الخــلاص الفــردي ومشــاريــع العــودة [3/3] الجزء الثالث / د.خالد الطراولي

د. خــالد الطــراولي
ktraouli@yahoo.fr
 
إن هذه العودة الفردية والخلاص الشخصي إذا تواصلت بهذا النسق و في ظل هذه المباركة العلنية أو المخفية لبعض الوجوه أو سكوت الرضا من بعض الجهات، تمثل حسب زعمي ضربة قاسية للمشروع تزيده ضعفا وضمورا، وتضاف إلى منهجية التفريغ والتهميش والاستئصال التي لا زالت تطاله منذ عقود حيث أُرغِمَ المشروع السياسي والفكري على الانسحاب والتواري، والابتعاد القسري عن البناء لعدم وجود الطاقات الكفيلة، المسجونة أو المشردة، أو لغلبة الواقع الموضوعي، أو لهيمنة البعد الحقوقي على ما سواه كما أسلفت الحديث عنه، وخاصة لعدم وجود خطة عملية في التوظيف والبناء الفكري والمعرفي في ذلك، وهو الأهم.
والليلة كالبارحة، وها أن المشروع نفسه لا يجد في وطنه إطارا من الحريات الكفيلة ببنائه، فالسجن الكبير لا يسمح بالإبداع ولا حتى بالتواجد البريء، غير المشي حذو الحائط بدون صوت أو إشارة، ولا يدخل أبنائه المهاجر مكرهين إذا التزموا السكون والتهميش، ولكن ينسحب أو يضمر نتيجة تواصل واقع داخلي ضاغط ولا شك،  ولكن هذه المرة برضاء بعض حامليه، بوعي أو بغير وعي، وهم يعودون بدونه على أجنحة من سراب.

استراتيجية العامل المهجري
لا أزلت أعتقد بأن عملية التغيير والإصلاح ترتكز أساسا على بناء وفاقي بين الداخل والخارج، وأن المهجر يشكل عنصرا ثابتا ومحددا في البعد الإعلامي والبناء الفكري للتحضير للتحول. ومن الصدفة التي جعلت المهجر ملاذا، أصبح هذا الأخير عاملا أساسيا في نجاح التغيير، وأن ضموره أو نهايته تعني موت مشروع التغيير أو تأخيره أو تهميشه وفشله. ولقد رأينا مركزية العامل الخارجي في عديد المواقف والحالات التي تعرضت لها المعارضة والتي ساهم المهجر من خلال تعبئته الإعلامية وتواجده المباشر على الساحة الدولية بالتعريف بالقضية والمساهمة في تعرية وجه الاستبداد.
إن تساؤلات عديدة تفرض نفسها وهي من بديهيات منهجية العودة وهدفها : هل إذا عدنا عادت معنا حرياتنا، عادت معنا شاشاتنا وكتاباتنا وأقوالنا وأفعالنا؟، أم نعود مغللين مكبلين لنلتحق بقافلة الأفواه المكمومة والأيادي المضمومة والأوجه الملطومة؟ لقد عشنا في منافي تنفّسنا فيها معاني الحرية ونسماتها وأشواقها، ويصعب علينا التنفس خارج إطارها والتخلي عنها بعدما كنهنا مذاقها. كيف بنا ونحن لم نعرف الحرية ولا لونها ورضينا بالمنافي والتشريد من أجلها، كيف اليوم ونحن لمسنا حقيقتها مع نسبيتها في هذه البلاد الطيبة وعشنا أيامها ولياليها، أن نرضى بانفلاتها عنا؟ لقد خرجنا من أجل الحرية، فهل نعود بدونها؟ لقد خرجنا من أجل وطن جريح، فهل نطأ أرضه من جديد دون أن نضمد جراحه؟ [ خالد الطراولي المنفيون والمشردون جنان معلقة أم مأساة منفية 15.02.2006 رسالة اللقاء رقم 3] [www.liqaa.net
 إني أزعم أن المهجر وإن كان إطار تشريد ونفي ولجوء وعذابات وفراق وآلام، غير أنه كان "فرصة" ورب ضارة نافعة، في وجود إطار من حرية نسبية، معدومة في الوطن، وجب استغلالها الأقصى وتوظيف زمنها الثمين في البناء الفكري والإعلامي، ولا أن يقع ارتهان المعرفي بالحقوقي لأكثر من عقد ونصف من الزمن، فضمر كل البناء وأصبح فضفاضا لا يقاوم أي موجة نقد جدية أو حتى استخفاف هابط.
إن هذه العودة "للعادية" للفرد الإصلاحي ذي المرجعية الإسلامية هي أكبر خطأ تجاه المشروع وأكثر خطر يطاله للتهميش واللامبالاة، حيث أنه إذا تخلى أهل الدار عن دارهم فمن يحمل المفاتيح ويفتح الأبواب، فهي إلى التلاشي ولو على مراحل لا محالة تسير. وهذه " العادية" و"اللامبالاة" التي تتبعها، تجاه المشروع والذي طال المهجّرين والمبعَدين لن يبقى حكرا عليهم، وسيطال أطرافا أخرى في الداخل إذا تواصل تفريغ الخارج من شحناته، وعلينا أن نتساءل عن حال أكثر من 30 ألف سجين انتموا يوما لهذا المشروع، ونسأل أين هم؟؟؟

