لم تبدأ سنوات الجمر.. والخلاص ها هنا، الخلاص ها هنا (3/ 3) الجزء الثـالث / د.خالد الطراولي


لا يمكن للمشهد السياسي داخل بلدان الاستبداد أو بلاد الحزب الواحد أو أحزاب الديكور، أن يعيش حالة من التجاذب السليم والاختلاف النزيه والتنافس الشريف والمشوّق، ولكن ركودا وسكونا وموتا بطيئا يؤدي إلى لامبالاة الرعية ومللها وانسحابها وابتعادها، خوفا أو مرارة من مكان الحدث. ولا ترتعش الصورة غالبا إلا عبر تدخل عنصر من خارج الإطار، أو منة و كرما من صاحب المقام، أو انتفاضة جماهيرية ! والحالة التونسية لا تخرج عن هذا التوصيف، غير أنها في السنوات الأخيرة كان للعنصر الخارجي الدور الكبير في ململة المشهد السياسي وإحداث نوع من الحركية داخله ولو لمدة قصيرة غالبا ما ينتهي دورها وتأثيرها عند نهاية الفعل، فينكمش المشهد من جديد وتعود "حليمة إلى عادتها القديمة" وتنحبس تأثيرات الحدث وتنحسر كل إمكانية للتفعيل والبناء... هذا ما وقع مثلا بعد انعقاد ثورة المعلومات في تونس وما حملته ادى البعض من أحلام وآمال بعد حالة الاضراب الشهير، حيث وقفت السلطة بعيدا عن المشهد وحاولت تهميشه ثم إماتة تبعاته، ولم يقع انتهاز الفرصة لفتح حوار بناء يعالج كل ثغرات المشهد السياسي المحتقن.
هذه العناصر الخارجية التي تدخل المشهد السياسي علنا وبسلمية، أو بقوة وعنف فترجه، تمثل إنذارا مباشرا ورسالة تحمل عنوانا ومحتوى تدعو فاتحيها إلى استيعابها ومحاولة البحث عن أسبابها والدخول في مسار تصاعدي للإجابة على القصور الذي بنت عليه تواجدها وانبثاقها.
إن ما وقع هذه الأيام من دخول عنيف لهذا العنصر الأجنبي عن ثقافتنا وعقليتنا وتاريخنا في الداخل التونسي، يتطلب إجابة نوعية عاجلة وتفعيلا سليما لما وراء الحدث، والسعي إلى البناء من جديد لتجاوز الخلل الذي أبرزته للعلن لحظة سقوط وتعرية للصورة، وبداية تشكّل عقلية وثقافة جديدة وممارسة منبوذة، لدى طرف من الشعب التونسي على قلته.
ثلاثة مضارب رئيسية نراها أساسية في تجاوز الأزمة والبناء على عجل وبواقعية وجدية دون السقوط في التهميش أو التلفيق :
· الانفتاح والحوار
· المصالحة مع قيم الدين ومظاهر التدين
· بناء قنوات مفتوحة مع المشروع الإسلامي المعتدل

