المشروع الإسلامي التونسي على مفترق طرق/ الجزء الأول : السلطة والمعادلة الجديدة / د.خالد الطراولي


يبدو أن رياح التغيير قد بدأت تحط رحالها في أوطان قد ظن البعض منا أن بوصلتها قد تعطلت، وأن سفينة الأمل والرجاء قد تأجل إبحارها... سنوات من الجمر والدموع مرت على شعوب، سوف تعجز الأقلام عن روايتها لكثرة ظلال الحياء واللامعقول التي طالت ثناياها... سنوات غابت فيها الأخلاق وغاب فيها الإنسان، غابت فيها بشريته، غابت فيها حقوقه، غابت حريته...
غابة من الظلم والجور والنفاق والعربدة والاستئصال والتشفي والشماتة..، وستار حديدي، ستار من الاسمنت المسلح سقط على شعوب بأكملها في وضح النهار وعلى مرأى من عيون الجيران ومن ديارهم...
هذه كلمات كان لا بد منها، لأنها تكتب تاريخا، ولو كان بحبر أحمر أحيانا، ومن لم يكن له تاريخ ولو كان قاتما مملوءا بالعذاب والآهات ، فلن يكون له حاضر ولا مستقبل. في هذا الإطار الداكن المزعج نحاول البناء نحاول الوقوف نحاول التعلق بأي بصيص ولوكانت أنواره مضطربة أحيانا !

عندما فتحت جهنم أبوابها !
لن نعيد جديدا ملته الأنفس قبل أن تمجه العقول وتلفظه العواطف والمشاعر... مر على المشروع الإسلامي التونسي حين من الدهر كان شيئا مذكورا، حملته عقول ونوايا وتلقفته أياد كثيرة، وملأ الساحة الداخية والخارجية وأصبح له عنوان، وأضحى ورقة يُحسَب لها في ترتيب معادلة الحكم والسلطة... ثم وقع الزلزال الأعظم وأطيح ببنيانه في غفلة من أهله وأزيح المشروع عنوة وزج بأصحابه في سجون الجور، أو خارج أسوار الوطن، في أكبر مظلمة شهدتها البلاد..، ودخل المشهد الوطني في نفق مظلم، كثر دخانه وغابت الرؤيا السليمة والعاقلة، وتواصلت النكبة...
لن نكون غوغائيين في حديثنا، ولن نسحب البساط كليا إلى طرفنا، وسوف نكون موضوعيين في طرحنا ونقول دون ارتياب أن ما حصل في تونس يحمل النصيب الأكبر فيه السلطة القائمة بردة فعلها المتجاوزة للمعقول ! كان العراك سياسيا والمواجهة مدنية، ولكن.. في غياب الوعي والإطار الديمقراطي السليم، وهيمنة التلهف على الحكم، وقع التجاوز والمحظور، ودخلت البلاد في أكبر مظلمة شهدها تاريخها الحديث... كان للحركة الإسلامية نصيبها وللمعارضة نصيبها وللجماهير نصيبها، ولا شك، في انطلاقة هذا المسار الأسود، نحو مصير لا يقل سوادا للجميع، غير أن الترويع والتشفي والمبالغة، وتجاوز خطوط حمراء لم يكن أي تونسي مهما كانت مرجعيته وتصوراته وانتماءه السياسي يفكر يوما، أن التونسي يستطيع في لحظة غياب الوعي، أن يطأ بقدميه أخاه التونسي، ظلما وعدوانا ونكاية، وييتم أطفاله ويرمل نساءه ويدنس شرفه وعرضه..، سواد فوق سواد، فوق سواد !

