لا تحمّلوا المشهد أكثر مما يحتمل : رجـال أفاضل ومهمـة نبيلة/ خـالد الطراولي

د.خــالد الطراولي
ktraouli@yahoo.fr
 
يعيش المشهد الحقوقي هذه الأيام ضبابية وشبه هزة حملتها بيانات متتالية ومتناقضة للجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين، وقد أحدثت الصورة بعض الدهشة للعديد من المهتمين بالوضع الحقوقي والمتابعين للشأن العام. في هذه الكلمات التي أردت أن أخطها على عجل أردت التذكير لمن هو ناس أو غافل، أردت التنبيه لمن يريد أن يركب الحدث للتشويه أو المزايدة، أردت التحذير لمن يشكك في قامات ورجال وقضية..، نريد أن نقول للجميع أن المشهد لا يخرج من طبيعة تنافسية بريئة..، لا يتنافس الأستاذ الفاضل محمد النوري والقاضي الفاضل المختار اليحياوي من أجل عمارات للتملك أو الكراء، لا يتجاذب الرجلان أطراف الحديث من أجل ضيعات ومعاملات، لا يجري الأستاذان وراء التقرب من ذوي الجاه والسلطان، لا يسعى الصديقان إلى ترئس جمعية وراءها الكسب والدرجات العلى، لا يركض الطرفان وراء رضاء فلان أو علاّن أو حزب أو منظمة.
الأخوان يتنافسان من أجل خدمة مهمة نبيلة وشريفة وكثيرة المتاعب والأشغال، ولو على حساب الأهل والصحة، مهمة تعرّض صاحبها ولا شك إلى مصاعب ومتاعب، والتاريخ يؤكد ذلك ولا يزال... الجمعية الدولية للدولية لمساندة المساجين السياسيين منبر وفعل وممارسة نبيلة من أجل هؤلاء المرميين ظلما وعدوانا في دهاليز الموت البطيء، الجمعية لم يهدأ لأصحابها بال منذ سنين وهي تسعى لرفع الغطاء عن ممارسات شاذة، ومنهجية حيوانية داخل السجون في التعامل مع الخصوم السياسيين، الجمعية قدمت الكثير ولا تزال من أجل تونس بدون أورام، من أجل تونس خالية من سجناء الرأي.
ووراء هذه الخدمة النبيلة رجال أفاضل ونوايا طيبة وسعي للتغيير السليم في ثقافة وعقلية مهيمنة في التعامل مع الأخر على أنه معدوم وفي إطار بلا قانون. ومن هؤلاء الرجال الكرام الأستاذ الفاضل محمد النوري والأستاذ الفاضل القاضي المختار اليحياوي.
الأستاذ الفاضل محمد النوري ليس من النكرات، فهو علم من أعلام العمل الحقوقي وستفتخر به عديد الأجيال، ولا مزايدة على الرجل في حبه لوطنه وخدمته لقضاياه الحقوقية، وقد أبلى الأستاذ ولا يزال الكثير في ميدان التفريج عن الكرب وفضح القوانين الجائرة والممارسات غير القانونية. وليس الأستاذ الفاضل القاضي اليحياوي بالمتطفل على الوطنية ولا الفضولي على خدمة القضية الحقوقية والسياسية ويكفي الرجل فخرا ما أبداه ولا يزال من أجل الكلمة الحرة والمستقلة، ويكفيه شرفا ما دفعه في رزقه وأهله ومستقبله المعيشي من أجل قامة مستوية لا تنحني.
هذه هي الزاوية التي أردت من خلالها تبليغ رسالة إلى الأخوين الفاضلين أولا، رسالة لا ترتقي حتى إلى صف العتاب ولكن تلمس بكثير من الحياء والتواضع باب النصيحة، نصيحة لي قبل غيري، أن لا تنسوا الفضل بينكما، وأن ما يجمعكما أكثر بكثير مما يفرقكما، وأن لا نخطأ معركتنا الحقيقية التي تبقى قائمة إلى حين، مع الاستبداد والجور والانحطاط.
وهي رسالة ثانيا إلى كل المتابعين للمشهد، من يندهش، من ييأس، من يحبط، أن لا ينسوا بوصلة الاستنتاج والتعليق، ولا يخطؤا رؤية المشهد الحقيقي وهو جثوم الاستبداد وهيمنة العربدة، والذي لولاه لما وجدت أصلا جمعية بهذا المسمى النبيل، لا يجب أن ننسى أن المشهد الحالي ليس إلا تعبيرة عن هذه الحالة المغشوشة للشأن العام.
وهي أخيرا رسالة إلى من يكشّر، من يشمت، من يستخف، أن ما حدث له نافذة لا يجب أن تُنسى، وهو أن هؤلاء الأفاضل يتنافسون من أجل خدمة قضية نبيلة، وفي هذا إنذار لمن يعتقد أن الموت قد غلب على الساحة التونسية، أن هناك حياة وأن هناك رجال، ومن هذا الباب يأتي بإذن الله الإخلاص ويتبعه الخلاص.
مع التحيات الخالصة والودية من أخ كريم وصديق وفيّ.
 

2007-09-02