خواطر متمردة حول مبادرة 18 أكتوبر/الجزء الرابع : أسطورة الربع ساعة الأخير / د.خالد الطراولي


لم تكن مبادرة 18 أكتوبر إلا ثمرة مجهود انطلق حين دخل أول مظلوم عتبة السجون والمنافي، لم تكن إلا محطة متقدمة في مسلسل الوقوف والجرأة الذي دشنته أجساد بالية من وراء زنزاناتها الانفرادية أو الجماعية وتسارعت إلى مساندته أصوات وأقلام حرة من داخل البلاد ومن خارجها، ليست المبادرة إلا تعبيرا على تواصل يقظة النخبة وعدم توقف إرادتها على المقاومة وعزمها على مواجهة الاستبداد ببطون خاوية وعقول مليئة بحب تونس وحب أبنائها، ليست المبادرة إلا مرحلة مهمة في مسار عودة الوعي داخل المشهد السياسي التونسي وهي حلقة مصيرية في مسار نضالي تصاعدي ينشد تنحية الاستبداد وزعزعة الثقة في تمكنه والمساهمة في بناء مجتمع العدل والحرية والأخلاق.
لن يغرنا ترهل الاستبداد، لن يغرنا ارتباكه، لن تزعزعنا ثقته المهتزة في رجاله، لن نهرول إلى أي سراب يبرز من هنا وهناك، حتى إذا لمسناه لم نجد شيئا ووجدنا الاستخفاف والاقصاء والاستبداد عنده !
إن الأيام الحالية التي يمر بها المشهد السياسي في تونس ليست بالعادية ولا شك، ولقد ساهمت عديد العوامل في بروز وضع عام مختلف ومتغير...فلقد انتهت أيام الغطاء الاقتصادي المغشوش، وظهر للعيان هشاشة قطاعات بأكملها، كانت كل المؤشرات تؤدي إلى استفحالها، لم تكن هزة قطاع النسيج بالفجئية فدخول الصين كان مبرمجا ونهاية اتفاقية النسيح كان معروفا ولكن أهل الذكر تخلفوا عن الركب ولم يستعدوا لأيام المحن، ولم يكن ارتفاع أسعار النفط ونبوض الثروة البترولية التونسية بالشيء غير المرتقب، ولكن كانت الغفلة وكان التجاهل، انتهى الاستغفال الإقتصادي وأصبح التونسي في حالة اجتماعية غير مستقرة...
وانتهت الغفلة الاجتماعية وغمرت النكات اللاذعة والقصص التي تلامس الأساطير عن تقاسم ثروة البلاد المجالس والنوادي واللقاءات الخاصة ومواقع الانترنت، وانتشرت المحسوبية والرشوة والجور الاقتصادي وغزت البيوت والأسواق، وأصبح المواطن يراقب فقره ومسكنته وانحداره إلى مستنقع الحاجة والمساعدة، وثراء الجار البعيد وهو يزيد جنة إلى جنانه و طبقا جديدا في بنيانه...
وانتهى الاستغفال السياسي ولم تعد تنطلي قصص وروايات الديمقراطية القائمة والتعدد المتوفر والمشهد السياسي السليم والمتحضر، وكرامة الإنسان وحقوقه المصانة، وعرف الجميع أن أناسا من جلدتنا يقبعون ظلما وعدوانا في غيابات السجون وأن رجالا صادقين ونساء طاهرات يعيشون المنافي والتشريد... انتهت المنامة السياسية وعرفت الجماهير أن على الربوة يقف الاستبداد وأن الباطل قد استغفلهم واستخف بحالهم وأن الأيام الخوالي لم يعد لها وطن...
ولعل عنصرا جديد بدأ يبرز بكثير من الحياء وهو المعطى الخارجي، الذي بدأ يتململ بعض الشيء وكأن عهد الصك على بياض قد انتهى أو قارب التغيير، وهو بعد لا يقل أهمية عن المعطى الداخلي وله ألف حساب.. !
هذا هو المشهد الجديد للحياة التونسية العامة، وهو مشهد محيّر ومحفز ويدعو إلى كثير من التأني والقراءة الواعية والاستشراف الرصين، فهل تعني هذه التغييرات أنها هيكلية ونهائية وأن الأيام القادمة لن تزيدها إلا تأكيدا وتثبيتا وأن الربع ساعة الأخير قد كثرت مؤشراته وأن الثمرة قد أينعت وحان قطافها وما علينا إلا إطلاق الأيدي وفتح الأفواه لالتقاطها؟، أم أن المسار لا يزال في بدايته وأن الأحلام والنوايا الطيبة والآمال المعلقة لا تعوض واقعا معقدا ولكنه صلب، وأن النظام لا يزال يمسك بكل الخيوط وليست بطون خاوية لثمان من الرجال سوف تزعج بطونا انفلتت الخير والرفاه؟ هذا هو الإطار الجديد الذي تتنزل فيه مبادرة 18 أكتوبر فهل هي إيذان بنهاية الاستبداد؟

2007-06-21