الخــلاص الفــردي ومشــاريــع العــودة [1/3] الجزء الأول / د.خالد الطراولي


د. خــالد الطــراولي
ktraouli@yahoo.fr
 
كل صغير سوف يكبر وكل مهاجر سوف يرجع، وكل غائب سوف سيعود، ألا ترى الشمس وهي تغادرنا ليلا وفي الفجر نلاقيها من جديد... وقد قيل لأعرابية أي أبنائك أحب إليك؟ قالت المريض حتى يشفى والصغير حتى يكبر، والغائب حتى يعود... ولقد مثلت الغيبة أو الغياب محطة هامة للهجرة في حياة أفراد وفرق وشعوب وحتى حضارات... وغلبت على مشاريع الهجرة والغيبة الاكراه والتشريد، ودخلت مواطن الحسابات والمواجهات والمقاومة واستبعاد الخصم عن مواطن الفعل المباشر والتخلص منه، فكانت غيبة أهل الكهف وهجرتهم ملاذا من الاستبداد الديني، وكانت غيبة المهدي لدى الشيعة ملاذا من الاستبداد السياسي.
لقد مثلت الهجرة ملاذا وإطارا لتواصل وجود فكرة ووجود حامليها، ولقد كان للمكان الآمن التي يجده أصحابها دفعا لعدم الموت وحتى للإبداع والتفوق، فكانت هجرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حالة فريدة ولا شك، ولكنها تندرج عبر طابعها الإنساني في هذه الإرادة على البقاء وعلى الحياة وعدم قبول الأمر الواقع وقوفا وتواصلا وإبداعا ونجاحا.
وفي عصرنا هذا تواصلت محن المَهاجر بالنسبة لعديد الأقوام بعد أن لفظتهم مواطنهم ظلما وعدوانا، وكانت تونس ولا تزال إحدى هذه البقاع الصغيرة التي غادرها في ليلة عابسة قمطريرة مجموعة من الشباب بعد تدافع سياسي رهيب، لم يترك لهم من خيار سوى القضبان أو الحدود، فغادرت البلاد ونسيم الأوطان بمرارة ومغلوب على أمرها، دفعات متتالية من خيرة الشباب، مختفية عن صولة الجلاد، وعبرت الصحاري والوديان، حاملة معها أحزانها ومشروعها، حتىأرسى بها ترحالها في أكثر من 50 بلد لم تطأ بعض أرضه قدم تونسية من قبل...
الحالة التونسية ليست فريدة عن مثيلاتها العربية، ولكنها كانت أكثر إيلاما وعنفا وعددا، وحملت سناريوات حزينة لهذه السفرة الطويلة نحو المجهول، هربا بفكرة ومشروع، قبل الهروب بالأجساد !
عقدين من الزمن البعيد أو ما يقاربهما تتالت بسلبها وإيجابها، بأفراحها المقتضبة وأحزانها، بعيدا عن الأهل، بعيدا عن العشيرة، بعيدا عن زقاق المدينة ورفاق الدراسة وأتراب الحي، بعيدا عن الوطن... تداخلت خلالها أبعاد وتطورات، دخل الأبناء على الخط وحتى الأحفاد وبقيت السفينة رغم ثقل حملها تواصل طريقها في بحر الظلمات، جاء الاستقرار يترنح مستمدا وجوده من طول الرحلة وتقدم الأعمار وتوسع الأسر، وابتعد نسيم حي البلفيدير وصياح باعة سوق الحلفاوين والمدينة العتيقة... وبعدت القيروان بمقروضها الجميل، الطيب عرضا وذوقا..، وخرجت سوسة والمهدية والمنستير بأسوارهم العالية ورباطاتهم رويدا رويدا من ذاكرة تذوب...، و أخذت نابل والحمامات أشجارها وقوارصها بعيدا عن مد اليد والعين..، ورست قوارب قرقنة وجرجيس بعيدا عن مرمى الذاكرة وهي تحاول استيعادها من جديد..، وبقيت جربة الجميلة في المخيلة تبحث عن "عطار" يذكرنا بها ونحن نعبر أسواق بارباس في باريس، وظلت صفاقس وقابس وقفصة تدافع بقوة الحديد والفسفاط والكبريت المنبعث من أرجائه عن تاريخ عتيد ووجود في الذاكرة يضمحل...
