لم تبدأ سنوات الجمر.. والخلاص ها هنا، الخلاص ها هنا (1 / 3) الجزء الأول / د.خالد الطراولي


إذا كان العالم في بعض أطرافه والمسلمون خاصة قد عاش بعضهم عيدا وبداية سنة مزعجة صبغها القرف والاشمئزاز والدهشة والحيرة بما حملته الصور البشعة لإعدام صدام من إثارة واستفزاز وتساؤلات، فإن المواطن التونسي قد ناله المزيد من هذا الضيق والحيرة والاندهاش وهو يتابع من بعيد حدثا غريب الأطوار يحدث بالقرب من حيّه وعلى مرمى من سمعه وبصره، حدث طرق عليه بابه دون استئذان بكل عنجهية وعنف...

الفرضية المُغيّبة و"الفريضة الغائبة"
مجموعة مسلحة تدخل في اشتباك عنيف مع قوات الأمن والجيش، ليتواصل على فترات وينتهي بعد أسبوع بمقتل وأسر أفراد المجموعة. تعتيم وصمت وارتباك حام على الساحة الإعلامية، اختلط الحابل بالنابل وصاحبت الإشاعة الخبر السليم إن وجد، والطبيعة تهاب الفراغ إن لم تملأها سمينا ملئت غثا وانتهى !
رواية رسمية مترددة، عن إجرام ومخدرات ومجرمي حق عام، وروايات صحفية تخيط نسيجها بحياء وكثير من التريث والحيطة، حول مجموعات إرهابية تابعة للسلفية الجهادية. وبين هذا وذاك دخلنا مجالات القيل والقال وكثرة السؤال وندرة المقال !
إن فرضية الإجرام وعصابة المجرمين وإن كان لها مريدوها وحتى بعض المعقولية إذا ولجنا بها كما يرى البعض أنها تدخل في باب صراع سياسي داخلي وتهيئة قاسية لمعركة الخلافة، رغم هذا فإن هذه الفرضية تبدو غير كثيرة التماسك، حتى وإن لم تسقط كلية إذا عرضناها على عديد الإيحاءات التي أتت من هنا وهناك من أطراف مقربة من السلطة والتي تدعم فرضية التطرف والارهاب، كما أن ما ستعمل من أسلحة وذخيرة وما حملته المجموعة من تنظيم وتنسيق وما لاحظه بعض السكان والمراقبون المباشرون من شدة المواجهات وقسوتها، يجعل من هذه الفرضية أكثر تماسكا وقبولا رغم خطورتها، ولذلك سوف نبني عليها كل أطروحتنا من تشخيص وتقييم وبحث عن الأسباب والعوامل ومحاولة للتجاوز والنجاة.
لا يبدو الأمور قد انتهت وإن كانت أماني الجميع سلطة ومعارضة وجماهير تسير في هذا الاتجاه، وإن كانت كلمات من جنس "الملف أغلق" يبدو سابقا لأوانه ويعطي "الأزمة" بعدا حينيا وظرفيا لا يدخل إلى الأعماق...
 
من الزرع الخائب إلى الحصاد المرّ
وبعد مسلسل البيانات التي ملأت الفضاء تذكر وتنبه لجلل ما حدث وهي محقة في ذلك ولا شك، وما اصطحبه من تحاليل رصينة حملت رؤى وتصورات تتقارب في بعضها وتتكامل، وبعيدا عن أشباه التحاليل والتعليقات التي سقطت في الهمز واللمز والإيحاءات الرخيصة والتشخيص المفرط والاستخفاف المبطن، الذي دخل مناطق تصفية الحساب وردات الفعل والتشنج والاستعلاء، وكأن الحقيقة واحدة وما سواها العدم، يملكها واحد يعلن الأستاذية على الجميع وما سواه البوار، ولو على حساب أزمة نرى أنها أكبر من أي مزايدة أو تكتيك ! في ظل هذا الإطار المتأزم والمحير أردنا أن نترك للزمن دورا في انقشاع بعض السحب وتقلص موكب العواطف والمشاعر وردات الفعل وإن كان الليل لا يزال يرمي بأجنحته على كل الأطراف...
لن أكون متشائما وهو ليس من عادتي، كتابة، أو ممارسة في أروقة الحياة، ولكني أزعم أن هذا الخيط المرعب في ولوج تونس منطقة التطرف المسلح إذا ثبت منبعه، فإن معالجته لن تكون أمنية ولا عسكرية تحت غطاء من الرصاص، ولن تكون بالتعتيم والطمس للحقائق والجور والمحاكمات والدخول من جديد في دهاليز المحاكم الخاصة والمحاكم الاستثنائية والدوس على "القوانين" بدعوى الخصوصية وخطورة الحدث، والدخول في متاهات الضرب من حديد بدعوى اقتلاع الضرس قبل أن يتحول كل الفم إلى مستنقع من الجراثيم !
خوفي أن تستسهل بعض الأطراف الحل الأمني وتعدّل بوصلتها عليه، معتمدة على تجربة سابقة، لعلها ترى فيها أنها كسبتها حيث أطاحت بالحركة الإسلامية المعتدلة وأبعدتها عن الإطار، في مقابل دماء ودموع ومآسي يشيب لها الولدان، وتناست أن ما يقع اليوم من تطرف لم يكن في طرف منه إلا نتيجة هذه السياسة الأمنية المتعسفة والظالمة.. ! خوفي يتراكم وإطار الخلافة يعزز المزايدات ويعجل الحلول السهلة والنتائج المستعجلة التي تنسى الوطن وتغلب الربح الفردي على ربح الأوطان.
إن من المرجح أن البعض أقنعته فشل التجربة الأولى في المعارضة الإصلاحية المعتمدة على الوسطية والاعتدال، على هناتها وورطاتها وسقطاتها، بأن هذا الطريق مسدود ولا يؤدي إلا إلى مزيد من تضخم الاستبداد والجور و وزيادة الجرأة على التعدي على المقدسات وأولها الإنسان... ولقد كان لصور التجاوزات الخطيرة من تشريد وتعذيب التي صاحبت عملية اجتثاث الحركة الإسلامية من المشهد العام كثير التأثير على تكوين فكر الزنزانة المليء بالإحساس بالمرارة والسواد لدى المراقبين خارج القضبان، والذي يجد استجابة لدى العاطفة والمشاعر أكثر من قبوله من العقل.. وكيف للعقل أن يجد مكانه بين القضبان؟ وكيف للعقل أن يجد طريقه في السواد...؟
إن التطرف والمغالاة ثقافة وفكرة نبتت ورعت في غفلة من وعي وعلم ورشد، وإن التطرف إذا تمكن وأضحى عقلية متجذرة يدفع صاحبها بأغلى ما يملك وهي نفسه من أجل انتصارها، فإن أي معالجة أمنية وعسكرية لن تكون سوى معالجة قشرية تسحب الماء الراكد من الهضبة لتجمعه في الأسفل فيزيد ركودا وسكونا ويكون موطنا خصبا للإيذاء والإضرار. وسنوات الجمر لم تبدأ والحمد لله، ولكن الإطار حمّال ويدفع إلى تحمّل المسؤولية كاملة دون ترقيع أو تلفيق أو تأجيل أو تأخير أو مجاملة.
ـ يتبـــــع ـ

2007-06-21