منهجية العقم والعدم لدى المعارضة الإسلامية التونسية / د.خــالد الطراولي


د.خــالد الطــراولي
ktraouli@yahoo.fr
 
توطئــــة
كتبت منذ أشهر وبمناسبة الاحتفال بعيد الجمهورية مقالا يحمل تقريبا نفس هذا العنوان "ساعة الصفر والانتظار المغشوش"[1] تعرضت فيه لهذا التهافت لبعض أصناف المعارضة أو المحسوبين عليها على التعلق المفرط بهذه المحطات والتعويل عليها وكأنها ليلة "باب العرش" حسب المخيال الشعبي التونسي. أعود مجددا إلى هذا الفعل المعارض  المبني أساسا على انتظار مغشوش وتفاعل عقيم، لاستفحاله عند البعض وتوسّعه ليصبح منهج تعامل مفتوح مع المشهد السياسي التونسي، وليفرز منهجية تطرح النظر بعين واحدة، أو التقاعس واليأس والإحباط، أو التردد وعدم الحسم والبقاء في مربعات الرماد، أو الدخول في طوابير عرض عمل والاصطفاف وراء الشبابيك. حتى أصبحت هذه الظاهرة منهجية ثابتة ترافق أعيادنا ومواسم أفراحنا، كما يرافق الهلال أشهرنا القمرية، وهي إذ تعبر عن شيء فهي تطرح بكل جدية حالة الانسداد والفراغ والعقم والعدم، والتعويل على المجهول، دون استراتيجيا واضحة المعالم والأفق...
كانت محطة عيد الجمهورية سابقة في هذا المجال حيث انبرى البعض مناديا وحالما بهذه المحطة لخروج بعض الإخوة من سجونهم، وكانت الخيبة الأولى حيث جاء التحرير قاصرا، خرج البعض وبقي البعض الآخر، ثم بمجرد أن انتهى يوم الخامس والعشرين حتى علت الأصوات مجددا وأوجع البعض رؤوسنا بانتظار ذكرى العشرين، أي الوقوف مجددا على الأبواب طوال خمسة أشهر حتى يأذن الحاجب، وكأن هذه المدة لا تعني شيئا، وكأن أصحابها يقيمون في نزل خمسة نجوم وليس في زنزانات انفرادية ودهاليز مظلمة ! وبدأ التعويل والنداء والمراهنة، وكأننا في حفل ننتظر مكرمة أميرية، وليس الحال رفع مظلمة رهيبة متواصلة على جمع من خيرة الشباب أو من "خيرة الشيوخ" !
وكانت الخيبة مجددة ومنتظرة، كانت صعبة جارحة، خرج البعض وبقي البعض ولعل نفس الأصوات ستعيد لنا نفس الترنيمة، ننتظر محطة قادمة لعلها بمناسبة الاحتفال بوصولنا سالمين إلى موعد 2009.

المعارضة الإسلامية في المشهد السياسي
تمثل منهجية الانتظار السلبي تواجد عقلية معارضة تعيش اليأس المقنع، أو الإحباط الذي لا يريد ذكر اسمه، أو التردد والتحرك داخل مربع رمادي، أو مزايدات وحسابات شخصية أو جماعية، أو الارتماء في المجهول دون فقه المرحلة أو التحضير لبناء فكر وثقافة المقاومة المدنية... ومهما كانت التصنيفة فإنها تعبر عن حالة مرضية عويصة تعيشها بعض أصناف من المعارضة، ولا تخرج المعارضة الإسلامية التي تعنينا في هذه الورقة عن هذه الحالة المتأزمة ولو ببعض الخصوصيات و الظروف والمواقع.  
