ما بعد الانتخابات.. خواطر تنـازل الإحباط / د.خالد الطراولي


ليس أخطر على فرد أو جماعة أو مجموعة أن تمر بها ظاهرة أو عليها حالة، ولا تتبعها بوقفة نقد ومراجعة ومحاسبة، ليس أسلم وأنجع على فكرة أو تصور أو برنامج أو مشروع أن يرفع القدسية عند التنظير والعصمة عند التنزيل. لعل قائلا أن يزعم أن هذا من نافلة القول ومن المسلمات والبديهيات ولا داعي إلى إدراجه، لعلي أكون مخطأ حين أزعم أن من بين الأسباب العريضة والهامة التي تخض واقعنا اليوم بعد كل محطة هامة في مشوارنا كمعارضة هو الغياب النسبي لهذا النقد البناء ولهذه الوقفة السليمة للاعتبار والتجاوز...
ماذا بعد الانتخابات..؟ من الخاسر ومن الرابح..؟ هل نجحت المشاركة وشعارها قبضنا خمس المائة تحت التسعة والتسعين وهو فخر لنا ! ولعلها بهذه النسبة سوف نصل إلى الواحد والخمسين ونفوز ديمقراطيا بالانتخابات بعد مائة سنة أو يزيد كما قال أحدهم ! هل فازت المقاطعة وسمعت الجماهير هذه النداءات المبثوثة من هنا وهناك وتركت الصناديق وأهلها وانكفأت على أفرانها وعباداتها وسهراتها في هذا الشهر المبارك؟ هل تبقى نضالاتنا مرتبطة بالمناسبات حتى إذا توارى الحدث توارت معه جهودنا وانحبست أنفاسنا وخارت قوانا ودخلنا صومعتنا في انتظار حدث جديد نطمئن به ضمائرنا ونغالط به أنفسنا وندعي الحياة ولو أن الموت أقرب لحالنا؟ أليست انتخابات 2009 إن لم يحدث ما يقربها، يجب العمل على إنجاحها منذ اللحظة التي انتهت فيها سابقتها، لتطرح تساؤلات حول البرامج والمنهجيات والرجال !
هل ربحت المعارضة بتشتتها واختلافاتها ولعبت على عديد الأوجه والأدوار، أم أن الركض أيضا وراء تحالفات وهمية كان أضر عليها حيث أخفيت الاختلافات والخلافات والتناقضات الجوهرية والتاريخ الأسود بين بعضها حتى إذا انفلت العقال عادت حليمة إلى عادتها القديمة وظهرت للسطح المزايدات والاقصاءات وبقي المستور أعمق وأضر من المنشور، أطراف تلتقي وتجتمع زعمائها على منصة واحدة ومن أجل هدف واحد ويتحدث الجميع بصوت واحد، وعند الافتراق يتعانق الجميع مهنئا أو مودعا، وبعد يومين يقع الاقصاء ولا يظهر في بيان لاحق غير من رضي عليه والداه أما العاقّ فلا مكان له حتى في الظلام !
هل كانت سماء المقاطعة صافية عند أصحابها حتى تبدو أصفى وأنقى عند الجماهير؟ لكم نالني العجب أن أرى فريقا من المعارضة يدعي المقاطعة ويسعى إليها ويخرج البيانات من أجلها وأحد زعاماته طرف هام ومحدد لأحد المترشحين ! لعب على الحبلين، أم ظهور بوجهين، أم براغماتية أم مناورة أم سياسة لا نفقه قواعدها أم غير ذلك؟ لعله كل ذلك ولكني مازلت أبحث عن كيان، عن أسطورة إسمها المصداقية
هذه الأسئلة وغيرها تطرح على كل فرد وحزب وحركة ومجموعة أن يدلو بدلوه فيها، أن ير مكامن الفشل والهزيمة ومنابع القوة والنجاح، أن يطرح على نفسه وعلى أطروحاته لماذا أدت الانتخابات إلى هذه النتيجة وما هو نصيبه في تحمل مسؤولية الفشل إن كان هناك فشل، أو بركاته في نجاح المشوار إن كان هناك فلاح وسؤدد !
خوفي ياسادتي الأفاضل أن تكون ردودنا من ثلاث إما عقم وتنحي ومغلوب على أمره ودعها حتى تقع، وهو الموت الذي لا ينطق إسمه وهو عين البلية، فلا ردود ولا رأي ولكن انسحاب ذليل يلاصق الجدران !
 أو هُتر وهذيان ونشوى مغشوشة تغالط النفس بالانتصار حتى سمعنا من يقول ببقاء المكاتب فارغة وأن انتفاضة الشارع قد قربت وأن حاكم البلاد لم يعد له الوقت الكافي لحزم أدباشه.. وكأننا لا نعيش على نفس الأرض، ولا نلتحف نفس السماء وهذه أم المصائب، لأنها تريد البناء على فراغ وتسعى إلى القفز على العدم، تغش الحاضر وترهن المستقبل،
وإما التواء ومجاملات وحسابات وتقاسم مخفي لأدوار مستقبلية لا يعلمها إلا الله أو من جنت عليه يداه.
لن أقف في نهاية خاطرتي على محطة يأس وتشاءم وهو من غير طبعي ولا تطبعي، وإني أود أن أهمس من بعيد، في انتظار قراءة ردود ومراجعات، أن شيئا ما قد وقع وأن المنتصر الحقيقي بعد كل ما حدث هو الوعي الذي بدأ يدب بتباطئ ولا شك ولكن بثبات، ولا تخالون أننا لوحدنا العارفون والواعون ولكن جنود الخفاء غير قليل !
 

2007-06-21