متى الإفراج عن شباب الصحوة الثانية ؟ / د.خالد الطراولي


د.خــالد الطراولي
ktraouli@yahoo.fr
 
إذا كان الفرح والانشراح قد غلب على الأفئدة وعلت الوجوه البشائر والتفاؤل، ونحن نرى بكل عزة وافتخار خروج آخر الأفاضل من السجون، فإن القلب لا تزال لم تكتمل نشوته وهو يرى ويسمع أن هناك وراء القضبان في تونسنا الحبيبة لا يزال يقبع شباب صغار، تذكر مأساتهم بمأساة الحركة الإسلامية في التسعينات وما ألم بها من جور ودخول السجون لعدد كبير من أبنائها...
نعم نثمّن ما حصل من تسريح وإن كان متأخرا جدا، فكل يوم وليلة، كل ساعة من نهار، كل لحظة من العمر قضيت ظلما وراء القضبان هي لحظة خسرتها تونس قبل أن يخسرها أصحابها...
نعم نفرح لهذا الانفراج وإن كانت فتحته ضيقة، فباب الحرية يجب أن يفتح على مصراعيه، وباب مغادرة السجون إحداها، ولا يجب أن يقتصر على مظلوم دون آخر...أبواب السجون مازال أزيزها يزعج وفتحاتها مغشوشة ولن يرتاح البال إلا حين يغادر آخر سجين سياسي عتبة معتقله ويعود إلى أحضان وطنه العزيز قبل دفئ أسرته وذويه...
نعم نهنئ من خرج، ولكن لا نريد أن يذكّرونا بعد مدة أن السجن لم ينته وإنما تغير المكان، ولعله اتسع، ولكن الزمان لم يتغير والعقلية لم تتغير والمشهد العام قابع في قاع بئر بدون ماء ولا ضياء! لا نريد أن نخط من جديد كما خططنا منذ سنين عن ويلات السجن الكبير، لا نريد أن تكثر اللافتات من نوع، "المواطن المنفي في وطنه..."
إن شباب الصحوة الأولى والثانية هم أبناء تونس ولا تفضيل بينهم في السجون والمعتقلات، وإن كانت المناهج تختلف، نندد بالتطرف والمغالاة، نند بالإرهاب، لا نقبل تغييرا قسريا يأتي على دبابة أو من وراء الحدود، ولكن هؤلاء البراعم على اختلاف توجهاتهم وإن اخطأوا الطريق إن ثبت ما فعلوه، هل هم سبب أم ضحية؟ هل نالوا حقيقة محاكمة قانونية سليمة شفافة؟، هل كان "القانون" المسلط عليهم قانونا دستوريا خالصا؟  هل ثبت أنهم لم يتعرضوا إلى التعذيب وعديد من التجاوزات، وقاعات المحاكم تثبت غير ذلك في شكاويهم وردودهم، وجمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان تتبنى العديد من قضاياهم؟؟؟
لنكن صرحاء مع أنفسنا ومع المفرج عنهم بالسلامة، ومع الحركة الإسلامية إجمالا، ومع السلطة في تونس، أن فرحتنا لم تكتمل وأملنا لم يتحقق وصدرنا لم ينشرح، ولن يغمض لنا جفن وبعض أبناء تونس لا يزالون يقبعون في الزنزانات وينالهم الجور، ولكن يبقى التفاؤل وحديث القلب قبل العقل...
يا أصحاب القرار في تونس الحبيبة، تمر الأيام تباعا وكلمة التونسي الجميلة "ما يدوم حال" وكلمة القرآن أجمل وأعمق وأشد وطأة "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" كلمات يتزاحم فيها الأمل والتفاؤل والإسراع نحو السمو المادي والروحي، ندعوكم كما دعوناكم سابقا إلى يقظة وتفاعل رشيد وواع مع أياد تحب تونس وتريد صلاحها...نجدد لكم خطابا لعلكم مللتموه منا، ولكننا لم نمله ولن نمله، لعلكم سئمتم سماعه، ولكنا لم نسأم إلا إلقاءه، لأنه نابع من أعماق حكومة الضمير والمسؤولية التاريخية والربانية، ولأنه خطاب حقوق للبعض وواجبات علينا...
* اجعلوا المصالحة الوطنية والوئام الوطني منهجا وسلوكا سياسيا حازما وشاملا لا يرتبط بمناسبة أو مزاج أو منة أو عطايا.
* إفراغ السجون هو بداية مسار صحيح وإغلاق ملف لا يشرف تونس، وليس نهاية مطاف وإسدال ستار مطالب الحرية.
* افتحوا النوافذ والأبواب لمشاهد الحرية والتعدد حتى يدخل النسيم العليل إلى كل بقعة من الوطن...
* أفرغوا السجون من كل مظلوم وأهل الحوض المنجمي وأبناء الصحوة الثانية جزء منهم كبير، وملف الحريات لم يغلق بعد!
* أغلقوا السجن الكبير وما يتبعه من سياسات ومنهجيات وسلوك كثيرا ما يوحي بأن عقاب التشفي والشماتة غلب على العفو والتغافر وأن التهمة لا تزال قائمة والمتهم لم يغادر زنزانته.
* اجعلوا همّ تونس والتونسيين ومصالحهم أكبر من هموم الفرد والجماعات ومصالحهم الضيقة.
هذه أمانينا أماني مغترب حالم آمل ومتفائل، يظن كل الخير في وطنه، ويقينه يحسم أن تونس ملك لأبنائها، كل أبنائها، دون تمييز بينهم إلا بحبها والسعي لمصلحتها قبل مصلحته، وسوف أدفع منازل التفاؤل إلى الأمام لأثمن من جديد ما وقع وأعتبره خطوة في مسار جميل وحالم وإن كان ضيقا وتشوبه بعض الاستفهامات... وأن ضفافنا يمكن لها أن تتقارب بعيدا عن الهواجس والكوابيس، ولعل قول المثل التونسي يبقى خير معبر لحالنا في مثل هذه الأوضاع "اللي يستنى خير ملي يتمنى"...
6 نوفمبر 2008
ملاحظة : تحية إكبار وتقدير وتهنئة بدون حدود نرفعها بكل حياء وعزة باسمي الشخصي ونيابة عن اللقاء الإصلاحي الديمقراطي إلى إخوتنا الأفاضل المسرحين، وحمدا وشكرا لرب العزة والوجود، وتثمين لهذه الخطوة حتى تتلوها خطوات نحو مزيد من الوعي بضرورة انفتاح المشهد السياسي لتعدد سليم وصادق لا يقصي ولا يهمش.
 

2008-11-07