سـاعة الصفر والانتظــار المغشوش / د.خالد الطراولي


د. خــالد الطــراولي
ktraouli@yahoo.fr
 
لعل الجميع قد استرعى انتباهه هذه الأيام الدعوات والرجاءات والأماني والمطالب والكتابات التي تملأ بعض المواقع والأفواه والأقلام، والتي يزداد زخمها وتكرارها كلما اقتربنا من ساعة الصفر ! الكل مشدود إلى عقارب ساعته ينتظر هذه الساعة العجيبة، ساعة المعجزة والخلاص والنجاة، إنها ساعة الصفر التونسية !!!
ساعة الصفر هذه هي عيد الجمهورية التي ينتظرها الكثيرمن أولي القربى أو من المغضوب عليهم، من أجل تغيير المشهد السياسي التونسي، في سقفه المرتفع، أو إخراج سجناء الرأي، في مستواه الأدنى. المطلع على هذا التلهف نحو هذه المشاهد لا يسعه إلا التأكيد المتكرر والمألوف حد القرف على ثبات إطار عادي جدا لا يكاد يتململ... حالة سياسية تونسية منغلقة وسلطة حاكمة لا تريد سماع أي صوت غير صدى صوتها، ومعارضة لا تزال تبحث عن موقع لها داخل هذا المشهد المشوش والمغشوش.
ليست هذه المرة الأولى التي نرى فيها هذا التهافت نحو انتظار هذه اللحظة "التارخية" فقد سبقتها تواريخ ومواعيد، ارتبطت كلها بأعياد ومواسم دينية ووطنية، كان آخرها خمسينية الاستقلال ! وليست المرة الأولى التي تتعالى فيها المناشدات والرجاءات من كل الأطراف حتى من بعض مواقع السلطة نفسها (انظر مطلب الأستاذ برهان بسيس في الأشهر الأخيرة حول سجناء الرأي)، حتى أصبحت هذه الظاهرة منهجية ثابتة ترافق أعيادنا ومواسم أفراحنا، كما يرافق الهلال أشهرنا القمرية، وهي إذ تعبر عن شيء فهي تطرح بكل جدية حالة الانسداد والفراغ والتعويل على المجهول...
الحقيقة المرة التي تتجلى لنا مجددا وتذكرنا إذا نسينا ونحن ندخل من جديد هذه المنهجية في الانتظار السلبي والتعويل على المكرمة الأميرية، أن هناك خللا في حراكنا، خللا في هدفنا، وخللا في خطابنا...تجتمع كلها لتبني هذه المنهجية الجوفاء في الترقب والانتظار !
حيث تتجلى بكل بسر هذه المنهجية السقيمة في انتظار الآخر والعيش على ردات الفعل أكثر من الفعل، ومن يعيش على هذه المنهجية في العمل المعارض المسؤول لا بد أن يسقط بوعي أو بغير وعي في ثلاث مضارب :
 * إما في سلبية الانسحاب أو رمي المنديل وهو يهوّل الطرف المقابل وما تحمله الضفة المقابلة من مجموعة أوراق ومكاسب، فتعظم الصغائر وتقل الثقة في النفس ويدخل العمل المعارض راحة صيفية مسترسلة والتعويل على المكرمة في انتظار عيد أو موقف أو قول أو نوايا يعوَّل عليها وتبنَى عليها قصور من الرمال... ومن هذا الباب ولجت مناهج الخلاص الفردي دون المشروع والعودة إلى تراب الوطن !
* أما البعض الآخر فعوده أقل ليونة، فهو لا يغادر الساحة ولا يرمي المنديل ولكن يبقى على الأعراف ينتظر، يعيش متقطعا بين فترتين أو حالتين، حياته نقاط متعثرة بين أعياد ومواسم ومواكب أفراح، فهو ميت طوال العام حتى إذا اقتربت الساعة وانشق القمر معبرا عن مجيء هلال جديد، تراه يخرج من غيبته أو غيبوبته وتراه يتلوى حبا وشغفا وانتظارا للمجهول الذي لن يخيبه، فيكثر القيل والقال وكثرة السؤال ويهيمن الأمل الواعد وينسى المشهد بكامله وما يحمله من تعقيدات وحسابات وقوة تفاوضية، وتصبح السياسة لعبا بالأوراق والمراهنة على عالم الصدف ويصبح الجميع ملائكة والواقع جنانا خضراء معلقة لا تنتظر سوى غمزة عين تأمرها بالنزول إلى الأرض، ويصبح الذئب صديقا للقطيع حتى في غياب الراعي في لحظة عدم وعي جامعة... فيكون الانتظار منهجية خرقاء لا تفيد ولا تستفيد !
* أما الطرف اللآخر فهو على النقيض فانتظاره دائم وهو يزعم عدم الانتظار ولا يعول عليه، فهو ينتظر ثورة عامة لا تبقي ولا تذر ويجعل من خطاب الرفض والمواجهة يافطة تخفي في ثناياها عجزا ويأسا وإحباطا مستترا وتجاوزا غريبا لعقلية وثقافة مهيمنة وسائدة.
لقد حسمت أمري في أحد كتاباتي السابقة أني لن أكتب عن 20 ماس وعيد الاستقلال في ذكرى خمسينيته، ولن أكتب عن هذه الأعياد الوطنية إلا عرضا والتي أعتبرها أعياد الأجداد وليست أعياد الأحفاد لما لفها من ضباب وتوظيف واستغلال، ولما تورثه من أوهام وسراب، واسألوا التونسي البسيط شابا يافعا كان أو شيخا عجوزا غن هذه الأعياد وسوف ترى العجائب بين جهل واستهزاء وغضب ولامبالاة. أعلم أن حالتنا في بعض ثناياها كحالة الغريق الذي يتعلق حتى بالسراب..، أعلم أن الأبواب موصدة وأن الليل قد طال، وتعثر الفجر عن الطلوع..، أعلم أن المقاساة وسنين السجن والجمر والتشريد قد تربعت على عرش العقود..، أعلم كل ذلك وأشفق على حالي وحال إخوتي وعوائلهم، ولكني لا يسعني إلا أن أحذر إلى أن هذه المنهجية في الانتطار السلبي والتعويل على هذه اللحطات من أعياد وغيرها في حل مشاكلنا لا يمكن أن تلبي ما نريد حمله وإيصاله إلى الأجيال، بل إنها تجعلنا مرتبطين بالآخر وانتظار مكرمته والعيش على فعله وكره وفره وترقب ابتسامة من هنا ونصف يد ممدودة من هناك. وكم من أعياد انتظرنا وكم من مواسم دينية ترقبنا، كنا ننتظر مع أطفال صغار ونساء شامخات وجدات وأجداد طوال سنين، أن يطال قلوب البعض رحمة وشفقة وكان الجواب في أغلبه نفي ولامبالاة، وتقضي أمهات وأطفال يمسح البعض للبعض دموعا وآهات في ظل أعياد فرح وسرور للآخرين، وكأن تونس بلاد صنفين من العباد صنف يعيش والأخر يموت، صنف يفرح والأخر يطرح، صنف له عيد وصنف لا يرى العيد...
 
