المشروع الاسلامي التونسي ونزيف الانسحـابــات / الجزء الثالث / د.خالد الطراولي


الطريــق الثــالث ([1])
ليست الأسطر التالية دعاية ولا إشهارا لحركة أو فصيل، وإن كنا في اللقاء الإصلاحي الديمقراطي الذي ننتمي إليه نسعى إلى بلورة مسلك حضاري داخلي سليم وتكوين خطاب فكري وسياسي شفاف وديمقراطي، ولكن هذه الأسطر تبقى تكريسا لآمال وإرادات وعزائم وطموحات، وبداية بناء نطمح من خلاله، التأكيد على أن مواصلة العمل السياسي والبناء الفكري الإجرائي والحضاري، وعدم مغادرة ساحة الفعل والإنتاج، ممكن وأسلم وأصلح وأجدى وأنفع داخل المرجعية الإسلامية، لما تحمله من ثراء وواقعية، وذلك عبر أنسنة المشروع الإسلامي. وتتجلى هذه الأنسنة أولا في القراءة النوعية للموروث، وثانيا في تأثيراتها المباشرة داخل البناء الحركي والهيكل السياسي.
 
فالمنتمي ليس عنصر تصفيق وتهليل وتكبير وتعظيم والمشي منحني الظهر وراء الزعيم والقائد، ولكنه إنسان مكرم له مكانه داخل البناء، يحميه قانون داخلي وآليات عمل واضحة المعالم والأفق يبني على سنة التداول والتدرج. فليست الحركة السياسية ذات المرجعية الإسلامية حركة شيخ ومريديه، ولكنها حركة مدنية تحكمها قوانين وآليات. 
كما تظهر هذه الأنسنة في الخطاب الإسلامي نفسه في فرزه وغربلته للموروث واعتماده حصرا على البعد الإنساني في مقاصده وأهدافه وفي فلسفة بناءه، ، وهي روح مقدسه النصي والقولي والفعلي. تنطلق من نداء مدوّي " ولقد كرمنا بني آدم" [الإسراء 70] لتتواصل في حقيقة حاسمة "هو الذي خلقكم من نفس واحدة" [الأعراف 189] لتحط رحالها بهدوء " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا" [الحجرات 13].  
 
ومن هذه الأنسنة ووفق قراءة مقاصدية أساسها إنسانية الإنسان، ينطلق البناء السياسي في إعلاء قيم المواطنة في مجتمع مدني أصيل، وقد كان دستور المدينة وثيقة معتبرة في هذا الإطار، ومن هذه الأنسنة يبرز البناء الاقتصادي معتمدا على قيم الحق والعدل، ومن هذه الأنسنة تتشكل عقلية وثقافة الفرد والمجتمع على أسس من الأخلاق ومنظومة قيم تعتمد أساسا على قيمتي الحرية والمسؤولية الفردية والجماعية.
 
إن المشروع الإسلامي الحركي التونسي يعيش ولا شك أزمة متعددة الجوانب والأبعاد، ولا نخال في هذه الأسطر، إلا قد لمسنا إحداها ولعلها أهمها وأخطرها، ولا يمكن لهذا المشروع أن يواصل طريقه بأمان وسلام إذا لم يع خطورة هذا النزيف الذي يطاله والذي يجعله يفقد طاقاته ورجاله تمهيدا لفقده لوجوده ولكيانه، خاصة أن الفراغ الذي تحدثه الانسحابات كثيرا ما يملأه الغث على حساب السمين فيكون التردي ويكون الهوان.
 
كل هذه الأصناف من الطاقات المهمّشة والمستبعدة، والمتعددة الاختصاصات والإمكانيات، والمختلفة التصورات والممارسات، والتي ضمر دورها وقلّت فعاليتها أو غابت ذاتها، لا يجب التنازل عنها وتركها لنفسها، أو لغيرها حتى يستثمر قدراتها وتاريخها، ويوظف أفكارها وممارستها بعيدا عن المشروع. و إلا فهو إهدار لرصيد يندر وجوده، صقلته التجربة والمعاناة، وجمعته لفترات، أخوة ومؤاخاة، وتاريخ ومسؤوليات. والمصالحة معه ضرورة حياتية للمشروع، وشهامة وترفّع ومروءة وتواضع وتسامح، وكسر للأنا، وتأكيد للبعد الرباني للعمل ومنهجيته وأهدافه.
 
إن اللقاء الإصلاحي الديمقراطي بما تحمله كلمة "اللقاء" من تجميع ورفقة وصحبة وتعدد وتنوع، وهو ما ركز عليه في بيانه التأسيسي، يؤكد على أن مجاله مفتوح لإمكانية تواجد أجنحة سياسية ومدارس فكرية داخله تنطلق من هذه المرجعية الإسلامية والديمقراطية التي تشكل النواة الصلبة والجامعة في مشروعه، ولا يرى في ذلك عيبا ولا نقصا ولا تشتتا، ولكنه يعتبره إثراءا للمشروع وتركيزا على البعد الديمقراطي في مرجعيته وآليته، فالقراءات انطلاقا من هذه المرجعية يمكن أن تتعدد وتتنوع وهو تأكيد مبدئي على مدنية المشروع وعدم سقوطه في قدسية الأفكار وعصمة الأفراد.
 