البديهيات الأولى للحل والتجاوز : الانفتاح والحوار
لن نطيل الحديث وهو قصير وواضح، وبعد تشخيصنا غير الموسّع للحالة التونسية إجمالا عبر بحثنا عن الأسباب والدواعي، والتي شرحناها بتواضع في الجزأين الأولَين من هذه الورقة، فإن ما يجمع عليه القاصي والداني ملاحظة ومراقبة وتتبعا وممارسة للِشأن التونسي، أن هناك احتقانا داخل المشهد السياسي واختناقا متواصلا، وأن صورة التعدد المغشوش، وهيمنة الحزب الواحد، وتهميش الصوت المخالف وردعه، ورفض التحزب لمن يريد، وعدم السعي حثيثا إلى إنهاء حالات السجن التعسفي لمئات السجناء السياسيين وإعادة المشردين إلى ديارهم ووطنهم... إن هذه الصورة المزعجة أضحت تشهد شبه إجماع على تجاوزها وتغيير المشهد الحالي نحو منازل الكرامة للجميع وحق التحزب للجميع وحرية وديمقراطية سياسية سليمة للجميع.
هذا المطلب الذي يتكرر منذ سنين ولعله يلتصق بكل حالة تفرد للسلطة وتغوّلها على حساب المواطن والوطن، أضحى سمة بديهية ومسلّمة لكل فعل سياسي مبدئي ينحو النجاة والخلاص للبلاد، ولذلك لن نعيد تكراره فيما ندعو إليه لتجاوز احتقان اللحظة وتجاوز الأزمة، حتى لا يسقط الوطن في براثن سنوات الجمر ولياليها الطويلة.
فالمعالجة الأمنية، والتي يبدو أن بعض الأطراف في السلطة تطرحها بقوة وبدأت تمارسها، لن تمثل حلا رشيدا وواقعيا، وتجربة التسعينات مع حركة غير متطرفة وذات ثقافة حزبية سلمية وعقلية معتدلة، رغم بعض التجاوزات، لم تستأصل شيئا ولم تحل "مشكلا" ! والحلول الأمنية إجمالا أثبتت تجاربها القريبة عقمها على المدى البعيد في توليد الاستقرار والأمن، وإن كانت في ظاهرها الرحمة والسهولة، ولكن في باطنها العذاب ومتاهات سنوات الجمر والدماء ! كما أن أي معالجة سطحية لا تبحر نحو الأعماق وترج الساكن وتطيح بالخبيث وتبني على بياض، لن تكون إلا جوابا قشريا وحلا وهميا يؤخر الأزمة ولا يعالجها. إن المطروح اليوم هو الغوص في الأعماق والإجابة المسؤولة والحازمة، إجابة جريئة و هيكلية تسعى إلى بناء مشهد سياسي حي متفاعل لا يموت.
لن يكون الحل مقبولا وسليما إذا لم يمسّ كل أطراف النزاع، والذين يبدو لنا أن جوانب خيط السلامة ينساب بين أيديهم بنسب متفاوتة، ولن يكون الحل واقعيا وذا جدوى ويصبح مسارا حيا إذ لم يسع إلى توليد توازن بين مطالب البعض وواجباته نحو هذا الوطن الأبيّ، إن الجرأة والمسؤولية والوطنية هي الأسس التي يرتكز عليها هذا البناء ويولد وجوبه واستعحاله، وأن أي تلكئ أو تأخير أو تهميش له لن يؤسس إلا للعبث واللعب بالنار.
إن المحطة الأساسية لرأب الصدع وبداية الخطوات الأولى نحو الانفراج والمعالجة الهيكلية للأزمة واستشراف إيجابي لمستقبل لا يهمش ولا يقصي ولا يجور، يبدأ من حالة الانفتاح الضرورية نحو المجتمع المدني بكل أصنافه وتوجهاته، وإعادة صفة المواطنة الحقة المرتكزة أساسا على احترام حقوق الإنسان إلى كل فرد تونسي. وإذا كانت هذه المحطة ضرورية فإننا نراها غير كافية إذ لم تدفع بكل جرأة وتحدي إلى منازل أكثر تشابكا وتعقيدا وأعظم تأثيرا على نجاح مسار التجاوز والبناء...

المصالحة مع الدين ومظاهر التدين
لا يمكن المبالغة والحديث عن عداوة متأصلة لدى السلطة في معاداة الدين ومظاهره، ففي داخلها يوجد أفراد يحبون هذا الدين ويعيشونه في حياتهم العادية، لكنه لا يمكن أيضا استبعاد تواجد عقلية وثقافة ومنهجية داخل الحزب الحاكم، تولتها مجموعات متطرفة شكلت في بعض الأزمنة هيمنة على المواقع ومثلت ولعلها لا تزال الخط الرسمي والرئيسي للدولة في علاقتها بالدين ومظاهر التدين. ونحن من باب الأمانة والأخلاق لا ندعي أن هذا الانحراف ينبع فقط من مرجعية أيديولوجية تكره الدين والتدين ولكن نرى أن المواجهة مع الإسلام السياسي قد خندق أطرافا في السلطة في مواقع عدائية تجاه مظاهر التدين بدعوى مقاومة منابع الدين واستئصال كل ما يدفع إلى التقارب والتعاطف مع الحركة الإسلامية.
هذا الانحراف تمثل أولا في مواجهة "قانونية" وغير مباشرة بإصدار منشور 108 الذي يحد من حرية المواطنة التونسية إذا ما حدثتها نفسها بارتداء الحجاب وهي تتمثل دعاوى النظام في تحرير المرأة ونهوضها. ويظهر هذا الانحراف كذلك في محاربة مباشرة وميدانية لمظاهر التدين في البلاد، ممثلا في الاستفزاز المتواصل، والاعتداءات باللفظ والكلمات الجارحة، والاعتقالات، والالتزامات بالإكراه، ومنع ارتياد منازل العلم وإجراء الامتحانات على المتحجبات وبصفة أقل على أصحاب اللحيّ.
لذلك فإن أول ممارسة وطنية ومحطة نوعية وهادفة تظهر حسن النية لتمكين هذا الصلح مع مظاهر التدين في البلاد، هو الإعلان بكل جرأة وبعجالة تنحية المنشور 108 واعتباره خطأ جسيما قد وقع، ولا بد من مسحه والدخول في مصالحة تعطي الاعتبار لكرامة المواطن وهويته أيا كان جنسه وميولاته وأذواقه. ثم سحب الأوامر والتخلص من منهجية الاستفزاز والمواجهة والدخول في علاقة سلم اجتماعية تولّد خطابا يؤسس على حرية المعتقد واحترام الحريات الشخصية للجميع والحريات العامة داخل الوطن.