السلطة التونسية والفرص الضائعة
ورغم هذا،  فقد كانت أبواب العفو والمصالحة مطروحة من طرف الضحية، ورفضتها السلطة وهمشتها[[1]]، نذكر منها حديث عبد اللطيف المكي عن العفو القلبي مقابل العفو التشريعي، وهو الخارج لتوه من سراديب الظلام، وهي محطة قيمية فريدة و سمو أخلاقي رفيع، قل ما شهدها التدافع السياسي التونسي وحتى العالمي[[2]]، ثم تلتها مبادرة المصالحة التي طرحها صاحب هذا المقال، بما حملته من عفو متبادل وشروط موضوعية يلتزم بها الطرفان، منها التواجد القانوني والمعترف به للحركة الإسلامية في الفضاء السياسي التونسي في مقابل عدم الاكتساح، والقبول بتواجد رمزي في البرلمان لا يتجاوز حدود الثلث...[[3]]
كانت السلطة ولا تزال تعيش على أوضاع وعقلية قديمة ومحطة تاريخية تجاوزها الحدث، فمن هنا مرّت 11 سبتمبر الأليمة التي استعملتها السلطة داخلا وخارجا في التأكيد على صلوحية منهجيتها الاستئصالية والعنيفة ضد الإسلام السياسي وحتى الإسلام الطقوسي والشعائري، وكانت لها أيام من الراحة والتعالي شكلتها الموافقة والمساندة المباشرة وغير المباشرة التي حصلت عليها داخلا وخارجا، حتى أصبحنا نسمع من يتحدث عن النموذج التونسي في معالجة الخطر "الإسلامي" ولو كان على برك من الدموع والآهات، و على أصوات الثكالى واليتامى والمعذبين !
لكن دوام الحال من المحال، كان الخارج هو نقطة التحول الأولى، انطلقت الشرارة من تغير كلي في السياسة الأمريكية تجاه عمليات التغيير ومشروع الإصلاح المطروح على هذه البلدان التي خرج من جعابها العنف والارهاب، وتوصلت أمريكا بعد حسابات وخسارة وقت وأرواح ومادة أن توطين الديمقراطية في هذه البلدان يستدعي عدم إقصاء أي طرف، خاصة إذا كان هذا الطرف يمثل الأغلبية على الساحة، ويملك شرعية تاريخية نقشها بحروف من دماء، ويتمتع بجماهيرية ومصداقية والتصاق بشعوبه في مستوى المرجعية والأهداف[[4]]. وقد قلنا منذ سنوات وجددناه أخيرا أن لا مفر من المراهنة على الفصيل السياسي ذو المرجعية الإسلامية، وأن الديمقراطية كل لا يتجزأ، وأن البراغماتية تملي قراءة جادة وغير إقصائية للواقع[[5]]. رياح التغيير هذه لم تستوعبها السلطة التونسية بعد ولا زالت تراهن على حسابات قديمة انتهى دورها وزمانها.
إن الفرص الضائعة التي تركتها السلطة أيام العز، لن تتكرر، وهي محطة أخلاقية وسياسية همشتها السلطة، كانت تستطيع وهي تحمل عديد الأوراق في يديها أن تعفو بيد عالية، والعفو عند المقدرة فضيلة وعز ورفعة، وقد قيل لا يظهر الحلم إلا مع الانتصار ولا يظهر العفو إلا مع الاقتدار..، كانت السلطة تحمل الورقة الإقتصادية من انتعاشة تنموية محترمة رغم عديد الظلال والتساؤلات..، كانت السلطة تحمل الورقة الجزائرية بما تعنيه من استقرار للبلاد في مقابل اهتزاز الجار الكبير على أصوات قتل وإرهاب وفواجع..، كانت السلطة تحمل ورقة التجديد والجديد والتغيير بعد عهد شهدت أيامه الأخيرة مهازل ورتابة وشيخوخة فرد وفكر ونظام..، كانت السلطة تحمل الورقة السياسية وهي تدعو في بيانها الأول إلى تكريس عهد جديد من التعدد والديمقراطية والحريات العامة..، وكانت السلطة تحمل الورقة الأخلاقية بما طال العهد القديم في حاشيته من محسوبية وفساد وتقاسم لثروات البلاد، وجاء العهد الجديد ليطرح على الجماهير ما تعطشت إليه من شفافية ومحاسبة ووضوح... !
كانت هذه الورقات والمكاسب [des atouts] بينة وواضحة عند أصحاب القرار في تونس غير أن استثمارها كان خاطئا، غلبت الكبرياء واستضعاف الخصم والمراهنة على تواصل الخارج، في رفض كل يد ممدودة وتهميش كل وسيط، وأفاقت السلطة بعد نوم هادئ وقيلولة طويلة على تلبد السماء، مثلته أربع توجهات جديدة وسلوك مدني غير معتاد :

1. التوجه الأمريكي الأوروبي نحو حوار مع الإسلاميين المعتدلين، والحركة الإسلامية التونسية أثبتت اعتدالها ووسطيتها ورفضها لكل عنف وإرهاب، وكتابات الإسلاميين التونسيين وتنظيراتهم في هذا الباب تعتبر مثالا حيا لهذا التصرف المدني وأهم ما كتب في الحريات العامة والأحكام السلطانية. كما أن سعيها المتواصل للحصول على تأشيرة التواجد السلمي ورفض النظام لها، والتنكيل بأفرادها لم يرمها في شباك الإرهاب، وهو فعل يحسب لها ويشرفها، ولن ينساه لها تاريخ البلاد والشعب التونسي إجمالا.

2. دخول البلاد في مرحلة اقتصادية واجتماعية خطيرة تمثلها دخول الصين للمنظمة العالمية للتجارة واكتساحها للسوق العالمية وخاصة قطاع النسيج، وهو ما ينذر بتساقط ملفت لعديد الشركات وإفلاسات وهروب إلى مناطق أكثر أمنا إنتاجيا، مما يتبعه من من تفاقم أزمة البطالة في البلاد، حيث تنذر بعض الإحصائيات بوجود 250 ألف موطن شغل مهددة في القريب العاجل بالتواري والاضمحلال، وهو ما سوف يؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتهييب الاستثمار الخارجي والدخول في حلقة مفرغة خطيرة، تجعل الأبواب مفتوحة على كل الاحتمالات !

