المشروع الإسلامي التونسي على مفترق طرق/ الجزء الثاني : الحركة الإسلامية التحديات واللآفاق / د.خالد الطراولي


إذا كان المشروع الإسلامي النظري التونسي يعيشه ويعمل من أجل تأسيس معالمه، أفراد قلائل في ظل غياب المؤسسة، وهي إحدى نواقصه الخطيرة، فإن المشروع الحركي تغلب عليه هيمنة فصيل دون غيره. فالحركة الإسلامية الإصلاحية التونسية رغم تنوعها المحتشم (حركة النهضة، اليسار الإسلامي، الحزب الإسلامي،  والمستقلين) تبدو ذات لون واحد غالب في انتظار احتمال تنوع نسبي ومتوازن للفضاء الإسلامي التونسي.
إن مجموعة هائلة من التحديات والاستدراجات والمضيقات تترقب الحركة الإسلامية وهي تعبر اليوم فضاء جديدا يمثله داخل متحرك ومضطرب، وخارج يطرح لونا آخر مفاجئا في التعامل مع الظاهرة الإسلامية عموما والإسلام السياسي خصوصا. وإذا كانت تحديات الاستئصال والمواجهة قد أثبتت فشلها وظلت الحركة الإسلامية ثابتة رغم كثرة الجراح والخدوش، فإن عوامل جديدة وهضاب وعرة ومسالك ضيقة وأسئلة كثيرة وإطارا آخر من المعطيات والمطالب والتحديات ينتظر الحركة الإسلامية الاصلاحية التونسية وهي تحاول الخروج من كهوف الظلام والتعسف والترويع، لتطل برأسها تحت الشمس.

ضرورة المراجعة والنقد الذاتي
في تصحفنا للخطاب الإسلامي إجمالا، سواء حمله مفكرون مستقلون أو قيادات سياسية وميدانية، فإن المناداة بالنقد والمحاسبة والمراجعة تكاد تنال إجماع كل الأطراف ولا يبخل بها كائن ! ولكن الممارسة و التنزيل العملي كثيرا ما تعرض للتشوهات أو التوجس أو الرفض غير المعلن. والحركة الإسلامية التونسية مطلوب منها بكل إلحاح فتح هذا الملف حتى يعم الضياء كل أطراف تاريخها ولا تتركه لمن يريدون الصيد في الماء العكر، والمزايدة على أهليتها أو لمن يبقى يتساءل بكل صدق وموضوعية عن ديمقراطيتها وحرية التعبير داخل أطرها. ولن يكتب لمشروعها أن يبنى على أسس صحيحة وعلى انطلاقة أخرى متينة وواعية إذا لم تقع مراجعة كلية ودقيقة لإسهاماتها وتصوراتها وكرها وفرها.
ليست المراجعة والنقد الذاتي استنقاصا للرجال ولا اتهاما للنوايا ولا سحبا للمشروع... ولكن بناءا على بياض ورفعا لكل لبس، وتجنبا لقدسية زائفة وعصمة مردودة. خاصة وأن خطاب التغيير وبرنامج الإصلاح المعلن يدعو بكل قوة لحرية الكلمة وتعدد الأراء والتصورات، ولن ينال هذا الخطاب مصداقية لدى الجماهير، وشرعية لدى الداخل والخارج إذا لم يحمل منهجية ترفض الازدواجية وتعدد الخطابات والممارسات. مطلب الحرية المنشود للخارج يجب أن يكون عمودا في الداخل، والدعوة إلى نقد برامج الغير، سلطة ومعارضة، وبناء البديل، وهو من بديهيات العمل السياسي، يجب أن يصطحبه أو يسبقه نقد للداخل، وتكوين عقلية وثقافة وسلوك يبني وينقد، ويراجع ويحاسب، ولا يجب استبعاد أي فرد أو برنامج أو مشروع عن هذه الآلية، قيادة وقاعدة، تاريخا وحاضرا ومستقبلا.[[1]]

