مأزق المعارضة التونسية...كلمات على الهواء / د.خالد الطراولي


هل يصح فينا اليوم حال الغريق الذي يسعى إلى المسك بكل شيء حتى ينجو من الغرق، فيكون اليأس حالنا والعجز سمة أفعالنا؟ أم هي صورة المنتفض والثائر الذي يرفض الموت ويتعلق بالحياة؟ بين هذا وذاك تقف المعارضة التونسية الحرة اليوم في حيرة من أمرها.
جربت السكون أو المسكنة ودخول بيت الطاعة ولو على أطراف الأصابع أوفي غفلة من الناس، فكان مآلها العدم، فلا صعد سهمها عند مؤيديها حيث تعلقت بها صفات الخيانة والعمالة، ولا نالت رضا الاستبداد خارج الإطار الذي سطره لها...أدوار وهمية وشهرة زائلة ومصداقية في الحضيض !
جربت الصياح والغضب وإنشاء المبادرات والدعوة إلى المقاومة السلمية وإلى الخروج، فوجدت أن الجميع من هواة الدخول وبقي الشعب يرفض حتى سماع صدى أنفاسه وهي تغالبه بالخروج... وصار الصراع وهميا من وراء الحواسيب أو في العلن ولكن بدون مقومات !
جربت المقاطعة فدخلت بيتها وأغلقت أبوابها وظنت أنها إن لم تسمع شيئا داخله، فالصحراء من حولها محيطة، قالت لشعبها هَيتَ لكم، وهي مرابطة وراء الكوة وتحميها الجدران،انسحبت القهقرى دون مشروع بديل سوى المقاطعة، فوقعت القطيعة مع جماهيرها !
جربت المراهنة على المصالحة بمشاريع تحفظ ماء الوجه للجميع وتخرج البلاد من السواد، فوقع تهميشها واستبعادها...
جربت المساومة ورمي المنديل والخروج من الحلبة على صغار " وسامحوني راني غالط على طول الخط" فما شفع لها ذلك "وجاء يبدل لحية بلحية خسرهم الإثنين" !!!
اعذروني إن بسّطت الأمور في بعض ثناياها ولكني أجزم أن وضع المعارضة التونسية لا يخرج من هذه الحالات أو السيناريوهات التي تشبه الكوميديا، مسرحية بليدة، وجمهور نائم، ولا يريد مغادرة القاعة، وأضواء تأبى على الانطفاء، فتريح الجميع وتستريح ! هذه المعارضة التي تعيش ولا شك مأزقا لا يريد البعض البوح به حتى لا يقال أنه يغرد خارج السرب، أو أنه يدعو إلى خطاب العجز والتعجيز، أو أنه ميّال إلى الضفة الأخرى... اقرأوا إن شئتم أقوال بعض أطراف المعارضة وحواراتهم الأخيرة وسوف ترى المرارة عند البعض وهي تعلو كل حرف وجملة، مرارة من الخيبة ومرارة من الطعن في الظهر، مرارة من الصديق ومن الحليف ومن المنافس... أو ترى حالة الشك وبعض الإحباط وحتى اليأس يلف مكامن القول والفعل... انظروا إلى بعض المقترحات والمبادرات الأخيرة وسوف تجدون رائحة العجز والإحباط المقنع واليأس... تسليم بالموجود والمراهنة على المجهول وحتى على اللا معقول... انظروا إلى حال البعض في مقترحاته وهو يسقط حقوقه وحقوق الآخرين قطعة قطعة وهو يذكّرك بالقصة المعروفة لذلك المروزي الذي قيل له وهو يريد إثبات ذاته بنزع كل ثيابه حتى يعرفونه، "والله لو خرجت من جلدك ما عرفتك" !!
ليس سهلا أن تشخّص العلّة، وإن كان الداء في حالنا يبدو أقل تخفيا وأكثر فتكا، ليس هيّنا أن ترفع أصابع الاتهام وأنت المتهم والمدعي والقاضي، غير أن استفحال المرض والذي تستشفه بين الأسطر والأقوال والأفعال، يؤكد دون مواربة أن هناك أزمة داخل المعارضة التونسية، هناك مأزقا في خطابها وفي حراكها وفي منهجية عملها، هناك أمراض عديدة تنهش أطرافها وتلبد سماءها وتهمّش دورها وتضعف فعاليتها، أمراض مللنا ذكرها والتعرض إليها لأنها أصبحت من المسلمات والبديهيات التي يعلمها الكثير والتي لا يزال الاستبداد يراهن على دوامها، لأنه يعلم أن بقاءه ليس وليد صحته وسلامته ونجاعته، ولكنه نتيجة غياب البديل الجدي والواعد والفاعل... ! المرض، زعامتية مفرطة حيث يلوح من بعض الخطابات قولة لا سلامة من دوني وليس بعدي إلا الطوفان..، المرض، استناد إلى التاريخ أكثر من الجغرافيا، استناد إلى الأمس أكثر من اليوم والغد، استناد إلى شرعية التاريخ وأشهر السجن وسنوات المنفى أكثر من الاستناد إلى الفعالية اللحظية ومناسبة الشخص والفعل والمنهجية لعنصري الزمان والمكان...المرض، نرجسية غالبة، الكل يزعم أنه سوف يأتي بما لم يأت به الأوائل، ويرفض البناء على من سبق ولو كان فيه كثير صحة وسلامة..،المرض، لعب لأدوار وهمية والمراهنة على شهرة زائلة ومواقع فجة ورسائل غير مضمونة الوصول...، المرض، الشدة والمغالاة، وخلط بين الحزم والتشدد، رفض للحلول الوسطى التي تقرب ولا تبعد، وتبني للمستقبل ولا تتسرع وتحرق المراحل، وتشبث غريب ومزعج "بالقناعات" التي يراها أهلها أنها لا تناقش، كالحجرة الصمّا في واد غير ذي زرع.
دعوا عنا النرجسية وغلبة الأنا، دعوا عنا الحلول المغشوشة والمساومات المفضوحة، دعوا عنا الشدة في غير موقعها، والتذلل والانسحاب والسقوط بدعوى المرونة...دعوا عنا التفسير التآمري للماضي والحاضر، وعلينا بأنفسنا من غير جلد للذات أو نبش للقبور...إني لأقف في بعض الأحيان صامتا أداعب قلمي، يصفعني الملل والضجر، أحدث نفسي عن مشوار المعارضة ولا أجد غير الصحراء ترافقني في دربي أو تدغدغني بين الفينة والأخرى أضغاث أحلام...
 لن أسترسل في الحديث فهي كلمات على الهواء، تؤكد ما سبق، وتذكّر بما حصل، ليست جلدا للذات، ولا وقوفا على الربوة، ولا فرارا من المسؤولية، ولكنها هموم اللحظة وثورة الإرادة والعزيمة للخروج من هذا المأزق الذي طال ليله ولعله يزداد ظلمة وفتكا، وهي دعوة صادقة وعلى استحياء لضرورة الإحساس الجماعي بخطورة الموقف والمسؤولية الكبيرة تجاه وطن جريح ومواطن مكلوم يبحث، ولو بصمت أحيانا، على خلاص، ولا يجد فينا غير السراب...
 

2007-06-22