إن هذه الطاقات بكل أصنافها والتي تواجدت يوما خارج الإطار، وقد أمضت جانبا كبيرا من عمرها وهي تحمل فوق رأسها هذا المشروع السياسي ذي المرجعية الإسلامية وتكابد على نجاحه، والتي لم ينصفها الزمن ولا الأهل، وعانت التشريد والمنفى والإلغاء والرفض والتقزيم والاستهزاء والاستخفاف من أجل مبادئ وثوابت آمنت بها ولم تلفظها، وهي التي لا تزال ترنو ولو من بعيد، وتأمل ولو وراء الأسترة، وتدعو ولو بصمت واستحياء إلى نجاح المشروع وتمكنه. ومهما كانت أسباب الافتراق والانسحاب، فإننا ننادي هؤلاء الأفاضل جميعا دون إقصاء، أن لا ييأسوا من هذا المشروع ولا يطالهم الإحباط ولا يبنوا مشاريعهم الشخصية المستقبلية على ردات الأفعال والسقوط في العداوة الرخيصة والإقصاء المعاكس، والتوغل في العمل الفردي مهما كانت نسبية نجاحه الحيني، أو الركون إلى الراحة والعيش "خبزيست" كما يريده الاستبداد لكل الوطن حتى يخلو له الطريق، فهم أرفع شأنا وأكثر وعيا، والتاريخ كما يرويه العقاد لا يعرف الكثير عن الذين أكلوا وشبعوا ولكنه يعرف الكثير عن الذين صاموا وزهدوا !
 
والخروج ليس خروجا من ربقة الإسلام، فالانتماء للمشروع الإسلامي السياسي ليس انتماء عقيدة وإيمان، والخروج منه ليس خروج كفر وانحلال، والإسلام دين الجميع لا وصاية عليه لفرد ولا مجموعة، ولا تمثيلية له من أي طرف كان، في السلطة أو المعارضة، ومجال خدمته كثيرة ومتنوعة، غير أن القراءة السياسية والمدنية التي تتخذ من الإسلام مرجعية لبناء طرح مدني لا عصمة فيه ولا قدسية والذي يمثلها المشروع الإسلامي السياسي والمدني، هو في حاجة جمة لأبنائه واستيعابهم من جديد تحت يافطته بتنوع قراءتهم وتعدد مقارباتهم.
 
إن الانسحاب لعدم وجود الإطار الذي يسمح بالكلمة المختلفة يمكن أن يكون حلا صائبا ولكن التحدي الحقيقي هو محطة ما بعد الانسحاب، ولا نخال هذه الطاقات الواعية والتي لا يزايد أحد على وطنيتها وعلى ما كابدته من أجل مشروعها ودفاعا عن الحرية لوطنها والكرامة لمواطنيه، لا نخالها صائبة وهي تغادر العمل الجماعي واللواذ بالصمت أو العمل الفردي. إن الشأن العام مسؤولية كل فرد، خاصة إذا كان هذا الشأن يعيش حالة توتر وجور واعتداء، وإن من النجاعة والجدوى والفعالية أن يعمل الكلّ في إطار جماعي حتى وإن كانت التجربة الأولى مرّة ولم تترك ذكرى طيبة.
 
إن البناء لم يكتمل ولكل موقعه ولكل فضله ولكل مساهمته، خاصة أن التعددية داخل الصف الإسلامي التونسي أصبحت اليوم واقعا ممارسا رغم التهميش الذي يطاله وهو معبر نجاة لهذا الانسحاب، وليس اللقاء الإصلاحي الديمقراطي إلا صورة لهذا التعدد ولعله يكون صمام أمان.
 
 فالمشروع الإسلامي في حاجة إلى كل أبنائه، إلى كل بناته، إلى كل صوت إلى كل قلم، يعري الاستبداد ويبني لما بعده، وإن كان البعض قد ذهب بعيدا في حالة القطيعة مع المشروع الإسلامي وأصبح يغالي في أطروحاته ويسعى إلى إعدام كل المشروع السياسي ويفتي حتى بتحريمه !!!، شعاره في ذلك "عليّ وعلى أعدائي" وهي متاهات لا تكسب صاحبها مصداقية الفعل وجماهيرية الممارسة..، وسيواصل المشروع طريقه وإن كثرت مطاعينه من الصديق والمنافس، لأن شرعية التواجد لا تحكمها الفتاوى و تعطيها أولا وآخرا الجماهير وصناديق اقتراع غير مثقوبة الأطراف.
 
ورغم ذلك فإن المشروع السياسي ذا المرجعية الإسلامية يبقى مفتوحا على مصراعيه لإخوة الأمس القريب ولهذه الطاقات الملفوظة، وسيبقى يتطلع دائما إلى كل يد نظيفة تؤمن بهذا المشروع وتسعى من خلاله إلى رؤية تونس بخير وأهلها الطيبين يعيشون رفاهة روحية ومادية جامعة.
ـ انتهــــــى ـ

هــــوامش
[1]  لقد عبرنا عن هذا المصطلح وعن هذه الصيغة في الحديث، في الذكرى الأولى لتأسيس اللقاء الإصلاحي الديمقراطي وأعطيناه بعدهما السياسي في المشهد العام، وما كتبناه هنا هو استكمالا لهذه القراءة وفتح أبواب أخرى لهذا الطريق الثالث. انظر "الطريق الثالث" الجزء الأول والثاني مواقع تونس نيوز والحوارنت والخضراء وموقع اللقاء ركن أنشطة اللقاء www.liqaa.net
 



[1]  لقد عبرنا عن هذا المصطلح وعن هذه الصيغة في الحديث، في الذكرى الأولى لتأسيس اللقاء الإصلاحي الديمقراطي وأعطيناه بعدهما السياسي في المشهد العام، وما كتبناه هنا هو استكمالا لهذه القراءة وفتح أبواب أخرى لهذا الطريق الثالث. انظر "الطريق الثالث" الجزء الأول والثاني مواقع تونس نيوز والحوارنت والخضراء وموقع اللقاء ركن أنشطة اللقاء www.liqaa.net
.


2007-06-21