تعدد الطيف الإسلامي
لا زلت مقتنعا بأن التعدد داخل الصف الإسلامي دفع للاستبداد ومواجهة للاستئصال ودعم للاجتهاد والتنوع، ومجلبة للأحسن والأفضل للمجتمع والأفراد. وإن كان التوحد تحت راية واحدة في محطات نضالية معينة مع احترام استقلالية كل طرف هي الأجدى للمشروع الإسلامي وأنجع.
إن عهد الانفراد بالفضاء الإسلامي قد أثبت عدم جدواه وخطورته على تواصل المشروع السياسي وحتى ملا مسته التضييق حول الإسلام كشعائر وطقوس، وقد مرت على البلاد التونسية فترات سوداء في هذا الإطار تجاوزت الإطار السياسي وضربت الحس الإسلامي وتوابعه ومظاهره.
إن التعدد من شأنه دفع تهمة التمثيل الأوحد والوحيد للتصور الإسلامي وتنحية أغطية القدسية والعصمة التي كثيرا ما لامست بعض أقواله وممارساته عن وعي أو عدم وعي ويدفع به مجددا في رحاب الاجتهاد والمجاهدة والتنافس البريء والجاد من أجل الصالح العام بعيدا عن رايات التجهيل والتكفير ومحاكم التفتيش.
لقد تعددت الطاقات الإسلامية وتنوع بناءها، ولقد ساهمت الهجرة والمنفى عند البعض والسجن والتشتيت الداخلي عند البعض الآخر، والتجربة وعامل السن وضرورات العيش، في بلورة أفكار جديدة وطرح أسئلة حول الماضي بسلبياته وإيجابياته، ومحاولة إنتاج فكر آخر أو ممارسة أخرى. فمنهم من ترك الهم السياسي والانتماء الحركي ومنهم من التحق بأطر سياسية أخرى حيث ضاق علبه الفضاء الأول أو لم يجد بغيته فيه، ومنهم من بقي منتميا تجمعه الأفراح والمآسي، يمسك بالقليل ويحافظ على الجماعة ولو أسريا، حتى لا يذوب الانتماء ويرتج الدين وتوابعه، ومنهم من استقال تنظيميا وواصل مشروعه التغييري عبر كتابات وحضور مرئي ومسموع، ومنهم من حمل مشروعا سياسيا مغايرا وظل مستقلا بداية ونهاية، يلتقي في التاريخ ويتنوع في الحاضر ولعله يتميز في المستقبل !
ولعل سنوات الجمر والحبس والمنافي ساهمت في تغليب البراغماتية وأحدثت وقوفا واستفسارا على عديد المسلمات ومراجعة للأفكار والممارسات، ولا نخال الأيام القادمة إلا حبلى بالتنوع والتعدد داخل الفضاء الإسلامي.

تحديات الوحدة وفتنة الانشقاق
لعله يتبادر إلى ذهن القارئ وأنا أطرح هذا العنوان وهذا المبحث أن تناقضا يتراء من بين الثنايا، كيف ندعو إلى تنوع الفضاء الإسلامي وإلى وحدته في نفس الوقت؟
إن الإطار الإسلامي اليوم متنوع مع وجود أطرافا مستقلة ومنتظمة، على ضعفها وقلة عددها، غير أن تحديا يطرح اليوم على الإطار الداخلي لكل حركة وتيار إسلامي إصلاحي وهو يعبر هذه الفترة الحرجة، في تواصل وحدته ووقوفه صفا واحدا تنظيرا وممارسة، وهذا ما أعنيه في هذا الفصل من تحديات الوحدة الداخلية لكل فريق. فالتنوع الخارجي لا يلغي تماسك الوحدة الداخلية لكل طرف وفصيل، خاصة في هذا الظرف الحساس الذي يمر به المشروع الإسلامي إجمالا. فرص الصفوف وعدم الانشقاق الداخلي يشكل في هذه الفترة الانتقالية والخطيرة رهانا أوليا لكل فصيل إسلامي كبر أو صغر حجمه، في إبقاء المرجعية الإسلامية كمنطلق جدي ومتكامل وصاحب وزن وجماهيرية داخل المشهد السياسي التونسي.
إذا كانت أيام المحن قد ساهمت في توحيد الصفوف، حيث رفع غالبا شعار لا صوت فوق صوت المعركة، فإن أيام النعمة ولا نراها إلا قادمة، وتلك الأيام نداولها بين الناس، وفتنة النعم أشد من فتنة النقم، فإن الصبر على الدنيا وهي تنساب من الأيدي وتتقلص وتنهار ويخفت بهائها ويقل وميضها، أقل وأيسر من شد الأحزمة وتغليب العقل على العاطفة وعدم الانبهار بالكراسي والألقاب والثبات أمام الاستدراجات والإثارات. إن البعد الأخلاقي الذي ميز أبناء المشروع الاسلامي في التفافهم حول إخوتهم في المعتقلات والسجون ومساندة اسرهم وأطفالهم يمثل صورة مشرقة ولا شك، ولكن التحديات القادمة تملي الكثير من الاستجابة الأخلاقية للوقوف ضد النوازع المتطرفة في حب الأنا والعقلية الفردية والمستفردة. تجارب كثيرة من حولنا، حملها تيار إسلامي أو قومي أو ماركسي، يثبت التحولات التي صاغت علاقات ما بعد السجن والمنافي، حيث قاتل الأخ أخاه ونكل الرفيق برفيقه، ورمى التلاميذ بشيخهم في غيابات السجون وجعل رفاق الأمس قائدهم في الإقامة الجبرية أو يتأرجح في حبل المشنقة !
إن البعد الأخلاقي في أي مسار سياسي فردي أو جماعي محدد للنجاح أو السقوط، وهو يعود أساسا إلى التكوين الفردي والأسري والجماعي، ولعل مساهمة الإطار الحركي كبيرة وهامة، فإذا كانت عقلية الانتماء والممارسة الحركية وتنظيرات المشروع همشت أو قللت من البعد الأخلاقي ولم تسع إلى جعله المنطلق والهدف من الفكرة السياسية والممارسة السياسية، فإن وبال هذا الإقصاء سوف تظهر معالمه وآثاره لا حقا وتهدم كل البناء. إن أخلاق المواجهة هي نفسها أخلاق المصالحة، وأن أخلاق الصبر على الجور والظلم والظلام هي نفسها أخلاق الصبر على النعمة والنور والعطاء، لأن الأخلاق هي أساس الظاهرة الإنسانية وما سواها عدم.
أعلم جيدا أن الحابس الأخلاقي مهم ولا شك، وحتى لا نلام على مثالية زائفة أود الإشارة مجددا إلى أن دور المؤسسة بما تحمله من آلية واضحة وديمقراطية داخلية وحرية الكلمة والمبادرة، هو دور أساسي ومحدد في تكوين عقلية حرة ناقدة ومبدعة وسلوك واع ودافع للبناء والتشييد. وإذا احتبست الحرية داخلا، فإن أيام المحنة يمكن أن تغطي التململ وتكمم التعارض ولا تعتبر للإختلاف، لكن إذا تنحى الغطاء وتسلل الهواء فإن الضغط يمكن أن يولد انفجارا وانقساما وانشقاقا. لذلك فإن بناء عقلية اليوم وسلوك اليوم هو بناء لعقلية الغد وسلوك المستقبل !
إن هذين البعدين الأخلاقي والمؤسساتي، غياب أوحضور، يشكلان المنفذ الصالح لعديد التحديات التي سوف تجابه الحركة الاسلامية، وفي هذه المحطة سوف تمتحن ويظهر تماسك البناء أو انهياره، حيث تنجلي هيمنة الفعل المؤسساتي وإطاره وآليته، أو غيابه والانتحاء جانبا في الاستفراد وصراع الديكة، كما سوف ينجلى الغمام عن حقيقة التكوين الأخلاقي للفرد الإسلامي ومدى عمق التجذر الأخلاقي عند ممارسة الفعل السياسي.
ومن بين التحديات المباشرة والسريعة التي سوف تواجه الحركة الاسلامية هي مدى الانسجام والتناسق في الموقف والممارسة بين أصناف ثلاثة من المنتمين والقادة : صنف قضى في المنفى سنين لا يعيش قضيته إلا عن طريق رموز وكلمات يرمي بها على شاشات الانترنت، بعيدا عن البلاد إلا من وراء الحواسيب والمرايا، وصنف في الداخل لم يعرف عن المنتمين السابقين غير الاسماء أو بعضها، شباب في عمره، شباب في فكره، شباب في مواقفه، وصنف خارج من غيابات السجون منعه الظلام من مواكبة الحدث، فغاب المعطى وغاب الزمان وغاب الواقع، وكما قال أحدهم دخلت السجن والاتحاد السفياتي موجود وأغادره والاتحاد السفياتي لم يعد له وجود !
ولا نخال الأمر سهلا في استيعاب هذا التنوع الجديد بين غائب وحاضر، بين كهول وشباب، بين منفي أو سجين وبين "حر" خارج الجدران، إذا لم يعالج على أرض طيبة ونوايا مخلصة تقدم صلاح العمل ونجاح المشروع على كل مطالب بشرية شخصية.