متـــى نعـــود إذا ؟
ليست هجرتنا نهائية حتى وإن طال الاستقرار حياتنا من أهل وعشيرة وأبناء وحتى أحفاد، ومشاريع خاصة وعامة، لكن هجرتنا كانت ولا تزال يوم يمّمنا وجوهنا شطر هذه البلاد الطيبة، من أجل مشروع الحرية. فهل عادت الحرية حتى نعود لنساهم مع الأحرار في بناء هذا الوطن العزيز !!!
إن هذه العودة المغشوشة والتي لا ننسى مباركة السلطة لها، تبقى التزاما ثنائيا مباشرا أو غير مباشر، ونوعا من الاتفاق الجلي أو الخفي بين طرفين، سلطة وفرد، يسمح الأول للثاني بمقتضاه بالعودة إلى الوطن في مقابل الخروج من المشهد السياسي كفاعل، وعدم الخوض المباشر في الشأن العام، والالتزام بمواطنة سلبية صامتة. ولن نبني على أحلام وأمل مغشوش في العمل، حتى وإن زعم البعض أن العمل في الداخل سيكون عفويا ويمكن أن يعوض المؤسسة، بعد أن تخلفت هذه الأخيرة عن أداء واجبها، وفشلت في أداء مهمتها، وحملها الإطار المستبد على التواري والعدم. والبعض ينسى طبيعة النظام نفسه وتاريخه وتوجسه المفرط من أي عمل إصلاحي، مؤسساتيا كان أو عفويا، إذا تحسس منه خطابا أو ممارسة يمكن أن تؤذيه أو تعاديه أو لا تخدم مصالحه.
إن ساعة الصفر السياسية وحتى الحضارية هي التي يتم فيها الإعلان عن نهاية عهد الاستفراد والاستبداد، والسماح بالكرامة والحرية والتعددية داخل البلاد، وخاصة لوجود أحزاب مدنية ذات مرجعية إسلامية، كما يحدث في بلاد الجوار. حينذاك، وحينذاك فقط لن يبقى لنا مبرر واحد للبقاء خارج أسوار المدينة، ولن يبقى لنا مبرر واحد للتخلف عن ركب البناء والمساهمة المباشرة في ازدهار الوطن ورفاهية مواطنيه. ولا يُفهَم من هذا أن وجودنا في المهجر يبقى مشروع انتظار ووقوفا على الأعراف، ولكن كما ذكرنا آنفا، وجود فعل، و مقام نضال وبناء، ومساندة. ولن تأتي ساعة الصفر هذه على طبق من ذهب ولا في لفاف من حرير ولا ترقبا لها على نهر السين أو التاميز ولا في عودة صامتة تمشي حذو الحائط وتنشر اليأس على الجميع... ولكن عبر ثبات على المبادئ وعمل متواصل ومرونة في التعامل وثقة في النفس وفي المصير.
إن المحدد الأساسي للعودة أو البقاء ليست مصلحة الفرد، ولكن مصلحة المشروع، والفرد جزء منه، وليس المحدد نزوات وحنينا وإحباطا ويأسا، ولكن جدوى وفعالية الإطار، ولا نخال الإطار الداخلي اليوم مهيأ ويحمل قابلية التعامل بعقلانية ورشد مع المشروع الإصلاحي ذي المرجعية الإسلامية.
إن العودة الصحيحة والسليمة هي عودة المشاريع المنبوذة والمشردة والمقصاة والمنفية مع أصحابها وذويها، وهذا لن يكون ناجعا إلا ضمن اتفاق شامل وحل جامع، يخلّص المشهد السياسي من عقلية الاستفراد وثقافة التفرد ومنهجية الإقصاء...

