خواطر متمردة حول مبادرة 18 أكتوبر/الجزء الثالث : من تحرك النخبة إلى حركة الياسمين / د.خالد الطراولي


لا يشك أحد في الفرادة التي حملتها مبادرة 18 أكتوبر في مستوى التوقيت والرجال، كانت تنوعا مثيرا يجمع في نفس البيت الواحد أيديولوجيات مختلفة وبين نفس الجدران لأيام وليالي لرؤى وتصورات، كتب الناريخ اختلافها وفي بعض الأزمنة خلافها، جمع هذه الصفوة صيحة فزع وانتفاضة كرامة من أجل تونس وكفى. كان التوقيت يتميز برؤية واقعية متقدمة، يريد توضيف الحدث من أجل رفع ستار التعتيم والظلمات عن شعب وقضية. كانت المباغتة كبيرة، كانت المفاجأة على المعارضة نفسها، حيث تخيل الكثير من أبنائها ولعله وصل في تخميناته أن المعارضة التونسية كتب عليها الفراق والاختلاف والشقاق والخلاف وأنه لا مناص من الاعتراف بضعفنا ورمي المنديل وانسحابنا من ساحة التكاتف والتآزر، ولعل الزمان يتكرم علينا يوما بالوعي والرشد الذي يمحي عنا تخلفنا...كانت المفاجئة للسلطة وهي تظن خطأ أنها قبرت كل صوت حر وأن السجون والمنافي كفلتها همّ مواصلة المواجهة وأن العصا كانت غليظة فمنعت كل خاطرة أو فكرة مخالفة أن تبرز أو تنتشر...كانت المقاجئة للخارج وهو يعتقد أن المراهنة على المعارضة لا تجدي فصوتها ضعيف وجماهريتها مهتزة ولنظام القائم لا يزال قابضا بكل الخيوط ويحمل كل الأوراق...
و كانت المفاجأة للجماهير التي طالت عليها سنوات الجمر وغلب عليها الانسحاب أو الانتظار وظل بعضها يترقب مهديا من السماء أو من الأرض، وعتّم عليها الاستبداد الرؤيا بداية، فلم تر غير معارضة الديكور التي سعت السلطة بكل قوة إلى إظهارها كصك وفاء للديمقراطية، ثم تراء للبعض منها أن تونس لم تعجز عن إنجاب الولد المشاكس الذي لا يقبل بأن يكون ورقة انتخاب في صندوق مثقوب، كانت المعارضة الجديدة الرافعة لشعار التحدي قد جلبت انتباه الجماهير التي ظنت أن الساحة قد انفرد بها الاستبداد أو من عاضده، وتجلى لها بعد لأي أنه يمكن أن تجدد عهد التواصل معها بعد أن سحبه الاستبداد منها.
إن هذه الآمال الكبيرة المعلقة على المعارضة في صيغتها الجديدة التي تحملها مبادرة 18 أكتوبر يعظم المسؤولية ولا شك ولكنه يضعها أمام مفترق كبير وتحد خطير وهو النجاح في جلب الرأي العام الداخلي نحوها، بعد أن استطاعت أن تجلب العيون الخارجية حولها وترج قناعات وأحكام مسبقة. هذا هو مقتل المبادرة أو حياتها، وهو يستدعي منهجية صائبة وتنظيرا سليما ووعيا بالمرحلة، وفقها بالواقع الداخلي والخارجي الذي تتحرك فيهما. إننا لنلمس منازل ثلاث تستوقفنا في مسار التمكين للمبادرة في بعدها الجماهيري، حيث يتراء أن الجماهير التونسية وهي تنظر إلى المبادرة بعيون حالمة ولا شك تنتظر رمزا معبّرا وتحالفا واضحا وتآزرا متينا ومشروعا بديلا.

اللون الأبيض لون الياسمين لون المبادرة
للكلمة صولة وجولة ولا شك، وكم أدت إلى سقوط شعوب أو قيامها، كانت كلمة الرسول الكريم (ص) "خلوا ما بيني وبين الناس" منهجا وهدفا وغيّرت عقولا وأفكارا وبنت دولة، وكانت كلمة تشرشل لشعبه " لا أعدكم إلا بالدم والدموع" موعدا مع النصر وخطا متقدما للصمود والدفاع عن بلد الضباب. وكانت للصورة فعلها وتأثيرها وما عالم الانترنت والفضائيات اليوم إلا تعبيرا للدور الذي يلعبه المشهد الحي في قلب معادلات واستنهاض همم وكسب روافد وسند. لكن الرمز الذي تحمله كلمة أو لون أو حدث أو صورة يعتبر أداة متقدمة وهامة لتمثيل مشروع أو مبادرة أو حركة، وتوضيفا سهلا وعمليا لبرامج ورؤى وتصورات وأطروحات.
إن كسب سند الجماهير عن طريق الرمز المبسط الذي يجعلها تحلم بغد أفضل، وتتبنى بكل وضوح وأريحية مشروعا يعبر عن همومها وآمالها. إن الرمز أداة لربط الجماهير بتاريخها، بواقعها بمستقبلها، ويجعلها في انسجام مع هويتها وتوافق مع المبادرة وأصحابها. ولقد كان اللون أكثر الرموز تأثيرا وانتشارا وساهم في تثبيت ونجاح حركات وثورات، وانتشار مقولات ورؤى ونظريات، كان اللون الأحمر معبرا عن الثورات الاشتراكية الذي حملته جماهيرها، وكان اللون البرتقالي رمز الثورة الأوكرنية وساهم في إشعاعها.
إن مبادرة 18 أكتوبر وهي تسعى إلى إحداث نقلة نوعية داخل المشهد السياسي التونسي لا يمكن أن تظل بدون رمز يتمثل في لون يصطبغ بها ويمثلها ويعبر عن مشروعها، حتى يسهل الانتماء والتعبير والسند، فيظهر  عبر قطع قماش أو ورق مقوى يحمله المضربون ويرفعه المساندون، ولما لا يكون اللون الأبيض تعبيرا عن الصفاء والسلم واقترابا من زهرة الياسمين التي ترمز إلى تونس وطيبة أرضها وسلامة عيشها وكرم أبنائها. فتكون مبادرة الياسمين وحركة الياسمين وثورة الياسمين ! 

إن الجماهير التونسية وهي تنظر إلى هذه الجماعة الطيبة التي
إن لغة الحزب والطائفة والمجموعة يجب سحبها اليوم من أي خطاب وأي ممارسة، إن لهجة الانتماء يجب قبرها إلى حين، فلا انتماء اليوم إلا لتونس ولا تحزب إلا لتونس، ولا طائفة إلا طائفة الشعب التونسي، الذي من أجله نحيا ومن اجله نلقى ربنا. ولقد زرعت المبادرة نبتا مباركا وطيبا في تكوين هذا الحلف الذي تجاوز الأحزاب وارتفع فوق الانتماءات ولعله أكبر إنجاز أولي شكلته المبادرة الطيبة وجعلته يمثل منعرجا في المشهد السياسي القائم، فالشيوعي يلازم الإسلامي، والاشتراكي يلتحف بنفس غطاء الليبرالي، والحزب يجتمع بالجمعية، والحقوقي يسند السياسي، والمعترف به لا يفر من الذي رُفض تسجيل ولادته.
 

2007-06-21