وإذا أردنا بكثير من التعميم والاختصار بلورة فكرة واضحة رغم صعوبتها حول منهجية الإسلاميين في التعامل مع المشهد السياسي إجمالا، والمبنية على فلسفة الانتظار السلبي والمغشوش، لاستوقفتنا أربع توجهات أساسية يمكن أن تتشابك أطرافها ولكنها تمثل أصنافا محددة :
1 / إذ يبدو أن البعض أسلم أمره لله ويئس من حلول مستقبلية وراهن على خلاصه الفردي وترك مشروعه جانبا وأصبح يعيش على ذكريات أيام الصبا والشباب، ولعل البعض يتحسر على ضياع مثل تلك الأيام الثمينة في عراك سياسي لم ينل منه أي نصيب غير التشريد والمنفى. فأقبل بعضهم على تجارته أو مورد رزقه بكل شره، حتى يعوض هذه الأيام الخوالي "الضائعة". لقد غادر هذا الصنف المركب ولكنه بقي ينتظر أن يلتحق به البقية، وظل يراهن على هذه المحطات علها تأتي بالفرج وتنتهي هذا المأساة وتقلل من وخز الضمير حيث يُطرَح سؤال يقض المضاجع : كيف يواصل أحدهم ارتياد البلاد والتنعم بدفئها وشواطئها ورضاء السلطة، وإخوة له لا يزالون يقبعون وراء القضبان وينالهم القيظ والغيظ، وسلطة لا تظهر أي تفاعل إيجابي معهم، وأصبح خلاصهم الفردي بالنسبة لبعضهم كحالة شبه المرمي على الرصيف؟؟؟
2 / أما الصنف الثاني فهو الارتماء في الأحضان، والمغالاة في التعويل، وتشخيص مركب النجاة، والتلويح بمبشرات العهد الجديد، والدخول في جوقة الإطراء اللافت، والسعي إلى عرض عمل، ونسيان المشروع تماما، حيث أصبحت هذه المحطات مواعيد للبعض بتذكيرنا وتذكير السلطة بأنهم هنا ينتظرون نهاية التشريد والإقصاء، لينتهي بالنسبة لهم قوسان توسعا أكثر من اللازم في حياتهم. وعلى خلاف الصنف الأول، الذين خرجوا من التاريخ من أضيق فوهة، فإن المشوار النضالي لهؤلاء لم ينته، ولكنه متغير وقابل للاستبدال، حيث يسعى البعض إلى تغيير المواقع ولما لا قلب "الفيستة" تماما وإيجاد التبرير السياسي وحتى التأصيل الشرعي لذلك !!!  
3/ وصنف ثالث يحاول أن يجد معادلة صعبة الحل عليه، فهو لا من مربعات السواد ولا من مربعات البياض، فالحيرة تملأ جوانب الطرح، والخيبة والمرارة تعبر الأسطر والكلمات..، يذكر على السواء محاسن القوم [السلطة] ويعلو من شأنها ويتعرض لمساوئهم ويقف مروَّعا، غير أنه لا يستطيع التقدم ولا التأخر، محصور في مربعه الرمادي، ولا يحمل في جعابه حلا عمليا، سواء التذكير بمحاسن الأخلاق والتعويل على حسن السريرة وحسن الظن بالجميع.
4/ أما الصنف الرابع فهو الأغلب على الساحة الإسلامية التونسية، إذ تحمله عقلية متكاملة وبرنامج سياسي، حيث أصبح الفعل المعارض مختزلا منذ أكثر من عقد في باب حقوقي مهيمن وضاغط، تمثل في إخراج السجناء والتهليل والتكبير لهذا الإنجاز على أهميته. هذه المنهجية تخفي حقيقة وقع طمسها أو تجنبها إلى حين : أين المشروع الإسلامي التونسي وما هي أطروحاته وبرامجه. فكانت المعركة الحقوقية على أهميتها، جدارا منيعا ولحافا يختفي وراءه هذا العدم أو العقم البرامجي.