مـــا العمـــل ؟
لا يضير المشروع اليوم أن الكثير من أوراق اللعبة في يد السلطة وهي تنتهج منهجية القطرة قطرة في التعامل مع المشهد السياسي، ولكنه كما قلت آنفا الصبر والعمل والمراهنة على النفس الطويل مع مرونة لا تلغي الثوابت وبراغماتية لا تزيل المبادئ، زيادة على الثقة في المشروع الذي نحمله وفي الوطن الذي ينتظره وفي أن الكثير من الأوراق والمكاسب التي نحملها لا يجب أن تغيب أو يقع تهميشها أو تغافلها وقد بُنيَ بعضها على صفحات من دماء وأنين وآلام.
إن المطلوب اليوم من حركة النهضة، وهو الفصيل التي عبّر أحد قياداته بصفة فردية عن موافقة ضمنية لمنهجية الخلاص الفردي، توضيح موقفها في هذا الشأن ولا يجب أن تستهين بهذا المعطى الجديد، وأن تحسم أمرها فيه بكل حزم ووضوح...
إن المطلوب اليوم من كل فرد ينتمي إلى المشروع الإصلاحي ذي المرجعية الإسلامية أن يراجع مواقفه على ضوء ما يترقبه منه هذا المشروع، ولا ينسى مسؤوليته تجاهه وتجاه وطن لا يزال يبحث عن خلاص.
إن المطلوب اليوم من السلطة، ولعله يبدو غريبا، أن لا تغتر وتهنأ بمسعاها هذا في التشجيع على الخلاص الفردي وهي تظن الإتيان على الوجود الخارجي للمشروع بعد أن استتب لها الداخل أو يكاد. إن المطلوب منها أن تعلم أنه بمسعاها هذا، فإنها تواصل الإتيان على مشروع إصلاحي سلمي ديمقراطي، يحمله ولو مشردين ومبعدين، وطنيون كرماء لا يحبون إلا الخير للوطن، ولا يحبذون العنف أو المواجهة، ولكن يسعون بكل وطنية إلى تواجد ديمقراطي هادئ مع الجميع دون إقصاء أو تهميش. وهي بهذا الاستبعاد، وبوعي أو بغير وعي تهيئ السلطة الظروف المناسبة لنشأة بدائل أخرى تستدعي التطرف والمغالاة، لأن الطبيعة تهاب الفراغ. ومن مصلحة الوطن عامة الأمن والاستقرار والرفاهة لجميع مواطنيه.
إن هذا الموقف الذي يتبناه اللقاء الإصلاحي الديمقراطي الذي أنتمي إليه، من رفض لهذا الخلاص الفردي الناتج عن بطالة فكرية وعدمية نضالية وفراغ سياسي، واعتباره مطية لضمور المشروع الإصلاحي ذي المرجعية الإسلامية، وتهميشا لدوره في المشهد العام، يتناغم مع مركزية المصالحة التي يتبناها "اللقــاء" في برنامجه والتي تعني مصالحة بين المشاريع قبل المصالحة بين الأفراد، وعودة هذه المشاريع المشردة إلى أوطانها مع حامليها بكل عز وكرامة، ولقاء سليم وسلمي بين الحاكم والمحكوم بعيدا عن الأضغان والحساسيات والمحاسبات والعداوات، والبناء على بياض.
إن باب التفاؤل يبقى مفتوحا لأن ما خطه قلمي في هذه الصفحات ليس استثنائيا ولا أحمله لوحدي والحمد لله، فزيادة عن اللقاء الإصلاحي الديمقراطي، فهو موقف العديد ممن اقتربت منهم، وهذا كفيل بزرع بذرة أمل في غد أكثر إشراقا، وإن كان الحمل سيتضاعف على الجميع..، سلوانا أنه من أجل تونس، وتونس تستحق الكثير...
لن يظن أحد أننا لا نملك مشاعر وعواطف ووجدانا، لا يظن أحد أن ليس لنا قلوبا جريحة أماتها كمدا فراق الأحبة من آباء وأمهات وإخوة وخلان... بعضنا لم ير والديه منذ عقود، وبعضنا أصبح يتيما وذهب الوالد والأم إلى لقاء السماء دون أن يتركوا عنوانا على الأرض... لن يظن أحد أن حنين الأوطان قد أسكته طول السفر ووعرة الطريق، فكم هي ساعات الليل الطويلة التي يرفض النوم فيها مغالبة الأجفان، لتحلق بنا المشاعر والأحاسيس في سماء بلا أنوار ولا ألوان، تحمل صورا حزينة عن دموع أهل وعشيرة أراد لها بعض أبناء جلدتنا ـ سامحهم الله ـ أن تعيش العذاب !!!
لكن كل ذلك ينحبس حقيقة ويتوارى لما تكون نافذة الرؤيا وزاوية الفعل مرضاة رب وإسعاد شعب، حيث تصبح كل دقيقة حمل ومعاناة، كل دمعة حزن ومناجاة، كل ليلة بيضاء، كل دفعات يأس، كل مشاهد إحباط، كل ساعة بعيدا عن الأهل، كل صراع مع الضمير أو مع الشيطان... كل ذلك يصبح نسبيا ومطية نحو المطلق...نحو الله.
أوت 2007
ـ انتهـــــى ـ

2007-08-14