الدور المحوري للمشروع السياسي المدني ذي المرجعية الإسلامية
لم تكن محطة التسعينات في العلاقة بين الحركة الإسلامية والسلطة في تونس إلا مزيجا من المآسي والتعنت والجور البواح، ولكنها كانت أيضا محطة سوء الفهم والتخبط والتجاوزات والمواعيد الخاطئة. ولا يمكن التبرئة الكاملة لأي طرف في هذا النزاع، فإذا كان تورط السلطة واضحا، خاصة في تجاوزاتها وارتكابها لمآسي ومظالم في حق العديد من التونسيين، فإن دور الحركة الإسلامية لا يحمل براءة الذئب من دم يوسف، وإن كانت المستويات تختلف كثيرا وتصعب المقارنة في بعض الثنايا، من هول التجاوزات التي وقعت، ووضع الضحية في مرتبة الجلاد !
إن اليوم ليس البارحة، ومنطق التجاوز والبناء يفرض نفسه على الجميع من منطلق أخلاقي  ووطني خالص، وهذا يتطلب مرونة في التعامل بين السلطة وأصحاب المشروع الإسلامي الإصلاحي، وإذا أريد أن يربح الوطن فعلى الطرفين القبول بنصف الربح كلاهما وإن كان الحمل الأكبر ستقبله الحركة الإسلامية بكل رشد ومبدئية وبراغماتية.
المطلوب من الحركة الإسلامية اليوم أن تنحي من مشروعها ومن ثقافتها وعقلية بعض أفرادها منهجية الاكتساح والقطبية الذي أضرت بالمشروع أكثر مما نفعته، ولتتفهم الأبعاد المنسية أو المغفَل عنها بوعي أو بغير وعي في أجندتها التغييرية، من عوامل دولية وإقليمية ضاغطة، ولتبني على المتاح والمسموح ولو كان قليلا ولا يعبر عن كثير من الحقائق على الأرض. ولتدفع بكل وضوح ودون تردد ولا ازدواجية لبروز منهجية المصالحة والتعايش محددة في مسالك ميدانية معينة. ورغم أننا تعرضتا سابقا لهذا المقترح في مبادرة أطلقناها سنة 2003، فإننا نعيد طرحها مع تحديثها وتدعيمها عسى أن تجد اليوم الآذان الصاغية والعقول الراشدة خاصة وأن الإطار تغير نحو مزيد من الاستعجال والمسؤولية. (انظر الوثيقة التاريخية : حول المصالحة بين المشروع الإسلامي والسلطة في تونس 18 أوت 2003www.liqaa.net/article.php3 ?id_article=199)
فعلى الحركة الإسلامية المدنية هجرة المساجد كمنابر سياسية، وحكرها على فضاء عبادي شعائري بامتياز، وتحديد مشاركاتها الانتخابية وجعل سقف معين لتمثيلية برلمانية يتمثل في ثلث مقاعد المجلس، وعدم الدخول في انتخابات رئاسية قادمة، على أنها يمكن أن تدعم طرفا معينا.
في المقابل فإن السلطة لا مفر لها من تجاوز المشروع الإسلامي المدني من باب المسؤولية التاريخية والوطنية، وعليها إعطاء التأشيرة لتمثيلية سياسية ذات مرجعية إسلامية وديمقراطية، تكون حصنا أوليا وأساسيا ضد التطرف والمغالاة، ومنبعا لثقافة ديمقراطية ذات أصول إسلامية، تأسس لعقلية الاعتدال والتواصل والسلام. وهو ما يوفره اليوم كلّ من حركة النهضة واللقاء الإصلاحي الديمقراطي.

ختــــاما
لا تدّعي هذه الورقة في فصولها الثلاث الإتيان بما لم يأت به الأوائل، غير أنها تريد أن تدفع الإحباط واليأس عن أن يستوطن المشاعر والعقول، وأن تساهم من باب المسؤولية التاريخية والوطنية وراحة الضمير ورضاء الله قبل ذلك، في الدفع بهذا الوطن العزيز نحو منازل لمّ الشمل والإحسان المتبادل والعيش الكريم لكل مواطن... شعارنا في ذلك تونس لكل التونسيين دون إقصاء أو تهميش.
إن ما حدث في تونس يعتبر تطورا ملحوظا ولافتا ويشكل منعرجا هاما داخل المشهد العام، غير أن خيوط الحاضر والمستقبل لا تزال بأيدينا، شعبا وحاكما ومعارضة، ولعل السلطة تبقى الأكثر إلزاما بما تحمله من مسؤولية تاريخية أمام شعبها، حيث يتجلى أن لها الخيار التام بين زيادة التأزيم والمعالجة الأمنية وما ينبعث منها من روائح التجاوزات والانحراف، وبين انتهاز هذه الفرصة "التاريخية" لتثبيت تحول حقيقي داخل المشهد السياسي التونسي...وكل إناء بما فيه يرجح !
ـ انتهـــــى ـ

2007-06-21