الخطأ الاستراتيجي للمعارضة الإسلامية
لقد قلت سابقا ولازلت أجدده اليوم أن القصر ليس وحدة متجانسة وأن مراكز القرار والنفوذ متعددة، وأن أكبر فخ وقعت فيه المعارضة هي التصديق بأكذوبة نسجت أطرافها ببراعة، تمثلت في أن  كل الخيوط يحملها فرد وما سواه العدم، فأعرضت عن سبر الأجنحة والأطراف والحاشية... ولقد سقطت المعارضة الإسلامية نفسها في هذا الخطأ، ولعل عنف المواجهة دفعها لتشخيص المأساة وجعلها مرتبطة بشخص أكثر من أنها مرتبطة بمجموعة نافذة ومركز قوى وعقلية استفردت بأوصال الحزب الحاكم ودفعته إلى هذه الورطة. فاستسهلت الحركة الإسلامية التحليل والتبرير وجعلت مآسيها ومآسي البلد تعود إلى فرد واحد ماسك بكل الزمام ووراءه وحدة أزمة متماسكة ومتناغمة يتطاير الشر من عيونها جميعا، ولا ننسى في هذا الباب العمل الدقيق والكبير الذي قام به صنف من اليسار في مستوى التنظير لهذه المواجهة، ولتطبيقها في الميدان بأكثر إيلاما وشدة وتعسفا. ولعلكم تلاحظون أن هذه المنهجية لليسار لا تزال متواجدة ومتماسكة وتدفع نحو هذا المسار الظالم، وليس لكم إلا الاستماع إلى الأستاذ برهان بسيس في لقاءه التلفزي الأخير، وهو يعبّر بكل حزم وقوة عن هذا المنحى الاستئصالي والرافض لكل تقارب أو تفاهم أو تفهّم، وكأن الرجل يدافع عن رغيفه ولو على حساب تواصل هذه المحنة وهذه المأساة !!![2]
الخطأ الإستراتيجي للمعارضة الإسلامية مضاعف، شخّصت الصّدام ولم تعطه بعد المواجهة بين عقليات وفلسفات في الحكم متباينة، حكم استبدادي فردي وأسري من جهة، في مقابل حكم مدني ومتعدد ذي مرجعية إسلامية وديمقراطية من جهة أخرى, وكذلك بين برامج وخطط إصلاحية متناقضة، تستند الأولى إلى نموّ دون تنمية، تختزل الرقيّ في زيادة الإنتاج، وتنسى عدالة جمعه توزيعه، وتحقّر من التنمية البشرية وتختزلها في شعار "استهلك واصمت"، وهي أطروحة ومسلك النظام، وبين منهجية إصلاح مدني ذو أخلاقية إسلامية، توسّع باب التنمية البشرية بداية إلى الميدان الحقوقي والسياسي ولا تختزله في بطن خاوية فقط، ثم تعتبر العدالة في التوزيع ومحاربة الفساد والمحسوبية والرشاوى، إحدى أهم أهدافها الأولية.
لازلت أعتقد أن من بين التجمعيين أحرارا وليسوا مندسين، وطنيين وليسوا انتهازيين، يريدون الصالح العام وليس الهم الشخصي والمكسب الفردي، من يحمل داخله نفسا وطنيا وقلقا وانزعاجا مما يدور في الثنايا والدهاليز والأروقة..، لازلت مؤمنا بأن هناك في الضفة المقابلة أطرافا لعلها صامتة اليوم، ولكنها لا تنظر بعين الرضا لما تراه من سقوط وتساقط لكثير من المبادئ الوطنية والثوابت الأخلاقية... لازلت أرى أن هناك أفرادا خلوقين ووطنيين من قواعد التجمع نفسه، لا ينظرون مرتاحين لما يحدث في القمم وهي تحتك يوميا بمشاغل الناس، وترى وتسمع ما يعيشه المواطنون من ظلف العيش عند البعض وتضايقهم من ثراء بعض الأسر على حساب كل الوطن.
إلى هؤلاء بجب الإنصات، وإلى هؤلاء يجب مد يد العون، ومع هؤلاء يجب العمل لأني أؤمن أن عملية التغيير في تونس لا يمكن أن تكون بأيد خارجية و لا بأيد معارضة فقط، ولكنها خليط من أجنحة وأطراف وطنية ذات مرجعيات متعددة، تجمع من بين أضلعها هذا الصنف الوطني والغيور والكريم من التجمعيين الذين يمثلون عنصر التواصل السليم مع هذا الواقع التونسي.  
