المشهد السياسي التونسي : أزمة معارضة أم أزمة حكم؟ / الجزء الثاني / د.خالد الطراولي

 

دورات النضال : حتى لا ينالنا نضال المناسبات ولا نكون مناضلين حسب الطلب

لا يمكن للمرء إلا أن يقف إجلالا واحتراما لكل أولئك المدفونين وراء القضبان، لا يمكن للتاريخ إلا أن يجثو على ركبتيه إكبارا واعتزازا بأطفال مشردين، وشيوخ مهمومين، ونساء باكيات، عائلات وصابرات، لا يمكن لتونس أن ترى فرحتها يوما تكتمل، أن يرتاح ضميرها، أن تسعد أجيالها، إذا لم تفتح صفحات غير ناصعة من أمسها. لن يكون تاريخ تونس صادقا إن كتب يوما إذا لم تذكر عناوينه البارزة العيون الباكية والوجوه الباهتة والأرواح الصاعدة والخدود الملطومة والآمال المعدومة، والمنافي والتشريد...
لعل الكثير منا قد طالته الموجات العارمة من النضال المتصاعد والموازي لكل حديث وحدث غير عادي وخاصة ما يمس حقوق الإنسان في البلاد التونسية، ولعل البعض قد يفاجئه هذا التصعيد المدهش والذي لامس عديد الأطراف من المجتمع المدني التونسي ونخبه وجماعاته المعارضة.
دخل الصحفي توفيق بن بريك في إضراب جوع طويل حتى يخرج من عزلة وقهر وجور، فقامت الدنيا ولم تقعد حتى نال المظلوم البعض من حقوقه، ثم سكنت الرياح وانتهت الجلبة ورفعت الأقلام قبل أن تجف الصحف، وانتهت دورة نضالية في انتظار دورة تالية...
وجاء المدد من المحامية راضية النصراوي التي دخلت أيضا في إضراب جوع قاس حتى تكسّر الأغلال التي نالت من حريتها وحرية أهلها، وتجندت الأقلام والأصوات من هنا وهناك ولم تهدأ العاصفة إلا بعد أن غادرت السيدة النصراوي تونس وهي في أتعس حال، وتنزل ضيفة في فرنسا وتنال مبتغاها وحقها في الكرامة، وبانتهاء المعركة عاد الجنود البواسل إلى ثكناتهم في انتظار أيام أخرى من أيام الله الخالدة !
ودخل آخرون في إضراب جوع دفاعا عن حرية العلم وحق العالم، أو من أجل ضمان عيش كريم بعد سنون السجن، فكانت مأساة الإخوة الأفاضل عبد الله الزواري،و المكي وجلال عياد... فاهتزت العروش من جديد وخرجت العرائض والتنديدات والمساندات، حتى إذا قبل المضربون الرجوع عن مشوارهم بعد أن لامسوا مواطن الفراق والتوديع، انسدل الستار وتوارت الأصوات وانسحبت الأقلام...
ومثلت مبادرة 18 أكتوبر قمة هذه الحركات المعارضة بما جمعته من تعدد وتوحد من أجل حرية بلد وأفراد، وكان شعار الجوع ولا الخضوع يحمل في طياته رمز الوقوف والتحدي والمقاومة السلمية... وكانت المساندة في أكبر مظاهرها خارجا وداخلا وتتالت العرائض وتعالت أصوات التضامن والمؤازرة... حتى إذا توقف الإضراب، تناقصت وتيرة المساندة وتغير نهج المسار التصاعدي وكأن الأقلام والأصوات المساندة اعتقدت أن دورها قد انتهى وأنه أدت ما عليها، فغادرت دورة المواجهة حتى تأتي دورة أخرى أو يأت الاحتفال بالسنة الأولى للمبادرة وهكذا دواليك...
