غيرنـا يتقدم وسلطتنا ثابتة...إلى متى / د.خالد الطراولي


الرئيس الجزائري يريد طي صفحة الماضي ويعلن إجراء استفتاء حول المصالحة الوطنية لدفع البلاد نحو مزيد من الوئام ونسيان سنوات الجمر والبناء على بياض...
موريطانيا تقوم بانقلاب عسكري أبيض، تعد بعودة الجند إلى الثكنات والتحضير لتثبيت مشهد سياسي متعدد وديمقراطي، وفي الأثناء وقع إطلاق المساجين وبُرّئت ساحة البعض، وأُعطيت التأشيرة لحزب قريب من الإسلاميين...
المغرب يعلن في عيد ميلاد ملكه الإفراج عن عديد المساجين السياسيين وخاصة من اتُهموا سابقا بالإرهاب، وقد سمحت السلطات المغربية منذ مدة لحزب ذي توجه إسلامي بالتواجد القانوني...
 ليبيا تدعو إلى مصالحة داخلية وتقرر على لسان ابن حاكم البلاد أن أيام الإخوان في السجن أصبحت معدودة، وأن المنافي والتشريد أصبحا من صور الماضي الحزين، وأن مصادرة الأموال والممتلكات وكل التعديات والتجاوزات التي اصطحبتها يجب مراجعتها ومحاسبتها وإعادة الثروات إلى أصحابها وإلزام التعويضات في ذلك، وإعادة فتح ملفات الانتهاكات، وعدم شرعية المحاكم الثورية والشعبية...
وحتى جبهة البوليزاريو على صغر حجمها تدخل منازل المصالحة والعفو وتعلن إفراجها عن آخر الأسرى المغاربة وتطلق بادرة حسن نية لمعالجة سليمة لملف الصحراء...
الكل يتحرك نحو مواطن الرحمة، وبقيت تونس على التماس، قست القلوب ونسيت رحمة العباد، وغفلت الأعين عن رؤية مشاهد الفزع والرعب داخل أسر وعند أفراد، وصُمَّت الآذان عن سماع أصوات الاستغاثة وصرخات المستغيثين والآهات المنبثقة من أجساد بالية متعبة تقبع في الدهاليز وفي الظلام، ومن الإنصات إلى بكاء أطفال وزوجات جفت عيونهم عن مزيد من سكب الدموع...
الكل يتحرك نحو منازل الحق والإنصاف والعدل بين الأفراد والمجموعات، فالوطن للجميع ولا استفراد بالوطن ! وبقيت تونس في مكانها جامدة وقد تهمش جزء كبير من مواطنيها، نالته سنين العذاب والتهميش والجور والاعتداء... آلاف من الأفراد، مئات من الأسر، آلاف من المشردين، آلاف من المسجونين... الضحية تطرح المصالحة والعفو عما سلف رغم السواد، والسلطة ترفض اليد الممدودة وتتمسك بالظلام...
الكل يتحرك نحو الرؤية الاستراتيجية الواعية، حيث يتقدم العالم بخطى حثيثة لمزيد من الإصلاح والديمقراطية في مجتمعاته حيث تبين للجميع ما جرته الدكتاتورية وسياسة الإقصاء والاستخفاف من ويلات ومآسي داخل الحدود حتى فاضت سمومها خارج الأسوار، وضربت السلام والأمن والاستقرار في العالم، وبقيت تونس متثبتة برؤى قديمة ومنهجيات عليلة وتطاول على الواقع وإصرار على عدم رؤيته. لعل السلطة في تونس تراهن على النسيان والاستغفال، أو لعلها تراهن على سلامة نظرية الاستئصال والتهميش والعصا الغليظة، وأنها سوف تبقى الحارس على أعمدة المعبد حتى وإن تخلى حراسه عنه !
إن هذه المنهجية تقارب منهجية النعامة وهي تحشر رأسها في التراب حتى لا تقع عيناها على الخطر والخطر حادق بها ويكاد يفترسها. وعجلة التاريخ لا تعود إلى الوراء وليس اليوم كالبارحة، وليس عدم الإسراع في إدراك الركب إلا استبعاد اللحظة التاريخية وليس تنحيتها، غير أن هذا الترهل لا يؤدي في النهاية إلا  إلى مزيد من الصعوبات ومن الوقت لمعاودة البناء.
إن أمام السلطة التونسية اليوم فرصة تاريخية لا تعوض، معارضة مازالت تبحث عن ذاتها وعن إثبات وجودها، وضع عالمي يدفع بحزم لمزيد من الشفافية والديمقراطية، إطار إقليمي حسم أمره نحو الانفتاح السياسي والاقتصادي، جماهير لا زالت تنظر بعين مسالمة وتنتظر الكثير، وضع اقتصادي داخلي يتطلب تماسكا وانضباطا وصبرا و تقاسما عادلا، وحركة إسلامية إصلاحية مسالمة ومتعددة تمد اليد وتصفح عما سلف وتريد البناء مع الجميع في وضح النهار من أجل رفاهة تونس وسعادة شعبها.
إن حديثي هذا ليس إلا تكرارا في بعض نواحيه لعديد النداءات والصرخات والمبادرات، ولعل عديد القراء سوف يلاحظون ذلك، ولكن ما في اليد حيلة سوى تذكير هؤلاء دائما وأبدا لعل القلوب ترتعش يوما، أو لعل أذن خير توصل الوصية إلى أصحاب الشأن، أو لعل الضمائر تحن يوما إلى فعل الخير، أو لعل عقولا قد طمست عنها الرؤيا السليمة، ترتج نحو مواقع التفكير الناجع والواعي الذي يحمي المجتمع قبل أن يحمي الذات وفرديتها... لكن حديثي يبقى في الكثير من ثناياه تعبير عن أمانة نحملها نحن الواقفون خارج الأسوار على مواطن الكلمة والقلم، نحو هؤلاء المظلومين ونحو عائلاتهم وأسرهم، ونحن لا زلنا مقصّرين !
 

2007-06-21