3. كثرة الحديث عن محسوبية وفساد داخل البلاد حتى أصبحت النكات والطرائف لا يخلو منها مجلس أو لقاء. وهو سلوك إن صحت منازله فإن البلاد قادمة على أيام لا يحمد عقباها. فإن اهتزاز المشروع الأخلاقي يسبق نهاية أي مشروع وإذا ضربت الأخلاق ضرب العدل والإنصاف، وتشكلت الخيوط الأولى للانهيار.

4. تململ جماهيري فاجأ الجميع ولو أنه بقي محصورا في قطاع الطلبة، لكنه اثبت على الأقل أن أيام الجامعة = الروضة قد انتهى، وأن اختزانا داخليا بدأ يعبر عن متنفس ولو باحتشام.

السلطة التونسية وفرصة القبول الاختياري بالمشروع الإسلامي
معادلة جديدة، في ظل وضع جديد، على هناته واضطراب أفقه وسياسويته الضيقة وبراغماتيته ومبدئيته المهزوزة، أوراق جديدة تحملها أطراف متغيرة، ومشهد داخلي حساس ومتوجس، معارضة داخلية بدأت تتحرك وتتململ رغم ضيق الإطار، معارضة في المنفى تتشكل على صفحات الانترنت والشاشات والمنتديات، ومشروع إسلامي ظل واقفا رغم النكبة، وأصبح يمثل ورقة جديدة في ظل هذه المعادلة التي بدأت خيوطها تنسج على وجل ! ما العمل؟ إن السلطة لا زالت تحمل أوراقا مربحة ولا شك، منها استنادها لقوة الحزب وتاريخه ورجاله رغم هشاشة هذا الرقم، ومنها هيمنتها الكلية على أواصر الدولة حيث لا زلنا نعيش مرحلة الحزب ـ الدولة و الدولة ـ الحزب، كما عهدناها منذ استقلال البلاد، ومنها استعمالها ببراعة خوف الجماهير من التغيير، وتوجس هذه الأخيرة من كل قادم جديد، خاصة إذا كان يحمل برنوسا ولحية، حيث دخلت في مخيلته الحالة الجزائرية وفواجعها، والحالة الأفغانية وتجاوزاتها. كل هذه الأوراق تعطي للسلطة ولا شك الجلوس على كرسي غير ثابت ولكنه غير دافع (éjectable) وتؤهلها مجددا إلى لعب ورقة المصالحة وعدم الإقصاء دون ذل أو إكراه، قبل أن يطل عليها العامل الخارجي بإلحاح، ويضعها الداخل أمام الأمر الواقع دون إرجاء.
إن السلطة التونسية تحمل في هذا الإطار الجديد مسؤولية عظيمة أمام التاريخ وأمام شعبها قبل ضميرها، وهي مدعوة في أقرب وقت دون تردد أو شروط مسبقة إلى فتح باب التعدد والحريات في البلاد والدعوة إلى مؤتمر عام يجمعها بالمعارضة، كل المعارضة، وأطراف المجتمع المدني لإعلان مصالحة عامة وعفو تشريعي في البلاد وتنقيحات في الدستور تخص الحريات العامة وحقوق الإنسان وتداول السلطة وآلياتها.
إن السلطة التونسية تقف اليوم على مفترق طريق تجاه التعامل مع المشروع الإسلامي خاصة وتجاه المشهد السياسي عامة، إما تواصل لنفس المنهجية ونفس الإطار ونفس الخطاب، إقصاء وتهميش واستفراد، وهو دخول في متاهات تنبأ بأيام عصيبة على الجميع ومآلها الفوضى والفتنة واللامعقول وهو ما لا يريده أي وطني غيور، وإما القبول بقواعد جديدة لديمقراطية حقيقية في البلاد تدمج الإسلاميين وتعتبرهم عنصرا مهما في استكمال صورة الوعي والتحضر التي تلتزم بها البلاد في مسارها التنموي.
ـ يتبع ـ


 


[1]  يورد صالح كركر أن حركة النهضة قد بعثت منذ سنة 1997 أحد رجالها إلى بن علي طالبة المصالحة لكنه رفض ذلك. تونس نيوز


[2]  عبد اللطيف المكي في حوار مع مجلة "أقلام أون لاين" عدد 10 فيفري 2004.


[3]  خالد الطراولي "حول المصالحة بين المشروع الإسلامي والسلطة التونسية، نداء ومبادرة للتجاوز والبناء" موقع تونس نيوز 18 أوت 2003 ومجلة العصر والوحدة الإسلامية.


[4]  خالد الطراولي "ولم لا يراهن الغرب على الإسلام الديمقراطي" مجلة مرايا السنة الأولى عدد2 ربيع 2002.


[5]  خالد الطراولي "البراغماتية الغربية وضرورة الورقة الإسلامية" صحيفة "السياسة الكويتية 31/12/2004 وصحيفة التجديد المغربية وموقع تونس نيوز 1/1/2005."


2007-06-21