المشروع الاسلامي التونسي وحسم الصراع/ الجزء الثاني : معالم في الطريق / د.خالد الطراولي


ليس من مصلحة المشروع الإسلامي اليوم حسم الصراع السلمي بأي ثمن زهيد، والعجلة في إنجازه ولكن الضروري والحاسم اليوم أن يتمثل في حالة شعورية وعقلية فاعلة وممارسة مدنية راشدة، عنوانها : الصبر والصمود والانتظار الفاعل، والمراهنة على المصالحة المثمنة للمشروع والدافعة به إلى رحاب التعامل المدني ، والتي تحويها أبعاد ومواقف ثلاث :
*أولها البقاء على رصّ الصفوف حول المسألة الحقوقية التي تمثل المنفذ الأكثر ضعفا للسلطة، والالتفاف حول قضية السجناء والمهجّرين، والنضال اليومي والدائم، إعلاما وفكرا وأدبا وتأريخا، حول هذه المأساة. والدفع إلى منهجة هذا البعد وعدم تركه للعفوية والانفعال والارتجال رغم الصعوبات المحيطة. و السعي الحازم لإعطاء هذه الحالة الفريدة في تاريخ البلاد، البعد الإنساني والوطني المطلوب، وعدم توظيفها سياسيا، فالقضية ليست ملكا لجهة أو فرد، رغم انتسابها إلى فريق دون آخر وهذا شرف الأفراد والمجموعة والمشروع، وعربون وفاء للمبادئ والثوابت والقيم، ولكنها قضية وطنية بالأساس تهم كل تونسي في حقه في المواطنة الكاملة دون تجزئة أو نقصان. ولكم تحسرت ونالني الكثير من الهم لما طرحت مبادرة ترشيح سجين سياسي ولم أجد الأذن الصاغية واليد المساندة للمبادرة من أبناء المشروع نفسه, الذي رأيت ولا أزال أرى أنها كانت تمثل بوابة تنغيصية للسلطة ومحاولة تربط في نفس الوقت بين الاستخفاف من المشاركة وتفعيل عملي للمقاطعة, ووضع حالة فرد ومجموعة ومشروع أمام الرأي العالمي والمحلي !
* وثانيا السعي بكل قوة إلى بناء البديل النظري والبرنامج السوي، حتى لا يرتهن العلم والمعرفة بالحقوقي، ولا يبقى المشروع الإسلامي شعارات فضفاضة، وخطابات نعي وتأبين، أو بيانات استبشار وتهنئة.
* وثالثا المحافظة على البعد السياسي في المشروع التغييري أطروحة وممارسة، وعدم التنازل عنه، مع العمل على تجنب هيمنته على كل الأبعاد، والسعي إلى تبني منهجية التدرج وعدم الاكتساح، والتعاون والمصالحة والعمل السلمي.