أتمنى أن أكون مخطأ هذه المرة، وما أكثر أخطائي، وأن يكون غدا جوابا شافيا لتحفظاتي وتعلن السلطة عن خروج اخوتي من السجون، أتمنى أن يتحداني النظام ويرمي بالسطور السالفة إلى سلة المهملات ويطلق الأغلال وتعود الفرحة إلى الكثير من الصغار والكبار، أتمنى أن تحمل كتاباتي على تشاءم في غير محله وأن تأتي السلطة عليها وهي تفتح أبواب الحرية على مصراعيها، أتمنى أن لا تصدق تكهناتي بأن دار لقمان ستبقى على حالها، وأن تبني السلطة من جديد بيتا يحمل كل التونسيين... أتمنى كل ذلك وسأثني الركب وأسجد سجدة شكر لله وأفرح لخطئي، وخير الخطائين التوابون... رغم أن السؤال الذي أطرحه بكل قوة حينذاك : وبعد؟؟؟... ولكن اعذروني أن أتمسك هذه الليلة بأطروحتي وأن أشد عليها بالنواجذ إلى حدود ساعة الصفر الجديدة المتجددة، بأني لا أومن بهذه الساعة ولا أومن بالانتضار السلبي الذي يسبقها، والمناشدة التي تأجل العمل، والفعل الذي ينتظر المكرمة، لعلي أحلم لكني خيرته على عالم الكوابيس والأوهام...
 

2007-07-24