لم تبدأ سنوات الجمر.. والخلاص ها هنا، الخلاص ها هنا (2/ 3) الجزء الثـاني / د.خالد الطراولي


إطــار الأزمة أزمة إطــار
لم يكن الإطار الذي ولّد هذه العقلية ودفع بصنف من الشباب إلى تبني هذا الفكر وممارسته الميدانية إطارا سليما ينشأ الفكر السليم والممارسة السليمة، ولكنه بني على أسس متنوعة وهشة طالها المرض والتعفن على أكثر من باب. ولا سبيل إلى التجاوز والخلاص إذا لم تقع مراجعة هذا الإطار والبحث عن خفاياه والتدخل في أعماق نسيجه حتى يتجلى التشخيص سليما ويردف معالجة سليمة، وحديثنا ليس من باب التبرير ولكن للتفسير والبحث عن محاولة تجاوز هذه المحنة الجديدة بسلام ولا يقع الوطن فريسة لسنوات طويلة من الجمر...

عنف المواجهة و عمق التجاوزات وانحرافاتها
لقد خلفت مواجهة التيار الإسلامي المعتدل في التسعينات وما صاحبته من سياسات ومنهجيات تجفيف منابع كل من التسيس ذو المرجعية الإسلامية من جهة، والتدين من جهة ثانية، آثارا لا يمكن محوها بسهولة من المشهد العام، كانت سنوات جمر عاشها طرف لا بأس به من الشعب التونسي ولا فائدة من إعادة ذكر تفاصيلها وتكرار ما حدث رغم جلل ما حصل، فالتاريخ سوف يكون لها بالمرصاد وما ضاع حق وراءه طالبه.
لقد انطلقت الحملة تحت غطاء وبهدف سياسي واضح، إذ كانت المواجهة سياسية، بين أطراف سياسية، وفي مشهد سياسي، لكنها سرعان ما رست في إطار ديني غريب ! فمن مواجهة غريم سياسي إلى مواجهة مظاهر التدين وأطر الشعائر والطقوس، ووجد التونسي نفسه أيا كانت مشاربه وأغلبه "عياش" أو "خبزيست" معنيا من قريب أو بعيد، ولو بنسبية كبيرة، من هذا التطاول على منابع تدينه التي سبقت أي تمثيل سياسي في البلاد.
فحورب الحجاب ولم تكن مدلولاته السياسية واضحة عند الكثبر من حاملاته، ولم تفهم الكثير منهن ما يحصل لهن، وأُزعج أصحاب اللحيّ، ولم يكن وراء حملها حركة إسلامية سياسية أو غير سياسية ولكنه موقف فردي ومفهوم بسيط لسنة الرسول الكريم (ص) وتقربا إليه ! واستولت الدولة على المساجد وراقبت دخولها وخروجها وتشددت مع المكثرين من ترددها وخاصة من الشباب وفي صلاة الفجر، زيادة على توظيفها سياسيا لصالح السلطة القائمة، وهي التي ادعت تحييدها عن كل تدخل غير ديني، وأصبحت الخطب السياسية تجد منبرها داخل المساجد وتفرض على روادها الاستماع والسكون وأن يؤمّن الجميع بلا استثناء، مما ولّد لدى الكثير إحساسا بالجور وتدخلا من السلطة في ميدان يرى فيه الجميع أنه موطن شخصي خاص ومقدس لا يحتمل تدخل الغرباء في إطاره. فالعلاقة كانت روحية خالصة بين عبد وربه وفرد ومولاه، كان التزاما في القول والتزاما في الممارسة اليومية والعلنية، تمثلت ظاهريا في حجاب عند البعض، و قميص ولحيّ عند آخرين، وإن كان بعد الهوية والمرجعية والبحث عن الذات غير منسي في هذا التحول.
كانت المواجهة قاسية والعداوة تجاه مظاهر الصحوة عنيفة، حتى أصبحت تونس عند القاصي والداني عنوان الخطاب المعادي للإسلام والممارسة الشاذة عند الكثيرين، ويشار إليها في المحافل والندوات بالبنان، حتى أصبح اسم تونس يلتصق غالبا عند العوام وكثير من وسائل الإعلام بمحاربتها للحجاب، بعدما كانت هذه الصفة ملتصقة تاريخيا بكمال أتاتورك وتركيا، وأصبحت صورة المعاناة الدينية ومأساة المحجبات التونسيات على كل لسان وفي أطراف العديد من الأقلام.ا
ليس موضوع هذا المقال التعرض للأسباب التي دفعت السلطة إلى هذه المواجهة الحادة مع الإسلام السياسي ومع مظاهر التدين في البلاد، ولا نخال الحركة الإسلامية إلا تحمل نصيبا في هذا الانحراف، غير أننا نريد في هذا الحديث التدرج في استيضاح الأسباب الكامنة وراء بروز هذه الأفكار والممارسات، رغم تعقيداتها وتداخل العديد من العوامل داخلا وخارجا، وضبابية بعض الخطابات وازدواجيتها، ولا نرانا إلا غافلين عن بعضها، أو ناقصي علم بها.

