خواطر متمردة حول مبادرة 18 أكتوبر/الجزء الثاني : تونس للجميع .. الكلمة الحق والممارسة الحق/ د.خالد الطراولي


تعبر سفينة التحدي والوقوف ظلمات بحر لُجّي من فوقه سواد ومن تحته سواد، وتنطلق مبادرة 18 أكتوبر وهي ترفع شعار الصمود وشراع المضي إلى الأمام... نحو هضاب وسهول، نحو مضيق وممر، نحو مفترقات طرق يحدد فيها الوعي وحسن الاستقراء ودقة الاستشراف ومراعاة قوة الخصم وتقدير قوتنا، أساس الشهود أو السقوط.
لا تدعي هذه الورقات الوقوف عند كل المفترقات ومجمل التحديات ولكنها تحاول بتواضع سبر بعض الثنايا، والخلوص إلى تجاوز المناطق الحمراء. إن شعار لا صوت فوق صوت المعركة والذي مكّن لبذور الاستبداد في بعض الأزمنة والمواقع، لا يلغي ضرورة الكلمة الطيبة والنصيحة الراشدة والتقويم البنّاء عسى أن يكون الهدم سليما والبناء أسلم. من هذا المنطلق فإننا نزعم أن ستة مفترقات تبدو أكثر بروزا وأعظم خطورة ويمكن أن تجابه المبادرة وهي تسطّر طريقها الصعب بين الأشواك والمحن، وهي التي سنوليها قبلتنا ونحاول جاهدين ومجتهدين أن نلم بأطرافها، وهي على التوالي :
* تونس ليست فريسة للنهش
* من تحرك النخبة إلى ثورة الياسمين
* أسطورة الربع ساعة الأخير
* الوعد الحق أو موقع الحركة السياسية ذات المرجعية الإسلامية

تونس ليست فريسة للنهش
إن العمل من أجل تونس، ليس عملا من أجل المعارضة، وليست المعارضة اليوم إلا صفحة بيضاء تكتب عليها حروف من ذهب في التصدي للاستبداد ومواصلة النضال، وليست المبادرة إلا تعبيرا راقيا ووجها مشرقا وصورة لامعة لسنوات من النضال والكر والفر اكتنزتها الذاكرة وحملها تشريد البعض ومعاناة البعض وسجن البعض، وعبرت عنها اليوم عقول راشدة وبطون خاوية وإرادة من حديد. إن مبادرة 18 أكتوبر تمثل ثمرة تدافع وتقارب وكر وفر وتجارب ومبادرات سابقة، وهي بالتالي نتاج عمل جماعي نضالي متميز ومستمر، لم يخبو لحظة أمام صولات الاستبداد والجور، وحملته أجساد بالية وآهات عالية انطلقت من المنافي والسجون، ساهمت فيه أرواح غادرتنا و دموع حيرّتنا، ساهمت فيه أقلام وأصوات، من الداخل والخارج، رغم الجور والضمأ وقلة المناصرين !
لقد دفع العديد من الأفراد والأسر ولا يزالون ضريبة عالية من أجل الحرية والكرامة في تونس، لقد كان المذاق مرا والثمن باهضا... كم من وجوه لُطمت، كم من أجساد عُذّبت، كم من دموع سُكبت، كم من دعوات مزّقت عباب السماء وهي تشكو ظلم العباد...لن يصدق تاريخ تونس يوما إذا لم يعلو السواد العديد من صفحاته، ظلمات فوق ظلمات !

أمانة الفعل والكلمة
هذه هي الأمانة التي حمّلنا إياها شعب بكامله، شعب وإن خفت أصوات بعضه في بعض الثنايا والأزمنة، فإنه لم يترك الساحة وإن كان مغلوبا على أمره، منه من صدّق الباطل، ومنهم من خافه، ومنهم من انتظر، شعب لم يذكر التاريخ أنه غاب يوما عن موطن الحدث..، والغفلة لا تعني النسيان، والبقاء على الربوة لا تعني التشفي والشماتة والانسحاب... ومن هذا الشعب خرجت اسماء الدغباجي يوما ومصباح الجربوع وابن غذاهم، وخرجت البارحة وبالأمس القريب أسماء متلألئة ملأت الشاشة، وتخرج اليوم أسماء فاضلة أخرى تنير الطريق من جديد، ولن تعجز تونس الخير والكرامة أن تنجب المزيد !
إنها أمانة المغلوب على أمره وأمانة المظلوم، أمانة المتفائل والمستشر، أمانة المنتظر والحالم بأيام البياض والعدل والحرية والأخلاق، وهي كلها في أعناقنا وهي اشد حملا وأعظم مسؤولية عند أصحاب المبادرة، لذلك فإن كل زيغ أو تغيير قي المنطلقات، أو انفراد وتفرد بالرأي أو تعجل في قطف الثمار، أو تسابق في نيل الرضوان، او تناقس غير بريء من أجل الكلمة الأولى والصوت النافذ وكراسي الصدارة، كل هذا مقتل المبادرة.
لازلت أذكر أحد الأصدقاء العرب وهو يسرد على مسامعي بمرارة قصة المعارضة في بلده، حيث وُزِّعت الحقائب الوزارية والمناصب المتقدمة، والذئب لا يزال في الحظيرة، وحاكم البلاد لازال يرتع ويجور ويستخف، ولم تمرّ أيام قليلة حتى كان الجميع بين أيد الجلاد أو قاربت رقابهم المشانق، ودخل الوطن في نفق مظلم، واختفت الأضواء الكاشفة ونزل ستار حديدي على البلاد.
 
