كلمات على حياء إلى روح أخينا الهـاشمي المكي / د.خالد الطراولي


سطور أخطها والقلم يرتعش أن لا يكون يفي ببعض الدين، مشاعر تتدافع ولا تجد لها مخرجا سوى كلمات غير مرتبة تحاول الاستقامة في زمن الاعوجاج الصارخ والظل المنكسر... مشاهد حملتها إلينا صور من فيديو سطع فيها نجم بطل !
بطل لا يحمل نياشين ولا يركب جوادا أبيض ولا تعلو وجهه مساحيق كاذبة... كان المشهد عاريا صادقا وكان البطل ملقى على فراش الموت في بيت متواضع تجتمع عليه أدوات طبية مبعثرة... كان البطل شاحب الوجه متعبا يسترجع انفاسه يصعوبة، ويتلوى بين الحين والحين ويغمى عليه من شدة المرض... ومع ذلك كان البطل حاضرا يملأ الشاشة ويرفع يديه حينا لائما محييا مودعا موصيا... يتحدث إلى العالم عن مأساة شعب، عن قضية مواطنة لم تكتمل، عن تاريخ أسود و عن أسود غابوا في التاريخ دون عبر... تحدث البطل وتحدث... ثم انطفأت الشمعة وعمّ الأرجاء الضياء...

شهيدا كنت !
حبسوك عن أهلك وذويك، زاواجك دام 21 سنة لم تقض منه سوى 6 سنوات إلى جنب زوجة طاهرة طيبة صابرة... رموك من سجنهم بعدما عجزوا على الاتيان عليك داخله، عجزوا على أن يقتطعوا المزيد من جسدك المنهك والمعتل...
 
شهيدا كنت وأنت حي ترزق بين أهلك قبل أن تلتحق بالأحبة محمدا وصحبه، حيث هم "أحياء يرزقون"...
شهيدا عشت وشهيدا تموت والتحقت بركب الشهداء، ممن حملوا راية الحرية عالية في تونس ودفعوا ثمن الدفاع عنها غاليا غاليا، التحقت بسحنون ومبروك وغيرهم فبلغهم منا السلام واعلمهم أننا على العهد لن نرتخي...
شهيدا تغادرنا وأنت تحمل وصية إلى الأجيال الحاضرة والقادمة بأن في تونس رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وأن هذه الأرض الطيبة لم يخل زمن من أثرهم الطيب، وكنت أحد هذه الآثار...

شاهدا كنت !
شاهدا كنت على عصرك، عصر العربدة والصعلكة والفساد، عصر الموازين المعتلة والمفقودة وهيمنة قانون الغاب...
شاهدا كنت على زمن رديء انهزمت فيه القيم والأخلاق... وغلبت الرذيلة وغابت الفضيلة، وتقدم اللؤم، وتأخر الشرفاء، وأصبح السجان وصاحب الدناءة والقرف سيدا وحصورا...
شاهدا كنت على مستنقعات الاستبداد والظلم البواح والجور والاعتداء وظلمات الليل والنهار...
شاهدا كنت على صحوة انطفأت لفترة ودخلت الكهوف والدهاليز وظن غير أهلها أنهم قادرون عليها فجاءت حفيدتها تتهادى من وراء السحاب فكنت شاهدا على النصر والنصر سيكتمل...
شاهدا رأيناك في أيامك الأخيرة وأنت تتساءل وتدعو : "كفاية كفاية... إلى متى إلى متى إلى متى؟؟؟؟" كلمات تركتها لنا ورميتها في وجه سجانك... وستقض مضاجع الجميع !
كلمات ستقض مضاجعنا نحن... وهي أمانة منك إلينا حتى لا نحبط، حتى لا نمل حتى لا نيأس، حتى نواصل المشوار بجد وأمل...
كلمات ستقض مضاجع الاستبداد حتى وإن كانت الضمائر مفقودة والأجساد بدون روح... كلمات ستجعله لا يستطيع النظر إلى المرآة إلا وصورتك وحزنك وألمك ومعاناتك ستحيل المشهد إلى مأساة !
شاهدا كنت شاهدا ذهبت شاهدا تبقى... وشهادتك رسالة إلى كل مشرد إلى كل مظلوم إلى العالم... أن هناك في تونس... في مكان يتيم... في بيت فقير... في بقعة طيبة... في لحظة تاريخية عابسة اصطحبتها إشارة وداع وألم وأمل... صعدت روح طيبة ضاحكة مستبشرة بما عند الله، تشكو ظلم العباد وتصافح ملائكة الرحمة وتهفو إلى جنة ربها راضية مرضية.
 

2007-06-21