ويتواصل هذا المشوار النضالي يوما بعد يوم، مع إضرابات جوع واعتصامات، مثل ذروتها كل من الدكتور منصف بن سالم والصحفي سليم بوخذير... ولن نواصل السرد حياء من المظلومين وشفقة بالقارئ واحتراما للمناضلين... لعل الردود التي تنال هذا الحديث سوف تدور حول الإمكانات والإمكانيات والظروف الموضوعية والمعيشية، وقليل العمل خير من عدمه، وقليل دائم خير من كثير ينحبس، ...الخ، و هي ردود تحترم ولكن لنا عليها كثير من العتاب والنقد !
النضال ليس رحلة ترفيهية ولكنها رحلة بلا ألوان، النضال ليس عملية ولكنه مسار، النضال عقلية وسلوك وليس ممارسة لحظية ورداء حينيا لتغيير المناخ، النضال كلمة والكلمة فعل والفعل أمانة دائمة تجاه الماضي بحسن استقرائه، وتجاه المستقبل بالتوفيق في استشرافه، حتى يكون نضال اليوم والليلة مبنيا على العقل والنقل والرشد والوعي. حديثنا موجه إلى ذاتنا قبل غيرنا، ولسنا أساتذة ولا غيرنا تلاميذ، ولكنه تشخيص لحالة نعيشها أردنا إبرازها ومحاولة تجاوزها نحو أفق سليم.
لن يكون للنضال استراحة وعطل واسترخاء، لن يكون فيه مساومة على المبادئ والثوابت لأن الاستبداد أقسم أنه لن يتقاعس أو يضعف، لن يعيش النضال المهجري مواكب الأفراح ويعود مبجلا مكرما إلى أرض الوطن إلا إذا استكمل مشواره، والمشوار لا يزال طويلا وعابسا ويتطلب الكثير من الصبر ومن المعاناة وعدم الانسحاب والنجاة الفردية، لا يمكن أن يظل النضال حبيس فعل معين أو يعيش على ردات الأفعال و إلا فإن مآله الضمور والإحباط والنسيان !
إن ردات الفعل هي التي غلبت على مشوارنا النضالي، فكنا مرتبطين بتململات الآخر ومواقفه وممارساته، مما جعلنا حبيسين الفعل المقابل وفي حالة انتظار سلبي متواصل، مما جعل أكثر نضالنا حقوقيا ودفاعا عن المظلومين والمعذبين وغابت أو ضمر الدفاع عن الجماهير جملة، بما تعيشه من انسداد سياسي وفراغ للحريات وتدهور اقتصادي، وهذا ما ظهر في ضعف مشاريعنا التغييرية المطروحة على الشعب. فصنع الحدث هو إحدى المسارات الصحيحة في لغة النضال حيث يكون التحكم في بوصلة الحدث وكرّه وفرّه ورقة ذات شأن في تحديد نجاح المسار أو هزيمته.
وصناعة الحدث فن ومنهجية، وغيابها تأكيد على هذه الأزمة التي تعيشها المعارضة والتي يتفاعل فيها غياب المجموعة والمشروع والزعيم، ولقد مثلت مبادرة 18 أكتوبر حالة شاذة وعودة إلى ضرب هذا الغياب وتجاوز لقصوره، وصنعت الحدث، وأصبحت الضفة المقابلة في حالة تردد وردّة فعل غير متزنة ومرتبكة، غير أن سلبية مدمرة قد قطعت بعض الشيء أوصال الحدث، تمثلت في غياب التواصل والدوام وتجديد الخطط والبرامج، والتصعيد الجريء والراشد والنوعي في إطار معروف سابقا ومحكم بالتضييقات والمنع.
إن هذا النضال المتقطعة أيامه قبل أن تتقطع أوصاله دليل على النقائص التي تشوب المناهج والرؤى، في مستويين غالبين :
· علاقة المعارضة مع أطرافها
· وعلاقتها بالجماهير...
ـ يتبـــع ـ

2007-06-21