إنني أتقهم هذا التنافس البريء للعمل من أجل تونس، تعدد في اللجان، ظهور للأقلام، وخروج بعض الوجوه، وطرح المبادرات... إنا نتفهم كل هذا ونستبشر به ونعتبره أذانا بأن أيام الخوف واللامبالاة قد ولّت، وأن الجرأة والشجاعة قد دخلتا الباب دون استئذان... ولكن حذار من التسرع حيث يجب الهدوء وحذار من التهور بدل الجرأة والشجاعة، وحذار من التسيب في مقابل المرونة. حذار من الإقصاء وقد عشنا أيامه ولياليه، حذار من الاستبعاد وقد نالنا منه النصيب الأوفر، حذار من الوقوع في مواطن وأفعال كانت سببا في تشرذمنا وفي طول ليلنا، كانت سببا في تثبيت أعدائنا وتدعيم ركائز استبدادهم ودوامه.
لقد كانت أحد أكبر المآخذ على هذا النظام هو تقاسمه للبلاد وتوزيعه ثرواتها بين الأهل والعشيرة، وكانت سببا مباشرا في انهيار جماهريته، حتى أنه لم يعد مخفيا عن أي بيت تونسي أسماء الحاشية وقصص تقارب الخيال في معاملات البعض وتدني المستوى الأخلاقي، ولن ننجح إذا أنكرنا فعلا وأتينا مثله، لن نستطيع البناء ونحن نحمل معاول الهدم، لن ننال وقوف الجماهير معنا وهي تنظر إلينا كبديل أخلاقي وبديل منصف وعادل إذا لم نرتقي إلى مستوى العمل الخالص من أجل تونس.
 
المعارضة والتحدي الأكبر
إن المعارضة التونسية تحمل اليوم هذا التحدي الكبير وهذه الأمانة، وهي مشبعة برجال صادقين ورعين وطيبين تركوا مواطن الفلس والدرهم ولذات النفس والنفيس، وسخّروا أيامهم ولياليهم من أجل الوقوف أمام القهر والاستبداد. وهي اليوم أمام مفترق طرق، إما أن تدعم نهج الأمانة والزهد والتجرد والعمل المتواصل حتى يحصل التغيير ويتواصل البناء على أسس أخلاقية ووطنية، وإما أن تترنح وينالها حب الأنا وتدخل معاقل الحسابات والمقاسمات ويقع المحظور، قبل أن يرى هذا الشعب بدائلنا وأن نفرّج عنه كربته وآلامه.
 مسؤولية كبرى تحملها المبادرة ولا شك، وتطرحها بكل قوة على أصحابها أولا وعلى كل فرد يساندها صوتا وقلما وممارسة بأن يراجع كل خطوة يخطوها، أن تونس ليست فريسة للنهش، ليست حكرا على فرد ولا على مجموعة ولا على حزب وطائفة ولا على جهة ولا على جنس ولكنها وطن جريح، كريمة أرضه، طيبة سماءه، وطن علا نحيبه واستوطن الجور أطرافه ونادى من أعماقه عن خلاص عن غياث. ولن نكون أهلا لإجابة، لن نكون أهلا للإغاثة، لن نكون أهلا للتمكين، إذا لم يكن مشروعنا أخلاق خالص، عدل خالص وتجرد خالص، من أجل تونس وأهلها الطيبين.
 
هذه تونس التي نريد، تونس للجميع، وهو المفترق الهام والتحدي الأعظم الذي تجتازه المبادرة، وهي الرسالة الكبرى التي أبرقتها إلى كل طرف سياسي يحمل همها، وإلى المواطن التونسي الذي أحزنه تشرذم المعارضة يوما واغتاظ من ترهلاتها والذي ينظر إليها اليوم على أنها مشروع بديل يصطبغ بلحاف أخلاقي يجمع تحته كل التونسيين دون تمييز، ويعوّض لهم ما فات من فساد ومحسوبية واستغلال وتفرد واستخفاف.
ـ يتبع ـ

2007-06-21