احتفالنا بالتحول : صيام يوم الذكرى والتبرع به للمنسيين /د.خالد الطراولي


د.خــالد الطراولي
ktraouli@yahoo.fr
في فترة طويلة نسبيا دامت خمسين سنة من بعد إعلان الجمهورية، وبعد أيام قليلة يمر على تونس عشرون عاما على بداية حكم العهد الجديد الذي تلى فترة طويلة من حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة... بعيدا عن المقدمات الطويلة، تساؤل نطرحه مباشرة دون لف أو دوران.. : هل يمكن لنا أن نساهم في الاحتفال على طريقتنا ؟؟
 كنا نود التعبير عن ذلك بحوارات مباشرة وعلى العلن، في المرئي والمسموع والمقروء، وفي إطار ديمقراطي تعددي سليم، يدلو كل برأيه الذي يؤمن به، ولا غضاضة في الاستماع والتناظر، لكن هذا لا يزال من عوالم الأحلام والآمال، ولعله أقرب إلينا مما نظن...
للسلطة وأنصارها الحق في الدفاع عما يرونه إنجازات عهد، ومعجزات ونموذج فريد، لكن كان لنا الحق في أن نعبر عن مقاربتنا عن تصورنا، كان للسلطة أن تستمع إلى صوت غير صوت المساندة العمياء ، لكن ما كل مايتمناه المرء يدركه، وتواصل السفينة رحلتها دون عيون الناقدين.
يتلخص خطاب السلطة في التذكير ببياض الصورة  عبر التركيز على حالة النمو الاقتصادي التي تشهدها البلاد من مؤشرات وأرقام، تظهر بصماتها خاصة في تحديث البنى والمرافق وارتفاع في دخل الفرد. ورغم أن الحديث يظل نسبيا لأن هذه الطفرة التنموية إن صحت أرقامها وتواصل ثباتها، لايجب أن تعالَج في المطلق، ولكن في مقابل ما ساهمت به في التنمية البشرية، وما سعت إليه في إنجاز توازن ثمارها على كل أفراد المجتمع،  حتى لا نجد من يحتفل باكتمال المليار، في مقابل من يبت حائرا لاكتساب أجرة يومه، أو من يبقى يحمل شهادة في يد والكفّ الأخرى تنادي السماء. ليس هذا مراد هذه الورقة المتواضعة لأن ذلك يتطلب أكثر من خاطرة أو من حديث، وسنحاول التعرض إلى هذا مستقبلا ونحن عازمون على ذلك بإذن الله، لكننا نود إبلاغ صوتنا على أننا قادرون على التفاعل مع الحدث على طريقتنا في مقاومة سلمية تبرز عدم اتفاقنا وتبليغ رأينا المخالف على ذلك.
هذا الطريق السلمي الذي ارتأيناه في التعبير عن رأينا في الاحتفال بالعشرينية على طريقتنا يعتمد على فرضيات أربع :
  • نحن نفصل داخل السلطة بين من تلطخت يداه ومسامعه وعيونه بمشاهد وممارسات وأصوات وآهات حمراء وسوداء، وبين من بقي على الربوة خوفا وانتضارا وحتى جهلا، لم يعجبه ما حدث ولكنه لم يمارس حقه في الرفض وواجبه في الإصداع بكلمة الحق. ونحن نؤمن أننا نستطيع يوما أن نقضي مع هذا الصنف مشوارا وطنيا كريما من أجل خير تونس وأهلها الطيبين.
  • أن التنمية اليشرية كلّ لا يتجزأ ولا تتوقف عند الباب الإقتصادي، فليس بالرغيف وحده يعيش الكريم، ولكنها تلمس كل أبواب الظاهرة الإنسانية وخاصة في بعدها السياسي والحقوقي، وهنا مربط الفرس وهنا موقع الأوجاع والآلام.
  • أن الذكرى ليست وقوفا على الأطلال والانتشاء بترنيمات الباعة المتجولين، ولكنه مراجعة وتقييم ومحاسبة وإعادة بناء.. ومن بديهية هذه الوقفة تساؤلات حول بقاع رمادية أو سوداء، ومحطات حملت الكثير من الأذى وأبقت البعض على الرصيف,
  • أن هناك مواطنين من أبناء جلدتنا ومن أتراب المدرسة والحي، نالتهم سننين عجاف، وطالتهم أيادي ظالمة أهلكت الحرث والنسل، ودخلوا هم وأسرهم في دهاليز مظلمة وأروقة عذاب ومآسي، منهم المسجون ومنهم المشرد، منهم من حيا ومنهم من غادر...وظلم ذوي القربى أشد مضاضة، على النفس من وقع الحسام المهنّد !
إلى هؤلاء أريد أن نقف اليوم وغدا احتراما وإجلالا، إلى هؤلاء المنسيين من الإنجازات أريد أن أعبر لهم عن موقف بسيط تجاههم،.. إليهم أنادي أن نحتفل بالذكرى على طريقتنا وأن نكون عمليين ولو في مستوى متواضع جدا، وأن نعبر عن اختلافنا بكل ما يسمح به الإطار، بموقف حضاري وسلمي يتمثل  في صيام يوم الذكرى والتبرع بأجره إلى هؤلاء جميعا، ومن لم يؤمن بالصيام فعليه بالإضراب جوعا مساندة لهؤلاء وإحساسا بما عاشوه ولا يزال بعضهم يعيشه من جوع وعطش. ونحن لا ندخل الضمائر ولا نحاسب النوايا ولا نفتش عن السرائر...
لا نصغّر من هذه الأعمال، و وهو ليس موقف العاجزين ولا اليائسين، ولكننا نعمل بما نستطيع ونتحرك بما تسمح به الظروف..، والوقوف ولو على رجل واحدة خير من الزحف على البطن أو دخول المقابر !
لا أريد عرائض ولا توقيعات ولا مساندات مباشرة، فالصيام بين العبد وربه، و"الصيام لي وأنا أجز به" كما في الحديث القدسي، فلنجعله خالصا لوجهه الكريم، ومن أراد التعبير على ذلك فليجعله بأسماء مستعارة، إلا أن هناك استثناء في هذا الطلب وهو أن يشهر رموز المعارضة على موقفهم إن وافقوا على هذا الطلب وذلك لما لهم من تأثير على أتباعهم فيعلنوا مساندتهم لهذا المقترح على عين الملأ، وأنا في انتظار ذلك والأمل فيهم كبير.
 

2007-12-01