذاته منهجية سياسية للتواجد وتبادل الحديث حول الأصلح والأفضل، وملئ الساحة والحضور تحت الأضواء الكاشفة، وحتى تعلم الجماهير أن ورائها جماعة تعمل للصالح العام وتسعى بجد للتغيير. وكذلك فإن الرئاسة الدورية للجبهة [شهرية مثلا] من شأنها جلب الحديث نحو المعارضة وزعمائها، وحتى يتجلى للجماهير قدرة هذه المعارضة على العمل الجماعي، ومقدرة أي زعيم على التفاعل مع واقعه وعلى البروز السليم والكفئ.

ختاما
لن نبكي على الأطلال ولن نندب الحظوظ ولن نحبط ولن نيأس ولن ننسحب. إن رفع سقوف الطموح شيء نبيل ومحفّز، ولكن رفع سقوف الآمال حتى تجاوز الطاقات والإمكانات وتطرق باب الأماني والأحلام خطير ومهمّش، إن هذا التحرك سواء لا مس شرف الانتفاضة أو إرهاصاتها، يمثل عنصرا إيجابيا محددا في بناء مسار ومصير. ولعلنا لسنا إلا في بداية أزمة، يكون النجاح لمن يستطيع إدارتها بكفاءة ووعي وتدرج، وكثير من الصبر مع طموحاته، مع حلفائه ومع الجماهير. إن بناء مشروع الشعور بالواجب نحو الوطن، يمثل أول تحديات هذه الإدارة للأزمة، ويشكل عنصرها الثابت في الانطلاق، حيث يلتقي الخوف مع الاختيار و الالتزام مع الحرية.

2007-06-21