عندما يدخل النضال الراحة الصيفية والظلام لم ينقشع/ خالد الطراولي


د. خالد الطراولي
ktraouli@yahoo.fr

عندما طرحت منذ مدة تونس نيوز على قرائها استبيانا حول إمكانية استراحة طاقمها الفاضل في عطلة الصيف، وهم الذين لم يغادروا جدرانا ولا حدودا، طيلة خمس سنوات قضوها في إمدادنا يوميا بنسمات البلاد ورياحها، على حساب ذواتهم وأهلهم وصحتهم، كان التساؤل شرعيا ولعله طبيعيا، وهو تأكيد في الحقيقة على مدى التعب والإرهاق الذي أصاب هؤلاء الأفذاذ وصيحة استنجاد وتأمل واستعانة.

لم يخطر ببال أحدنا أن هذا المنبر الذي أصبح جزء من ذواتنا سوف يتعطل يوما أو ينحسر أو يغيب يوما عن حياتنا، حتى أصبح عند بعضهم يمثل زيارة يومية إلى بلاد، مُنعوا جورا من استنشاق نسيمها، وارتداد أحيائها، ومعانقة حجرها وشجرها. كانت السفرة اليومية بدون تذاكر إلى بلاد بلا عنوان، ولكنها كانت كافية عند البعض لحماية الذاكرة، وعند البعض الآخر للدفاع عن الوجود... كانت تونس نيوز معبرا إلى الحياة ودرئا للظلام، وكانت مثالا حيا للوقوف رغم الرياح العاتية وقلة السند والوتد، وتعبيرا على أن الحرية سلعة غالية تتطلب نفسا طويلا وليالي أطول، لا يُدّخر جهد ولا قلم و لا صوت من أجلها، لا راحة ولا توقف ولا استلقاء...

هذه المقدمة أدرجتها للتعبير عن موقف أردت طرحه بعدما لمست منذ دخول العطلة الصيفية وأيامها لا تزال طويلة، بعض الخمود والانكماش في مستوى الخبر والمقال، في مستوى الفكرة والنضال، حيث يظهر المتابع لتونس نيوز انحسار العمل النضالي، والعرائض الفاعلة، والكتابات الداعمة، فهل دخل النضال أيضا راحة صيفية، وعبر أصحابه إلى ضفاف الاستجمام والارتخاء بعد طول تعب ونصب؟

حديثي هذا له ما يبرره، وبعيدا عن الأستاذية في هذا المجال وفي غيره، وكلنا له سقطاته وضعفه، فإني أردت لفت الانتباه إلى أن الاستبداد لم يدخل في راحة صيفية، ولم يغادر البيوت والأحياء ويتخلى ولو ليوم واحد عن فعله وشروره..، أردت أن أقول أن الظلام لم يزل جاثما على الصدور، وأن عديد الأسود مازالت رابضة وراء القضبان، صابرة محتسبة أمرها إلى الله... لقد مرت على تونس في الأسبوع الماضي موجة من الحرارة الرهيبة فاقت الأربعين، وكم كان الضمير معاتبا ومنغصا ونحن نرتوي بالماء البارد ونستظل بجانب المكيف وبين الأهل والعشيرة، وغيرنا لا يكفيه الفراق والقضبان والأمراض ليزيده الحر الفتاك عناء على عناء...

لم يرحم الاستبداد ضعفا ولا شيبة ولا مرضا، ولم يرتح يوما ويخرج على المعاش والشيخوخة ويريح البلاد والعباد، ولم يدخل في إجازة شتوية ولا صيفية، قصر أو طال أمدها، بل ظل واقفا عنيدا محافظا على مبادئه الغاشمة وطامعا في المزيد...

إن ما يزعجني حقا ولا يريح لي بالا عندما تطأ تفكيرنا ولو للحظة فكرة الاستراحة والتخلي ولو لأيام معدودة عن مهمة النضال والمواكبة، ولو بدافع أسري وعملي... إذا كان الاستبداد لا يرتاح فكيف لنا بالراحة..؟ إذا كان الظلم لا يعرف السكون والمراجعة فكيف لنا بالصمت والارتخاء..؟، إذا كان الشر يتقد عزما وإرادة، فكيف للخير أن ينكفأ وينسحب...؟

إن ما يُطلب من الجماهير غير ما يُطلب من النخبة، وإن ما يقدمه الفرد العادي غير ما يُقبل من الصفوة، لقد تذكرت وأنا أكتب هذه الكلمات على عجل موقفا لأحد القياديين المسلمين في هذا الزمان وقد قيل له وهو في عز سلطانه، لماذا لا تأخذ بالرخص وتتمتع قليلا بعد كفاحك من أجل وطنك فقال كلاما ما معناه ولن أنساه ما حييت : إنما وُضعت الرخص للرعية وأما النموذج فلا يجب أن يركن إليها!!!

النضال هو جزء من الاهتمام بأمر الوطن، ومن لم يهتم بوطنه فلا وطن له، وإن أناسا من بني جلدتنا قابعون في سجونهم، مُنعوا حب الوطن ويتحملون الويلات ليلا ونهارا من أجل إثبات مواطنتهم كاملة تجاه وطن عزيز لم يرد البعض مشاركتنا إياهم فيه، إن هؤلاء قد وضعوا أمانة في عنق كل فرد من هذا الجيل للدفاع عنهم، وأن هذا الدفاع لا يسمح براحة و لا بغفوة، وإن حب الأوطان ليس حديثا ودردشة تملأ البيوت والقاعات، ولكنه فعل دائم آناء الليل وأطراف النهار، خاصة إذا كان هذا الحب عليه السلاسل والأغلال في وطن أسير يستغيث.

تساؤل أخير يقض المضاجع وليعذرني من لا يؤمن بما يلي، وليسمح لي أن أدخل به إلى منازل يمكن أنها لا تؤيه، هذا التساؤل هو وقفتنا أمام الله والسؤال الصعب الذي ينتظر جوابا... ماذا قدمت لوطنك..؟ هل راحتك وإجازتك تجوز، وأقوام من إخوتك لا يعرفون للظل مكانا..؟ هل توقف مداد الظلم أو جف، وخفت صداه أو تغير، حتى يتوقف قلمك أو يسكت صوتك وتدخل في إجازة؟ هل استأمنت لغدك حتى تستريح، وغيرك لم يعرف الراحة وينادي ولا مغيث : أن كفى ظلما كفى جورا كفي استبدادا!
كتب هذا المقال لأول مرة ونشر في تونس نيوز بتاريخ 24 جويلية 2005 وهو تذكير دوري لهذه الظاهرة التي نخالها احدى سلبياتنا
 

2008-07-12