إن الحركة الإصلاحية ذات المرجعية الإسلامية والتي يمثل اللقاء الإصلاحي الديمقراطي أحد أطرافها، رغم عملية التهميش والإقصاء التي يتعرض لها من القريب والبعيد، يجب أن تبني جسورا وليس قواطع مع هذه الضفة، ممثلة في هذا الصنف الوطني، واللقاء الإصلاحي الديمقراطي على خلاف آخرين لا يخلط الأوراق، ولا يشخّص المواجهة، ولا يحشر الجميع تحت نفس اليافطة، ولا يرى بعين السواد، ولا يراهن على اليأس والإحباط ومغادرة السفينة والبقاء على الأعراف، انتظارا سلبيا ولعله شماتة وتشفيا، ولا يختزل المواجهة في زيد أو عمر،  ولكنه يؤمن أن الإصلاح ليس عملية مسقطة بعصا سحرية، وإنما تدرّجا نحو الأفضل، وهو ليس مسارا يتيما لصنف معارض مؤهل ومضيّق، يعيش على شرعيته التاريخية أكثر من شرعية الفعل الحاضر والمستقبلي، ولكنه حمل جماعة، وتجمّع معارض متعدد، بمعية كل مواطن وطني غيور، أيّا كانت ضفته ومنبت مرجعيته وحراكه.
ولهذا نذكّر بما قلناه في هذا الباب منذ شهور ولا نزال نراه يعبّر عن منهجيتنا الأصيلة في التعامل مع المشهد السياسي التونسي، واسترتيجيتنا الواضحة المعالم والأفق، كمعارضة إصلاحية ذات مرجعية إسلامية وديمقراطية، والذي يرتكز أساسا على مبدئية  المصالحة ومركزيتها وإعطائها الخصوصية التي تبنبناها :
" بين الرفض المبدئي لكل إرهاص مبدئي وهيكلي للتغيير، وبين الارتماء في الأحضان دون وعي، ودخول معاقل التطبيل والديكور الحزين، خيّرنا طريقا ثالثا في العلاقة مع المشهد السياسي يستند على المصالحة. فالمصالحة التي اعتمدناها في كتاباتنا السياسية والفكرية وتبناها اللقاء الإصلاحي الديمقراطي الذي ننتمي إليه، تُعتَبَرُ مبدأ ومنهجية تدافع وتفكير، وخيارا استراتيجيا وليس تكتيكيا في الحراك السياسي. وهي مصالحة تراهن على فريق دون فريق، وعلى جماعة دون جماعة، وعلى أفكار ومواقف دون غيرها، لا تنظر بنظارات سوداء لا تميز بين الظلمة والبياض، تراهن على الهيكلي والدائم، وعلى الوضوح الذي لا يخفي تلاعبا أو مكيافيلية سياسية، وإننا لازلنا نؤمن بأن الضفة المقابلة تحمل الشيء الكثير من الوطنية والكرامة والإنسانية والأفراد الوطنيين والغيورين على كل فعل خير وموقف وطني. وعلى هؤلاء يجب المراهنة، ولهؤلاء تجب المساندة والتدعيم، ومع هؤلاء يجب تقاسم مشوار سياسي ديمقراطي واعد لا يقصي ولا يهمّش. " [3]
21 / نوفمبر 2007
 
هــــوامش :
[1] انظر خالد الطراولي "ساعة الصفر والانتظار المغشوش" موقع اللقاء www.liqaa.net ركن اللقاء السياسي.
[2] برنامج "أكثر من رأي" قناة الجزيرة 16/11/2007.
[3] رسالة اللقاء رقم 25 "المعارضة ورهانات المستقبل : موقفنا من التغيير" موقع اللقاء ركن رسالة اللقاء.
 

2007-12-01