تلك تونس الجميلة التي حملها الجميع معه وهو يراها بعد حين من الزمن تضمر ولكنها ظلت صامدة تحاول البقاء والثبات رغم طول الرحلة وعناء السفر..، عقدين من الزمن يمران ويبقى الحنين نحو الوطن قائما صلبا لا تضاهيه غير صلابة الإسمنت، إرادة للبقاء وأمل في العودة راسخ رسوخ الجبال... ومرت الأيام.... وبدأ دافع العودة وحنين الوطن يتجدد من حين لآخر عند البعض... وبدأت رحلة أخرى مع الضمير حينا، ومع الواقع حينا آخر تحاول طرح سؤال لم يغب عن الذاكرة ولكنه ظل مختفيا حياء أو موضوعية أو كلاهما... متى نعود ولماذا لا نعود؟؟؟
وبدأت قوافل العودة تطل بأنفها محتشمة في البداية، ممثلة في بعض الاأفراد منذ أوائل هذه الألفية عبر المعالجات الشخصية التي فتحت لها القنصليات أبوابها شراعا لتطبيق ماصطلح عليه بتصحيح الوضعيات، لتتسارع خطاها منذ ردهة من الزمن، وكانت هذه الصيفية مثالا حيا لتوسع هذه الظاهرة حيث طالت بعض الوجوه المعروفة على الساحة الإسلامية والمنتمية إلى حركة النهضة. وإذا كان التوجس والاعتراض والرفض هو الموقف الغالب من هذا المسعى، إلا أن تغيرا في المواقف قد بدأ يلوح عند بعض القيادات والتي يبدو أنها لم تعد ترى داعيا لهذا التحفظ بل سارعت إلى مباركته ولا ترى مانعا من هذا الخلاص، وهذا ما يستبان من حديث الدكتور النجار في مقاله الأخير في قوله : "وأخيرا، فها هي بعض من أشعّة نور بدأت تبدّد الظلام : .. وعدد من المهجّرين يعودون إلى أرض الوطن، وقد علمنا أنّ أكثرهم قد تجاوزوا الحدود بكرامة محفوظة، وإن يكن بعض من رفاقهم لم يُمكّنوا بعد من جوازات سفرهم وقد قدّموا مطالبهم منذ مدد طويلة... " [1]
 وقفة تأمل ونقطة نظام تفرض نفسها على هذه المنهجية الجديدة في التعامل مع ملف اللاجئين والمشردين. لقد ذكرت سابقا ومنذ مبادرة المصالحة المعروفة سنة 2003 أن من الأسباب التي دعتني لإطلاقها حينذاك هو تفشي ظاهرة الخلاص الفردي والحديث الذي طالها داخل الكهوف والدهاليز، فأردنا تعرية المستور خطأ حتى لا نبني في الظلام، وكان خوفي غلى ضمور المشروع الإصلاحي ذي المرجعية الإسلامية بضمور عدد حامليه وانسحابهم هو الدافع لتلك الوقفة، ولم أتخل منذ ذلك الحين عن التذكير بأهمية العنصر المهجري وتلازمه مع العنصر الداخلي، وأن خلاصه لا يكون إلا ضمن خطة جماعية تطال المساجين السياسيين وحالة البلد إجمالا...[2]
هـــوامش :
[1] د.عبد المجيد النجار "أما لهذه المأساة من نهـاية" نونس نيوز 04.08.2007
[2] انظر مثال ذلك خالد الطراولي "المصالحة الوطنية والنجاة الفردية خطان لا يلتقيان" رسالة اللقاء رقم 6 بتاريخ 15 أفريل 2006 موقع اللقاء الإصلاحي الديمقراطيwww.liqaa.net
أوت 2007
ـ يتبـــع ـ

2007-08-08