غياب البديل ووجود الفجوة الحالقة
في ظل هذا الفراغ التأطيري والتربوي الذي كانت تحمله الحركة الإسلامية تجاه جزء لا بأس به من الشباب الصاعد، لم تستطع قنوات أخرى التفاعل معه، مثل الأئمة و شيوخ الزيتونة وحركات دعوية غير مسيسة كجماعة التبليغ والصوفية وفشلت في تعويض الانسحاب ورأب هذا الشرخ. وكان غيابها ناتجا في أغلبه عن حالة الخوف الجماعي التي ألمّت بالمواطن أيا كان مشربه نتيجة سطوة الآلة البوليسية، فسنوات التسعينات كانت سنوات جمر على الجميع دون استثناء بدرجات تتقارب أو تتباعد حسب القرب من منازل "الشبهات"، فخير البعض التواري وملازمة الحد الأدنى، التماسا للحفاظ على المستطاع وإن قلّ، في انتظار أيام أفضل.
في ظل هذا الفراغ التوجيهي والضابط لكل تشنج فكري أو انفلات في فهم طفولي أو بداوة فقهية، أو تعجل في التمكين، وفي إطار الغياب المكره للفكر الوسطي والمعتدل، رغم الهنات التي صاحبت هذا الأخير في مستوى الممارسة بعض الشيء، ولنا عليه الكثير من التحفظ، تكوّن جيل جديد منفردا دون حارس أو ملاذ، ترعرع بعضه في أحضان قراءات ينقصها الكثير من التمكن في العلم والوعي والرشد والتوجيه والمصاحبة، فليست كلمات مرمية من شاشة تلفزية على أهميتها، دون اعتبار لواقع وثقافة وعقلية جيل وبلد، تماثل حضور المفتي والمعلم والواعظ والمربي والموجه المباشر، وليد الحيّ والساحة، وابن البلدة والبلد.
وفي الحقيقة يجب أن نكون شديدي النسبية في أحكامنا، فليس هذا الفكر والممارسة الذي مثلته هذه المجموعة، إلا جزءا غير معتبر وشاذ في ظاهرة الصحوة المسالمة والسليمة التي ملأت المكان، وعبّرت عن عودة إلى صرح علاقة روحية مفقودة وارتباط بهوية مطموسة.

الإطار الخـــارجي المستفز والضاغط
 وزاد هذه القراءة الجديدة وممارستها تمكنا عند البعض وتمسكا، واقع دولي جائر ومستفز وضاغط، يملأ أطرافه الاستخفاف بالمسلمين والكيل بميزانين، تمثله مأساة فلسطين وما تشكله من استفزاز يومي متواصل لمشاعر الأفراد والجماعات، وجور دولي تجاوز المنطق والعقل. ثم تعاقبت أخطاء فادحة في كل من أفغانستان والعراق وظهرت حالات خلناها تعود إلى سنوات الأمية الحقوقية للإنسان، وحسبناها صفة ملازمة لبلدان التخلف السياسي والاقتصادي، وإذا بها تطأ برؤوسها الشيطانية من بلاد زعمت أن الديمقراطية والقوانين والمؤسسات ثوابت مطلقة تتجاوز الزمان والمكان..، فظهر أبو غريب وبرز السقوط الأخلاقي في ذروته، وظهر غواتنامو وبرز الفراغ القيمي وهزيمة المبادئ. فسقطت النماذج وكثير من الأحلام، وظهرت الصورة عارية بدون ألوان ! وضربت مخيال الفرد المسلم وأحدثت شرخا في مجال مفاتيح استقباله للحدث ومعالجته، وشكلت لدى البعض مرارة وغصة لم تمرا دون ترك آثار.ا
ثم جاءت صور الكاريكاتير حول أقدس شخصية عند المسلمين وازتهزئ علنا ومجانا بالكريم محمد (ص) فعمّقت الشرح وأنهت التردد لدى الكثير من الناس وخاصة الشباب منهم وأقنعتهم، على خطأ، بأن العالم من حولهم لا يكن لهم ولا لمقدساتهم ولا لتاريخهم أي احترام وأي تقدير فسهلت تكوين عقلية البراء والرفض، وأبدلت فكرة المصالحة بفكر المواجهة وبدأ بناء صرح التطرف والمغالاة...ا

منافذ النجـــاة
كما قلت أعلاه ليس هذا التشخيص عاما ونهائيا، وليست الأسباب المذكورة الوحيدة، وتتقاسمها ولا شك أطراف عدة، بنسبية بينها، ولكننا نزعم أن ما ذكرناه بقليل من التوسع، يمثل الزاوية الأكثر عمقا وتأثيرا مباشرا في ظهور هذه الظاهرة. في ظل هذا الواقع الحزين والمحيّر وهذا الإطار المتأزم والمعقد، وأمام تشعب عديد الأسئلة والتعتيم الذي لا يزال يرافق الأحداث، نطرح السؤال المنهجي والخطير : مـــا العمل ؟؟؟
ـ يتبــــــع ـ

2007-06-21