18 ـ 14 ـ 27 ـ 1 / د.خــالد الطراولي


د. خــالد الـطـراولي
ktraouli@yahoo.fr

ليست هذه أرقام هاتف! ليست ورقة يانصيب ! ليست أرقام لوحة سيارة ! ليست أرقام سجين وإن كنا اقتربنا... لن تفيد المتابعة ولا البحث طويلا... سلسلة عجيبة جعلتها لأول مرة في كتاباتي عنوان مقال! لقد سقطت الحروف والكلمات تباعا، فشل منها من فشل وتوارى منها من توارى، وتخلف منها من تخلف، حياءا من بعضها، وعجزا عن التعبير في البعض الآخر...
أرقام أربعة تخبر متابعها عن أحوال فرد ثم أحوال جماعة ثم أحوال شعب...
أرقام أربعة تتهم، تندد، تستنكر، لا تحمل حشوا ولا ترفا، لا زيادة فيها ولا نقصان...
أرقام أربعة تعلن للجميع وعلى مرمى العالم أن هناك في تونس البراءة، تونس التاريخ، تونس الهوية، لا تزال فئة من مواطنيها يعيشون سنوات جمر ومعاناة، لا يزال البعض من أهلها لم يرق بعد إلى صفة المواطنة، قدره وقدرهم جميعا أن يظلوا مواطنين من درجة ثانية، أن يعيشوا وراء القضبان... بعضهم قضبانهم ملموسة، وآخرون من وراء جدران ضاغطة لا تُرى ولا تبقي للنفس موطئ قدم من راحة...
حياة الدكتور الفاضل الصادق شورو مرت من هنا...أرقام قاسية عليهم وقد ظنوها قاسية عليه... تحمل عناوين الشماتة ودخول القضاء مواطن المحاسبات السياسية، وهي نياشين عزة وشرف على صدر أخينا...
مكث الرجل الفاضل 18 سنة وراء القضبان جورا، وما بدل وما غير، لم يساوم ولم يتنازل وبقي رمز وفاء وعربون إخلاص...
دخل الزنزانة الانفرادية ظلما وعدوانا وبقي فيها 14 سنة كاملة والتاريخ من حوله يمر ليكتب شهادة للأيام و للأجيال... ولن يفقه أحد ويلات هذه السنوات الحمراء إلا من ذاق عذابها ولذلك لن أحدثكم عنها إلا سماعا وأنا مقصر لا محالة لهول ما يقع... ولذلك أعتذر!
خرج الرجل الصادق من وراء الأسوار وقد غلب الشيب شعره وقد دخله شابا يافعا، فأصبح شهادة جديدة لما يشيب له الولدان...وجد الأهل... ما بدلوا وما غيروا... كبر من كبر ومات من مات و تغيرت الألوان... إلا لون الشتاء!
27 يوما قضاها مع الأحبة... حرية مغشوشة، تستدعي الصمت الكامل والعيش حذو الحائط بين الأموات...27 يوما في واحة لا ينساب فيها خرير المياه !!!
ثم عودة مبكرة وسنة 1 جديدة وراء القضبان، هكذا تكلم القضاء ويا ليته صمت... ليته لم يدخل لعبة فقد فيها الكثير من مصداقيته، وهكذا يلتحق التاريخ هرولة ليصطحب رجلا كريما مظلوما إلى غياهب السجون، ليكتب صفحة جديدة تزداد إلى كتاب النضال من أجل تونس كريمة لكل التونسيين دون إقصاء.
سلسلة عجيبة نعيد كتابتها حتى لا تنساها الأجيال 18 ـ 14 ـ 27 ـ 1 تمثل أرقام شرف ومروءة وصبر، أرقام تتهم ولكن لا تحقد، تدين ولكن تصبر وتصابر... أرقام تدعو إلى مواصلة الطريق، طريق العزة والوفاء، طريق الوقوف وعدم الانحناء إلا لله!
اعذروني في ختام هذا الحديث الصامت أن أزيد لهذه السلسلة رقما جديدا أراه ملازما لها ولم تستطع أصابعي إلا نحته اعترافا وتواضعا لأخينا الدكتور... 114 سورة... قرآنا محفوظا في القلب، يدخل السجون وسيمشي يوما في الأسواق!
 

2009-04-09