المصالحة والوعاء السليم لتشكل الصراع المدني
إن المصالحة بما تعنيه من تواصل للصراع السلمي والمدني، في ظل تواجد علني وقانوني للمشروع الإسلامي، ليواصل مشوار التجاذب والتدافع الديمقراطي للشأن السياسي. فالمصالحة التي عنيناها منذ سنتين تمثلت في إدماج المشروع الإسلامي داخل الفسيفساء السياسية التونسية وإعطائه حق التواجد القانوني، حيث تمثل الورقة الإسلامية زخما جماهيريا لا يمكن إغفاله أو تهميشه أو استئصاله، وليست إعادته إلى الساحة العلنية إلا وسيلة صائبة لترتيب البيت الداخلي واحتراما لهذه الجماهير ولخياراتها.
ليس هذا التوجه نحو المصالحة إلا محاولة لإخراج الصراع من حلبة المواجهة العنيفة والجائرة، إلى حلبة الصراع المدني المنضبط، بعيدا عن الكهوف، وتحت أشعة شموس الحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان، وإعطاء المشروع كل ضمانات التواجد العلني والسلمي، المتفهم للأوضاع والمسارات. ففي وجود المشروع السياسي ذي المرجعية الإسلامية خير لتونس وأهلها، أمنا واستقرارا ورفاهة، وهو استبعاد لقراءات التطرف والمغالاة، واعتراف بتعدد الآراء واختلافها، وتأكيد للسلم الاجتماعية، ومصداقية كل توجه ديمقراطي سليم وبنّاء في البلاد.
فالمصالحة ليست حالة تذلل ومسكنة، إذ هي مدّ لليد العليا بما حملته هذه اليد من خدوش وتورمات ودموع ودماء ومآسي وتاريخ.. ولقد خطّ المشروع الإسلامي وجوده بأحرف من نار ونقش شرعيته على صخرة صماء لا تمحو تضاريسها لا الأيام ولا أيدي البشر !
والمصالحة ليست نهاية للمشروع السياسي وإطفاءا لأنواره، وهي ليست تنازلا أو مساومة من أجل استبعاد البعد السياسي، والركون بالمشروع في غيابات الأبعاد الثقافية أو الدعوية، على رغم أهمية هذه الأخيرة واعتبارنا الدائم والمتكرر لها، حيث تشكل بعدا أساسيا في المشروع الحضاري والإجرائي الإسلامي، ولكن تتبناه أطراف أخرى وأطياف مغايرة.
لن تساوم المصالحة على هذا البعد الأساسي في المشروع الإسلامي، وهي ليست إلا محاولة إلى إعادة الاعتبار لهذا البعد الذي خنس بريقه وتضببت أهدافه وترنحت أطرافه وذبل أتباعه مع توالي سنين الجمر والمعاناة.
 
لن تجعل المصالحة الجانب الحقوقي في المشروع الإسلامي قطعة مقايضة ينجو فيها الحقوقي بما يتبعه من إفراج للمعذبين ورجوع المنفيين، ويفشل فيها السياسي بما يعنيه من اندثار وهوان ! ولكن المصالحة هي الأخذ بكل الأطراف على صعوبتها، والثبات عليها. فالمشروع الإسلامي الإجرائي خليط من المطالب والبرامج، منها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، وليس الحقوقي إلا بعدا من هذه الأبعاد على رغم حساسيته واستعجاليته.
إن الرسالة التي أبرقها المسجونون ولا يزالون، داخل سجونهم الصغيرة أو الكبيرة، والتي تمثل وديعة وأمانة في عنق أصحاب المشروع، ووصمة نور وتباهي، هو صمودهم على الجور وثباتهم على المبادئ وعدم تذللهم ومسكنتهم واستعطافهم، رغم ظلمة الليل وتعسف الجلاد، وسواد المحيط، وعذابات الأهل والعشيرة !
ليست المصالحة تخليا عن الهم الحقوقي وهيمنة للسياسي، ورفعا للسقوف، ولكنها تمكين لمعادلة صعبة ولكنها ممكنة، تتوازن فيها كل الأبعاد دون حطّ أو تهميش بعد على حساب آخر. إن إخراج هؤلاء الرابضين من وراء القضبان، أو إعادة المنفيين من وراء البحار هو جزء من المصالحة، وهو بعض من حسم الصراع وجذبه إلى مناطق السلم والتفهم والتعامل المدني. ولذلك كانت المصالحة بشروطها، فكان شرطها الأساسي هو هذا العفو التشريعي العام في مقابل العفو القلبي الذي يمليه المشروع والجماعة دون أن يفرضه على الأفراد.
لن تكون المصالحة إذن حسما للصراع بأي ثمن، لن تكون نهاية للصراع الديمقراطي بين توجهات وأطراف ورؤى، لن تكون استبعادا للمشروع السياسي ذو المرجعية الإسلامية عن التواجد والعمل العلني، بل إن المصالحة تمثل الحل الصائب لهذا الحسم، لنهاية الصراع العنفي والاستفراد والاستئصال والاستبعاد، إلى مواصلة لهذا الصراع المدني بوسائله الحضارية في إطار من التعدد والتفهم والتعامل الديمقراطي السليم.
08/05/ 2006
 

2007-06-21