ختامـــا
إن المحطة الجديدة التي تمر بها الحركة الإسلامية إجمالا وهي تطأ أرض الأنوار بعيدا عن الكهوف سوف تكون مخبرا لقدرتها على الفعل والتفاعل بعيدا عن فراغات الظلام. إن الضغوطات الجديدة والتحديات المقبلة تعتبر أشد قسوة على هياكل الحركة الإسلامية وعلى تصوراتها وعلى بنيانها وآفاق أطروحالتها. وهي ستصبح ملاذا ومركب نجاة ومنفذا جماهيريا للإصلاح وكذلك محور أطماع الانتهازيين و المتسلقين والصائدين في الماء العكر.
إن الأيام القادمة ستكون حبلى بالتطورات تنظيرا وممارسة، ولأول مرة منذ أكثر من عقد تتحول بوصلة المشهد السياسي التونسي من قصر قرطاج وتوابعه إلى منازل السجون والمنافي، ولعل سجين الأمس وشريد الفجر سيصبح ممسكا بمفاتيح سجنه، قبل أن يصافح جلاده، ولعله يرنو إلى الإمساك بمفاتيح البلاد، ولكن لهذا المشوار قصة أخرى، ولهذا التحدي تساءل أكبر وأعسر، فهل يحمل المشروع الإسلامي خطة وبرنامجا منجزا وجاهزا للبلاد خاصة وأن الفعل الحقوقي في هيمنته اضطرارا أكثر منه اختيارا في الدفاع عن المسجونين والمظلومين، قد ساهم ولا شك في تهميش البعد الفكري والمعرفي، وأن التشتيت والسجون أحدثت شرخا عميقا يستلزم الكثير من الجهد والمجاهدة لجبر البناء وإصلاحه وصلاحه.
 


[1]  انظر في هذا الباب مقالنا "من فكر المواجهة إلى فكر المصالحة رحلة الألف ميل تبدأ بميل" مجلة أقلام أون لاين عدد11، ماي وجوان 2004.


2007-06-21